أخبار اللغة / الدكتور خالد الغامدي


الدكتور خالد الغامدي

 الأحد 12 تشرين الأول 2014، 09:39 PM

المصدر: مكتب العلاقات العامة


 مستقبل العربية الفصحى .. الغموض المقلق !

الدكتور خالد الغامدي- المملكة العربية السعودية

بسم الله الرحمن الرحيم

العربية اليوم واقعة في ظروف خطرة تهدد مستقبلها القريب ، وهي تعاني من عقوق أبنائها قبل حرب أعدائها ، ولسنا بالمتشائمين حين نقول هذا ، فعلامات الخطر ونذر المستقبل قائمة أمامنا ؛ فالعربية في حالة سيئة معرفيا وتداوليا ، وليس هذا من قبيل الأمر الخفي الذي يحتاج في بيانه وإثباته إلى أدلة ؛ بل هو من قبيل الشائع المعلوم ، ويكفي أن نذكّر المتشكك بحال العربية الفصحى في كتابات الطلاب العرب وألسنتهم في مراحل الدراسة المختلفة ، بل حالها في ألسنة معلميهم وأقلامهم ! كما أننا لسنا بالمتفردين في هذه الدعوى ؛ فهناك كثير من الصيحات والتحذيرات التي أعلنها قبلنا لغويون وأدباء وتربويون في مواقع مختلفة ، كالدكتور كمال بشر رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة والدكتور عبدالله الدنّان اللغوي السوري المعروف (1) وصاحب التجربة المعروفة في تعليم الطفل الفصحى منذ الولادة (وهو صاحب فكرة برنامج افتح يا سمسم الناجح ) والدكتور عبدالسلام المسدي الناقد واللغوي التونسي الذي أخرج قبل سنتين كتابه المهم جدا " العرب والانتحار اللغوي " وحذر من خطرين : الخطر الخارجي (اللغات الأجنبية ) والخطر الداخلي (اكتساح العاميات ) وحمّل السياسيين وأصحاب القرار المسئولية الأولى في تردي العربية وانزوائها ، والدكتور أحمد الضبيب اللغوي السعودي في كتابه " اللغة العربية في عصر العولمة " والدكتور مرزوق بن صنيتان الناقد والأديب السعودي في محاضرة له عن مستقبل اللغة العربية في الخليج العربي (2) حذر فيها من عواقب الانتشار الأجنبي في دول الخليج على حساب الوجود العربي ، فهذا الانتشار البشري والاستيطان القانوني يعني انتشار اللغات الأجنبية وثقافاتها وفي المقابل : إقصاء اللغة العربية وثقافتها .

         إن مشكلاتنا اللغوية تعود في جذورها إلى قصور في الفهم ؛ فهْم الحقائق اللغوية عامة وفهم طبيعة العربية خاصة وما يتضمنه ذلك من خطأ في فهم الفصاحة ومستوياتها . وإن مشكلات الإنسان بصفة عامة تعود أولا إلى خلل في التصور قبل السلوك ، فما من مشكلة سلوكية إلا وتتأسس على المشكلة الفكرية . لذلك وجب علينا أولا أن نصحح المفاهيم حتى يسهل علينا بعد ذلك إدراك منابع المشكلة ومعرفة الأمور كما هي ، فهذا بجانب أنه يسهل لنا سبيل المعرفة البحتة فهو يسهل لنا كذلك سبيل الإصلاح ؛ الإصلاح الذي يقوم على المعرفة المنهجية وليس العاطفة والمجازفة .

     أولًا : أوهام يجب تصحيحها :

      1 _هناك تصور شائع عن اللغة (أيّ لغة ) أنها القواعد ؛ أي القواعد الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية ، ومع أن التعريفات الشائعة لمفهوم " اللغة  / language " في علم اللسانيات تنطلق من اللغة بوصفها نظاما لا بوصفها تطبيقا ( كلاما ) فإن هذا لا يعني أن اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية هي قواعد فقط ، بل هي قواعد وممارسة اجتماعية أيضا ، والذي شاع بين الجمهرة أنها قواعد فقط ، ومن ثم تركز الحديث حول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    انظر : الفصحى بين النظرية والتطبيق ، برنامج ساعة حوار في قناة المجد ، حوار مع أ.د.عبدالله الدنان حول تعليم العربية بالفطرة ، يوتيوب ، بتاريخ 12 / 10 / 2011 .

(2)    ألقيت في 13 / 3 / 2012 بمنتدى با محسون الثقافي بالرياض . والمحاضرة موجودة في يوتيوب .

 

القواعد : استسهالا أو استصعابا ، إقبالا أو نفورا ، إصلاحا أو استغناء عن الإصلاح ، وظن كثير من المختصين _ فضلا عن غيرهم _ أن إتقان القواعد النظرية يستلزم إتقان اللغة ممارسةً ومن ثم اكتساب الملكة اللغوية ، وهذا وهم يجب تصحيحه ؛ فهناك فرق بين الأمرين ؛ فالقواعد هي النظام الداخلي الذي يحكم بنية اللغة وعلاقاتها بين مستوياتها وأجزائها ، وهذا الوجه الأول للغة ، في حين أن الكلام هو ممارسة هذه القواعد النظرية الذهنية الجمعية الثابتة (ثباتا نسبيا ) في محيط اجتماعي ديناميكي متغير ، وهما وجهان لعملة واحدة ، ولكنهما لا يستويان في الوظيفة والأهمية ؛ فالقواعد يحتاجها الدارس والعالم للفهم والتحليل ، والممارسة يحتاجها الجميع ( الدارس والعالم وغيرهما من أبناء اللغة ) لممارسة الحياة ولإنجاز الأعمال ولتحقيق كل مواقف التواصل الثقافي بصفة عامة ، وهذا الوجه الثاني هو الذي يعنينا هنا في المقام الأول ، وهو مستوى يمكن تحقيقه والتمكن منه وصولًا إلى مستوى الفصاحة بدون معرفة الجانب النظري (القواعد) ، وأبلغ دليل على ذلك حال الفصحاء القدماء الذين قامت علوم اللغة على شواهد كلامهم ، فهم أساتذة الفصاحة والبلاغة ولم يكونوا أساتذة علم العربية ، والعكس ممكن كذلك ؛ فالتاريخ يثبت وجود علماء بارعين في الجانب النظري والمعرفي ضعفاء في جانب الملكة والممارسة ، ومن هؤلاء مثلا أبوعبيدة مَعْمر بن المثنى الذي ذكروا في ترجمته أنه ما كان يحسن قراءة بيت شعر قراءة سليمة ! وأسوأ منه أبو علي الشلوبين النحوي الأندلسي البارع صاحب كتاب القانون في علم العربية ، فكان لا يحسن كتابة سطر في الإنشاء الأدبي ! وقد أفاض ابن خلدون في مقدمته في كشف هذه الحقيقة وبيان الفرق بين الأمرين وأنه لا تلازم بينهما .

      إن اللغة كائن اجتماعي حي ، تنشأ وتتطور وتموت إذا توافرت لها أسباب الحياة والنماء والموت ، مثلها في هذا مثل أي كائن اجتماعي آخر ، وهي قواعد وممارسة ، وإتقان القواعد لا يعني جودة الممارسة ، كما أن إتقان الممارسة لا يستلزم معرفة القواعد ، والعلاقة بينهما كالعلاقة بين الممارسة الاجتماعية وعلم الاجتماع ، وكالعلاقة بين الصحة النفسية وعلم النفس ، وكالعلاقة بين ممارسة السباحة أو ركوب الخيل أو الرمي ومعرفة كل هذه الرياضات  نظريا من خلال الكتب .

      2 _كما أن في مفهوم الفصحى ما يجب تصحيحه أيضا ؛ فالتصور الشائع لها _ على اختلاف تعريفاتها _  أنها شيء واحد أو مستوى واحد . وقد اختُلف في مفهوم الفصحى قديما وحديثا ؛ فالقدماء في الجملة يرون أن الفصحى هي لغة قريش ( اللغة في اصطلاح القدماء تعني اللهجة بالمفهوم الحديث ) ، ويحكي ابن فارس الإجماع على ذلك (1) حينما قال : " أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالّهم أن قريشا أفصح العرب ألسنةً وأصفاهم لغةً .. وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقّة ألسنتها إذا أتتهم الوفود من العرب تخيّروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طُبعوا عليها فصاروا بذلك أفصح العرب " . والمحدثون من العرب والمستشرقين بعضهم يقول بقول القدماء وبعضهم يقول بفكرة " اللغة الأدبية المشتركة " بين العرب (2) ، وأفرادٌ منهم يقولون بأقوال أخرى لم تحظ بشهرة هذين القولين .        وأصحاب فكرة اللغة المشتركة لا يقدمون تفسيرا لغويا لهذا الاشتراك : ما سببه أو أسبابه ؟ وكيف يتم ؟ إنما يطلقون القول بأن اللغة المشتركة تنشأ من الاختلاط بين اللهجات ، وتختص بالمستوى الأدبي الراقي كما في الأشعار والخطب والأمثال ، ويقابلها في تصورهم اللهجات التي تختص بالاستعمال العامّي المعيشي اليومي . والقرآن في عرفهم نزل بما سموه اللغة العربية المشتركة ، وبها جاء الحديث الشريف ونُقل إلينا الأدب العربي الفصيح على مر العصور .

      إن كلا التعريفين _ القديم والحديث _ يصوران الفصاحة العربية على أنها مستوى واحد ، وقد ترسخ هذا التصور عبر الأجيال حتى سبّب لدى مختصي العربية وآدابها _ فضلا عن عامة الدارسين والشداة _ ضيق أفق ؛ بل تصلّبا في قضية الصواب واللحن ، فأصبح معيار الصواب مرتبطا بقواعد الفصحى التي هي مستوى واحد ، وما خالف هذه القواعد كان مخالفا للصواب ومن ثم خارجا عن الفصاحة إلى مستوى اللحن  . لا ننكر وجود بعض الأصوات التي كانت تقدم فهما واسعا للفصاحة والصواب ، كأبي الخطّاب النحوي الذي كان يقول :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    المزهر للسيوطي 1/210 . وانظر : لغة قريش ، مختار سيدي الغوث 359 ــ 367 .

(2)    للتوسع انظر : المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، جواد علي ، 8 / 624 ــ 670 ، و لغة قريش 369 ــ 394 ، وفصول في فقه العربية ، رمضان عبدالتواب ، 76 ــ 79 .

" أنحى الناس من لم يلحّن أحدا " (1) قاصدا بذلك مرونة معايير الصواب وثراء مفهوم الفصاحة ، وكسيبويه الذي وضع قاعدة " ليس شيء يُضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهًا " (2) مبينا سعة اللغة بأوجهها الثرية التي يكشف عنها التأويل ؛ ولكن هذه الأصوات غابت في تيار الثنائية الصارم الذي شاع في القرون المتأخرة ، ذلك الذي قصم اللغة إلى زاويتين حادّتين : فصحى وعامية .

      لذلك قدمتُ في بحث سابق فكرة جديدة تحاول الخروج من الأزمة التي سببتها هذه الثنائية الحادة ، وهي فكرة " الانتخاب اللغوي " التي تأتي آليةً تفسر التطور والترقي في اللغة كأي عملية انتخاب طبيعي في الكائنات الحية ، والانتخاب هنا قانون متفرع من قانون آخر هو قانون تنازع البقاء الذي يقضي بهلاك الكائنات الضعيفة غير الصالحة وبقاء الصالحة ، فينتج عن ذلك ارتقاء وتهذيب في الأنواع الحية (3) . إن  الانتخاب اللغوي يقوم على عنصرين : الاصطفاء والترك ( أو الهجران ) ؛ فعملية الاصطفاء تقوم بوظيفة اختيار العناصر اللغوية التي تشكل الجانب الإيجابي في الرموز اللغوية ، وعملية الترك أو الهجران تقوم باستبعاد العناصر التي تشكل الجانب السلبي في العلاقات الرمزية ، ويشمل ذلك كل مستويات اللغة الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية . وبهذه الفكرة تُفسر الفصاحة تفسيرا ديناميكا متجددا ومتنوعا ذا مستويات متدرجة ؛ فالإبانة أو الإفصاح هرم لغوي ذو درجات ؛ أعلاها ما سُمي " الفصحى " مؤنث الأفصح ، وهما صيغتا تفضيل تقتضيان عقلا ولغة وجود فصاحة أقل منهما ، والأمر كذلك ؛ فدونهما " الفصيحة " مؤنث " الفصيح " ، ثم يمكننا وضع مستويات كالتالي : " الجائز " ثم " المقبول " ، وكل هذه مستويات يشملها اسم الفصاحة العامة ؛ فكل من أبان بطريقته الخاصة وعلى شرط لغته فقد أفصح ، وإن اختلفت مستويات الفصاحة بين المتكلمين ، ودون القبول مستويات تقل فيها درجات الفصاحة تدريجيا ، ويمكن اقتراح : " الضعيف " ثم " اللحن الخفي " ثم " اللحن الجلي " ثم " القبيح " أو " المرذول " . وتدقيق تسمية هذه المستويات بحاجة إلى دراسة خاصة ، لكن الغرض هنا تقرير حقيقة التدرج في الفصاحة عموما خروجا من أزمة الثنائية المذكورة ، التي سببت لنا مشكلة لغوية عامة في فهمنا للغتنا العربية وممارستنا لها .

      3 _ ووهم ثالث أن الحياة اللغوية تنسجم بأن تقسم قسمين : فصحى خاصة بالمستوى الرسمي وعامية خاصة بالمستوى الشعبي ، ثم كلٌ يسير في طريقه متوجها إلى أفقه الخاص به . والحق أن هذا الفهم والسلوك الذي ترتب عليه من أكبر أسباب تردي عربيتنا وفصاحتنا ، لأنه (أي هذا السلوك اللغوي ) استمر عبر مراحل تاريخية عديدة يوغل في شرخ حياتنا اللغوية بين شطرين لا يزيدان إلا ابتعادا ، فاتسعت الهوة الفاصلة بين الفصحى والعاميات ، ولا تزال تتسع كل يوم ، خاصة مع وسائل الاتصال الحديثة ثم المعاصرة التي زادت الطين بلة . وبعض المختصين يهوّن من هذا الفصام النكد بدعوى أن كل اللغات تحوي المستويين معا ولا إشكال في تعايشهما وانسجامهمها معا . والحقيقة أن هذه الدعوى مقبولة في إطار آخر غير إطار واقعنا اللغوي ذي المشكلة الخاصة التي تحدثنا عنها من خلال تصحيح الوهمين السابقين ؛ فحينما تكون معايير الصواب والفصاحة في بيئة لغويةٍ ما ثريةً ومتنوعة تتوزع فيها الفصاحة مستوياتٍ متدرجة مناسبة لقدرات وخبرات جميع أبناء اللغة فحينئذ تجد هذه الدعوى لنفسها مكانتها من الصحة ، أما حينما تكون المعايير متصلبة ومتوزعة على قطبين حادّين طاردين لكثير من إمكانات اللغة الثرية وأوجهها المتعددة فإن مثل هذه الدعوى حينئذ لا تزيد الحالة اللغوية المتردية أصلا إلا ترديا جديدا !

      إن من بدهيات الحياة الطبيعية أن أي كائن حي لا يعيش وينمو إلا من خلال بيئة سليمة تمده بوسائل النمو والتطور والقوة ، ولو أخذنا على ذلك مثال الشجرة لاتضحت لنا المسألة اللغوية بجلاء ؛ فلو أخذنا شجرة من خير الأشجار التي تنبت أطيب الثمار ، ووضعناها في تربة سيئة ولم نتعاهدها بالسقي وضيقنا عليها منافذ الهواء والضوء ، فهل ستغدو في الواقع شجرة طيبة ذات ثمار يانعة كما هو المفترض فيها حسب أصلها ؟ مؤكد أن الإجابة ستكون بالنفي ، فكذلك أمر اللغة التي قد تكون في طبيعة تكوينها حاملة لعناصر النمو والثراء والمرونة ( كالاشتقاق والنحت والتعريب والترادف والاشتراك والتضاد .. إلخ ) ولكنها توضع في ظروف لغوية ثقافية سيئة ( كظرف الازدواج الحاد بين الفصحى والعاميات ) فيحول ذلك بينها وبين النمو السليم والحياة الديناميكية الفعالة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ( ضمن رسالة الخطّابي ) ، تحقيق محمد خلف الله وزغلول سلام ، 47 . وانظر : العرف اللغوي ؛ دراسة لغوية ثقافية ، خالد أحمد الغامدي ، رسالة دكتوراه ، جامعة أم القرى ، كلية اللغة العربية ، 191 .

(2)    الكتاب لسيبويه ، تحقيق هارون ، 1 / 32 .

(3)    انظر : العرف اللغوي (مرجع سابق في الهامش رقم 1 ) 130 ــ 132 .

      4 _ ونختم بوهم رابع يصوّر العامة من الشعب في صورة الأعجمي عن الفصاحة ، فهم بسبب أميتهم لا يكادون يفهمون قِيلًا إذا تحدث متحدث أمامهم بلغة فصيحة فضلا عن الفصحى ! وهذا الوهم يتعاضد مع الوهم السابق فيرسخان معا الازدواجية النكدة بين الفصحى والعاميات . والحق أن مسألة الاستقبال غير مسألة الإرسال في مواقف الاتصال اللغوي ، فالإرسال له شروطه التي لا يلزم أن توجد كلها لدى المستقبِل ، نعم هناك مرجعية مشتركة بينهما تتمثل في القدر المشترك من النظام اللغوي والثروة المفرداتية والسياق الثقافي ، لكن هذا لا يعني أن المستقبِل يجب أن يكون على مستوى المرسِل في جميع مهارات التواصل اللغوي لكي يفهم رسالته ! التفاوت هنا حقيقة علمية لا يصح إنكارها أو الغفلة عنها .

 

      ثانيا : كلمة مختصرة عن ضعف العربية وأسبابه :

      لغتنا العربية اليوم في حال سيئة ، يعرف هذا علماء العربية ومثقفوها الواعون بالحقائق اللغوية ، أما الواقعون في الأوهام التي سبق الحديث عنها فهم بعيدون عن إدراك ما نتحدث عنه من سوء الواقع وخطورة المستقبل . ويمكن أن نجمل أهم أسباب هذا الضعف فيما يلي :

      1 _ الأوهام الثاوية في التصور اللغوي العام لدى عدد كبير من أبناء العربية إن لم نقل لدى غالبهم . ( وهي أهم الأسباب ) .

      2 _ تخلخل البنية الثقافية المتكاملة التي تفصِح عنها لغةٌ موحَّدة وموحِّدة .

      3 _ فقدان القدوات والرموز الثقافية القادرة على إعادة البناء والتوجيه .

      4 _ تعجيم (وهو أعم من قولنا " تغريب " ) العربية وثقافتها ، وللعولمة أو الأمركة دور كبير في هذا التعجيم .

      5 _ غزو العاميات لميادين الفصحى . ( وصلنا إلى ما يمكن تسميته بتطبيع اللحن ! إضافة إلى تطبيع العجمة ! )

      6 _ مشكلات التقعيد ، ومنها : الخلط بين المعيار والوصف ، وتضخم كتب القواعد وتعقدها بسبب الإفاضة في الفروع واعتماد الأسلوب الجدلي والأفكار الفلسفية . (1)

 

      ثالثا : أين تكمن المشكلة إذن ؟!

      _ هل هي في اللغة العربية نفسها ؟

        _ أو في أمور خارجة عن العربية ؟ كالأوهام المتعلقة بها وباللغة عموما أو طريقة تعلمها وتعليمها أو جهل أهلها بها أو إهمالهم لها أو حرب أعدائها لها ... إلخ

       _ أو في الأمرين معا ؟

      أرى أن المشكلة ليست في اللغة نفسها ، فاللغة هي من أهلها وبهم ، ترقى برقيهم وتنحط بانحطاطهم ، والعربية ثرية في نفسها وقابلة للتجديد والتطور حينما يريد ذلك منها أهلها ، والأمر كما قال شاعر النيل :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    من 2 ــ 6 ملخص من كتاب : في اللغة العربية ومشكلاتها ، كمال بشر ، 16 ــ 17 .

وسعتُ كتاب الله لفظا وغاية   ....... وما ضقت عن آيٍ به وعظاتِ

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلةٍ ..... وتنسيق أسماء لمخترعاتِ ؟!

 

مع  أن المطلوب الأول من اللغة ليس استقبال المنتج الخارجي لوصفه أو تنسيق اسم له كما تصور حافظ إبراهيم ، فهذا أدنى الكمال ؛ بل المطلوب الأول من اللغة أن تبدع الفكر والمعرفة التي تقوم هي بعد ذلك بإنتاج التقنية ، وبعبارة شاملة : المطلوب من اللغة أن تنهض بالفكر والحياة وتمضي بهما إلى أرقى غايتهما .

      علينا ألّا نخطئ الهدف إذن ، وأول النظر هو اكتساب المعرفة اللغوية الصحيحة وإزالة كل الأوهام التي عششت في تصوراتنا آمادا طويلة ، ثم بعد ذلك ندقق النظر والبحث لكشف كل فساد في بيئتنا اللغوية الثقافية ثم نصلحه ، فإن الثقافة للفكر والسلوك كالقلب للجسد ، إذا صلحت صلح الفكر والسلوك وإذا فسدت فسد الفكر والسلوك .

 

      رابعا : هل العربية الفصحى محاربة ؟!

      قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن نعلم أن الصراع اللغوي والثقافي حقيقة لا يصح لمثقف إنكارها ، ومن الجهل ردّ فكرة حرب اللغات والثقافات بدعوى المبالغة المرفوضة في نظرية المؤامرة التي كثيرا ما يتحذلق بها المنكرون وكأنها أمر منكر لا عهد للأمم والشعوب به !! نعم لا عاقل يقر الركون إلى فكرة المؤامرة دون شواهد أو علامات مؤكدة ، هذا من قبيل الشكوك وأحيانا الوسوسة ، لكننا نتحدث عن وقائع وظواهر مشاهدة رأي العين فكيف يسوَّى بين الحالين ؟! وقد أصبح من فروع علم اللغة الاجتماعي الآن ما يسمى " علم اللغة السياسي " و" التخطيط اللغوي " و" حرب اللغات " (1) . وسوف نسرد فيما يلي حقائق موضوعية ونترك للقارئ الكريم فرصة النظر فيها وتفسيرها من خلال سياقاتها ثم الإجابة بنفسه على السؤال المطروح :

      1 _ ظاهرة التتريك التي شاعت في أواخر الدولة العثمانية وكادت أن تقضي على العربية في مهدها فضلا عن وجودها في أطراف العالم الإسلامي ، وكانت خاتمة هذه الظاهرة إزاحة العربية تماما من تركيا الكمالية ( في عهد جمهورية كمال أتاتورك ) فقضي على العربية وعلى الإسلام ، وصارت الحرب علنية وعنيفة ، حتى إن عدنان مندريس الذي حاول بعد ذلك إعادتها وإعادة بعض مظاهر الإسلام كان مصيره الإعدام شنقا . وقد قصّ سعيد الأفغاني رحمه الله شيئا من المحاولات التركية العنصرية لقتل العربية في أحد منابع العروبة والإسلام (الشام) في كتابه القيم " من حاضر اللغة العربية " فلينظر ما قاله (2) .

      2 _ حال العربية في إيران الحديثة : فالكل يعلم أن منطقة الأهواز العربية قد ابتلعت وأقصيت العربية وثقافتها منذ زمن ، فالعرب هناك محاربون ومحرومون من بدهيات حقوقهم الثقافية وعلى رأسها ممارسة دينهم ( السنة ) ولغتهم بحرية .

      3 _ السياسة الفرنكوفونية في فضائها الإفريقي شمالا ( دول المغرب العربي ) ووسطا ( دول إفريقيا الوسطى التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي ) . لقد كان هناك دولة عربية تسمى زنجبار كما هو معلوم ، وكانت تابعة لتنزانيا ، ثم أقصى المتفرنسون منها اللغة العربية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    انظر مثلا : حرب اللغات والسياسات اللغوية ، لويس جان كالفي ، ترجمة حسن حمزة ، المنظمة العربية للترجمة . والعرب والانتحار اللغوي ، والسياسة وسلطة اللغة ، كلاهما لعبدالسلام المسدي .

(2)    انظر : من حاضر اللغة العربية ( وهو خاص بتاريخها الحديث في الشام ) ، سعيد الأفغاني ، 13 ــ 56 .

 

فاستبدلوا الأبجدية اللاتينية بالأبجدية العربية ، وصار الكتّاب الأفارقة يتجاهلون الكلمات ذوات الأصول العربية في الاستعمال الأدبي والعادي ويستبدلون بها كلمات فرنسية وإنجليزية (1) . كما أن اللوبي الفرنسي في دول المغرب العربي (تونس والجزائر والمغرب ) يجهدون أيما جهد في إعاقة كل خطط التعريب وبرامجه ، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العربية هناك ، وما كتب فيه أكثر من أن يحصى (2) .

      4 _ في البوسنة كانت العربية تعلم في مراحل التعليم الابتدائية والمتوسطة والثانوية ، ثم يأتي الطلاب إلى مصر لإكمال دراساتهم العليا ، وفي عام 2002 م ضغطت الحكومة الأمريكية على البوسنويين ( في سياق الحرب على الإرهاب ! ولْنلاحظ ربط العربية بالإرهاب بطريقة غير مباشرة ! ) لإلغاء تعليم العربية ، وتم ذلك في العام نفسه (3) .

      5 _ بعد غزو العراق عام 2003 م بدأت الحكومة الأمريكية الغازية بوضع برنامج تعليمي من ضمنه إحلال الأبجدية اللاتينية مكان الأبجدية العربية ، ولولا عظمة المقاومة الإسلامية العربية لحدثت كارثة ثقافية كبرى (3) .

      6 _ حينما كان ساركوزي وزيرا لداخلية فرنسا أصدر قرارا بمنع التجنيس إلا بثلاثة شروط :

            ــ  الولادة على أرض فرنسا .

            ــ التعليم على مدارها .

            ــ الكف عن استعمال أي لغة غير اللغة الفرنسية ! (3) .

      7 _ السعي الحثيث لإخراج العربية من لغات العمل المعتمدة في هيئة الأمم المتحدة بحجج منها : أنها ليست لغة طبيعية وإنما تكتسب في وقت متأخر (بداية التعليم الابتدائي ) ، وندرة المترجمين المهرة الذين ينقلون منها وإليها (3) .

      8 _ على مستوى العلم والمعرفة اللغوية التي يفترض أنها محايدة نجد تجاهلا وتشويها للحقائق العلمية لا يمكن تفسيره بغير التقصد المفسد للمعرفة والذي يدفع إليه الهوى والتعصب ، كما نرى مثلا لدى نيقولاس أوستلر (مؤسس جمعية اللغات المهددة بالانقراض 1995 م) في كتابه " إمبراطوريات الكلمة " إذْ يخرج اللغة العربية من قائمة اللغات العشرين في العالم ، واضعا معيار العدد لتحديد العالمية ، لكنه يتلاعب في تطبيق هذا المعيار ، فيجعل عدد المتكلمين بالعربية 46 مليونا !! زاعما أن أصلها أفريقية مصرية ، وأن اللهجات العربية المعاصرة البالغ عددها خمسا وعشرين لهجة كما يقول تشكل لغات مستقلة !! وأنه لو قُدِّر لهذه اللهجات التوحّد في لغة نخبوية عربية فصحى فسيبلغ عدد الناطقين بها أكثر من مئتي مليون نسمة وحينئذ يمكن أن تدخل في قائمة العشرين العالمية التي وَضع بينها البنغالية والتاميلية واستَبعد العربية !! (4) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    انظر : اللغة العربية والتفاهم العالمي ، رشدي طعيمة ومحمود الناقة ، 49 .

(2)    انظر على سبيل المثال : العرب والانتحار اللغوي ، فصل " العربية وبقايا الفرنكوفونية " 107 ــ 126 ، ففيه أدلة مهمة على حرب الفرنسيين وأذنابهم للعربية . وانظر : السياسات اللغوية للويس جان كالفي ، ترجمة محمد يحياتن ، الدار العربية للعلوم ــ ناشرون ، فقد تحدث عن التعريب في دول المغرب العربي بطريقة غير مباشرة يستطيع القارئ المحايد أن يستشف منها سياسة الحرب الفرنسية ضد العربية ، فانظر مثلا 124 إلى آخر الكتاب .

(3)    انظر : العرب والانتحار اللغوي 95 ، ... ، 101 ، 100 .

(4)    إمبراطوريات الكلمة ، نيقولاس أوستلر ، ترجمة محمد البجيرمي ، 716 ، 721 ، مع تنبيهات المترجم على التحيز اللغوي لدى المؤلف ، ومما قاله المترجم : " اللغة العربية هي الوحيدة التي يعاملها المؤلف هكذا بفصل لهجاتها عنها واعتبارها لغات مستقلة ، فلا يعامل الإنجليزية أو أي لغة أوروبية بهذه الطريقة ، والهدف هو منع وصول العربية إلى قائمة العشرين الأولى ، والعربية هي الوحيدة التي يتجاهل المؤلف حساب عدد متكلميها كلغة ( الصواب : لغةً ) ثانية في العالم الإسلامي كله " 721 هامش .

ويعرض المسدّي في كتابه المهم جدا " العرب والانتحار اللغوي " (1) أمثلة وشواهد عديدة لصور الحرب على العربية داخليا وخارجيا ، وكذلك يذكر فهد زايد في كتابه " العربية بين التغريب والتهويد " شواهد عديدة على حرب الصهاينة على العربية (1) فليُنظرا . والشواهد كثيرة ومتنوعة ، ولكن أختم بظاهرة خطيرة في تهديد حاضر العربية ومستقبلها ، يغفل عنها كثير من أهل الشأن فضلا عن غيرهم وهي :

      9 _ إنشاء بؤر ثقافية في قلب العالم العربي تقوم باختراقه ثقافيا ولغويا تحت ستار من العلاقات الاقتصادية وتطوير المجتمع ، وعن طريق منح الأجنبي الغطاء القانوني للتملك طويل المدى (قد يصل إلى قرابة مئة سنة ! ) يتم للأجنبي فرض الاستيطان واقعا اجتماعيا مدعوما ، ويتم التطبيع تدريجيا مع ثقافته ولغته ، ولا شك أن هذا سيكون على حساب العربية وثقافتها بما في ذلك دين العربية : الإسلام . ومن أبرز الأمثلة على ذلك أنموذج " دبي " في منطقة الخليج العربي . ولا نعلم مستقبلا : هل ستزداد أمثال هذه البؤر ، وما مدى انتشارها وتأثيرها ، وما الأخطار الاجتماعية والسياسية (وليس اللغوية فقط ) التي يمكن أن تتطور عنها في المستقبل ؟

 

      بعد هذا العرض المختصر جدا لحقائق موضوعية لا مجال لإنكارها أو تأويلها تأويلا يخرجها عن مضامينها الحقيقية أعود إلى السؤال المطروح هنا بخصوص الحرب على العربية وثقافتها وأترك الإجابة للقارئ الكريم .

 

      خامسا : مستقبل العربية الفصحى .. والغموض المقلق :

      إن المستقبل الذي يعنينا هنا هو ما يمكن تسميته المستقبل القريب ، أما البعيد أو ما قد يسمى نهاية التاريخ فلسنا معنيين هنا بالحديث عنه ، فهو يقوم على أفكار مجردة أكثر من قيامه على وقائع محسوسة وظواهر مشهودة .  ونقرر هنا أولا ما يلي :

      1 _ المستقبل مرهون بحاضر العربية وما يئول إليه هذا الحاضر مما نشاهد وقائعه ونتوقع نتائجه بحكم التجربة والخبرة ، وبحكم وقائع التاريخ المماثلة التي يقيس عليها الباحث ويفيد منها في استشرافه المستقبل .

      2 _ إن هناك فرقا بين أن نقول إن العربية مهددة في مستقبلها بالموت وأن نقول إنها ستموت ، فبناء على معطيات حاضرة وشواهد تاريخية مماثلة لما يجري الآن نستشرف الخطر القادم في حالة ما إذا استمرت وتيرة حال العربية الحاضرة وظروفها باطراد دون حدوث تغييرات تصرف مسار الأمور من طريق إلى طريق . وأعتقد أن هذا من حق الباحث ؛ بل من واجبه أن يتوقع مصائر الأحوال وغاياتها بناء على ما يملكه من علم بالواقع والماضي ، فالمستقبل ليس جزءا منفصلا عما قبله ، وليس مفصولا في الوجود أصلا ، ولا يتم فصله عما قبله إلا في تصور الإنسان حينما يقف على نقطة زمكانية معينة ناظرا إلى ما قبلها ومستشرفا ما بعدها ، وهذا الاستشراف لا يكون من فراغ ؛ بل لابد لكي يكون مقبولا أن يتم بناءً على ربطه بما قبله من معطيات الحاضر والماضي ، فليس ثمة إلا سلسلة متوالية من الأحداث والظواهر يقود السابق منها إلى اللاحق ، وصيرورة دائمة يفتح السابقُ فيها أيضا أفقا يتموضع فيه اللاحق .

      3 _ يتحدث كثير من المعنيين ــ لغويين ومثقفين ــ عما يسمى " موت اللغة " ، ويتخوف بعض أهل العربية من وقوع هذا مستقبلا على لغتنا العزيزة علينا وعلى كل عربي ومسلم . و نقرر أولا بعض الحقائق العلمية المتعلقة بقضية موت اللغة ( أيّ لغة ) :

      أ ــ مفهوم " موت اللغة " language death  يعبر عن ظاهرة معروفة لدى اللغويين ، تنتاب اللغة في مرحلة من مراحل حياتها ، إذْ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    انظر في كتاب المسدي الفصول : 3 ، 4 ، 5 ، 6 ، العنوانات التالية : اللغة والسياسة ، اللغة والهوية ، محاربة اللغة العربية ( فصل مهم ) ، العربية وبقايا الفرنكوفونية . وانظر : العربية بين التغريب والتهويد ، فهد زايد ، 183 ــ 202 .

اللغات كائنات اجتماعية حية ، تولد وتنمو وتموت ، مثلها مثل كل الكائنات الحية . وبناء على ذلك فـ " اللغة الميتة " dead language هي اللغة التي لم تعد مستعملة في الحياة اليومية بين أفراد الجماعة اللغوية ، حتى لو كانت مستعملة في نطاق ضيق كالعبادات الدينية كما في الأديرة والكنائس ، أو كانت مقصورة على المستوى الأدبي فقط ، كالقبطية والسريانية واللاتينية والسنسكريتية (1) .

      ب ــ قد يُبعث في مرحلة لاحقة ما مات منها ، كما حصل مع اللغة العبرية التي ماتت ثم أحياها اليهود في العصر الحديث في فلسطين المغتصبة كما هو معلوم . وكما حصل مع اللغة العربية في بعض مراحل حياتها في رأي بعض القدماء ؛ فذهب ابن فارس إلى أن علوم العربية كلها كانت قائمة قبل الإسلام منذ عهد بعيد فاندثرت ، ثم جُددت بعد الإسلام (2) وهذا يتضمن بلا شك اندثارا للعربية في وقت من الأوقات ، هذا بقطع النظر عن مدى صحة رأي ابن فارس في هذه المسألة . وكما حصل في العربية قبيل العصر الحديث إذْ كادت أن تموت في آخر العهد العثماني التركي لولا أن تداركتها عناية الله ويسر لها جهود حراس العربية في الشام ومصر وغيرهما فبعثوها بعد هلكة أو مشارفة على هلكة ! (3) .

      ج ــ لا يفصل اللغويون ( حسب اطلاعي ) في ظاهرة موت اللغة بين نوعين من الموت اللغوي أرى أحدهما متميزا عن الآخر ، ويمكن التفريق بينهما من خلال اقتراح المفهومين التاليين :

          1 ــ موت كلي : وفيه تموت اللغة كاملة ، كما حصل في السنسكريتية واللاتينية والسريانية وعربية العرب البائدة .

          2 ــ موت جزئي : وفيه تتعرض بعض أجزاء اللغة الصوتية أو الصرفية أو النحوية أو الدلالية لموت أو ضمور ، فلا يعود العنصر اللغوي المعين مستعملا استعمالا حيا بين أبناء اللغة ، وإن كان موجودا في التراث ، أو قد يكون معدوما مطلقا .

      فحين نتحدث عن موت اللغة ( أيّ لغة ) يجب أن نميز بين النوعين حتى لا تختلط الأفكار والحقائق في أذهاننا فنقع في الأوهام التي نحذّر منها أشد التحذير .

        والآن يجدر بنا أن نتساءل في سياق الحديث عن مستقبل العربية السؤال التالي :

       هل تعرضت العربية في ماضي عهودها البعيدة أو القريبة إلى حالة الموت على أيّ نوع من نوعيها المذكورين ؟

      وهو سؤال جدير بالطرح لأن المستقبل ما هو إلا ثمرة للحاضر ، وقد يكون في الحاضر ظروف سبق حدوث مثلها في الماضي ، فجدير بنا أن نلقي نظرة على التاريخ لنسترشد به في نظرتنا نحو المستقبل . وجوابا على هذا السؤال أقول : نعم ، مرت العربية بحالات موت سابقة ، منها الموت الكلي ومنها الموت الجزئي ، وبيان ذلك باختصار فيما يلي :

      1 ــ الموت الكلي : حصل في بعض مناطقها قديما وحديثا ؛ فماتت اللغة العربية في الأندلس وأصبحت خبرا بعد عين ، وفي تنزانيا كذلك كما سبق الحديث عن دولة زنجبار العربية ، وفي فارس ( إيران ) ، وفي تركيا الكمالية ، وفي غالب فلسطين المغتصبة ( في الضفة تهوّد كثير من العرب لغةً وثقافةً ! ) ومناطق أخرى في أطراف جسد العالم العربي الذي كان كبيرا يوما ما فما زال ينتقص من أطرافه يوما بعد يوم حتى صار العرب الآن يخشون على البقية الباقية ! على قلب العروبة ! ( تذكّر : أنموذج دبي ! ) .

      2 ــ الموت الجزئي : حصل أيضا في بعض العناصر اللغوية ، فمثلا :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    انظر : معجم المصطلحات اللغوية ، رمزي البعلبكي ، 153 ، 273 . ومعجم علم اللغة النظري ، محمد الخولي ، 65 .

(2)    انظر الصاحبي لابن فارس ، تحقيق السيد صقر ، ....

(3)    انظر تفصيل ذلك في كتاب حاضر اللغة العربية للأفغاني الذي سبقت الإحالة إليه .

      أ _ هناك بعض الأصوات يختلف نطقها الآن على ألسنة الفصحاء المعتد بنطقهم ( كقرّاء القرآن المجيدين ) عنها في وصف القدماء ، وأحيانا لا يُعرف مِن وصف القدماء كيفية نطقها الفصيح في زمن الاحتجاج ، فمثلا صوت / ج / وصفه القدماء بالشدة ، في حين أنه في قراءة القراء المجيدين الآن مركب من الشدة والرخاوة . وهنا لعلماء الأصوات المعاصرين افتراضان في كيفية نطق الجيم الفصحى قديما :

      الأول : إذا كانت شديدة ، فيحتمل أن نطقها كان كنطق الجيم المصرية ، أي المقابل المجهور لـ / ك / ، ويعكر على هذا أن القدماء وصفوا هذا الصوت بالاستهجان . ويحتمل أن  نطقها كان قريبا من نطق / د / ، وهو صوت موجود في بعض اللهجات الحديثة كما في صعيد مصر وبعض مناطق الجزائر .

      الثاني : إذا كانت مركبة فيحتمل تركيبها من صوتين أحدهما قريب من الدال والآخر صوت معطش كالجيم الشامية ، ويحتمل تركيبها من صوت قريب من الجيم القاهرية وصوت آخر معطش كالجيم الشامية (1) .

      ووقع مثل هذا الاختلاف في أصوات أخرى كصوت / ق / الموصوفة قديما بالجهر وعدم التفخيم ، في حين أنها لدى الفصحاء المعاصرين مهموسة ومفخمة ! وكمثل / ض / الموصوفة قديما بالرخاوة وبانعدام المقابل المرقق ، في حين أنها لدى الفصحاء المعاصرين شديدة ولها مقابل مرقق هو / د / ! وكصوت / ع / الموصوفة قديما بأنها بين الرخاوة والشدة في حين أنها لدى المعاصرين رخوة (2) .

      وأكثر ما قيل من تأويل وتخريج غير قاطع ؛ لأنه مجرد احتمالات لا برهان فيها ، ولذا قلنا بالموت الجزئي هنا .

      ب ــ على المستوى الصرفي : نجد مثلا الاستعاضة بالفعل المطاوع عن الفعل المبني للمجهول ، فلا نكاد نسمع أو نقرأ في الفصحى المعاصرة المتداولة الكلمات التالية : كُسِر ، قُلِع ، حُسر ... إلخ ، وإنما : انكسر ، انقلع ، انحسر وهكذا فيما شابهها .

      ج ــ على المستوى التركيبي : الفصحى المعاصرة المنطوقة سقط منها الإعراب ( وقد بدأ سقوطه في لغة التداول من مدة طويلة تعود حسب التقدير الشائع إلى القرن الثاني الهجري في الحواضر و الرابع الهجري في البادية ، وقد تحدث ابن خلدون عن هذا في مقدمته ) ولم يعد له وجود متكامل إلا في الفصحى المكتوبة ، على ضعف وأخطاء كثيرة ، فهو يُتكلف تكلفا وليس سليقة . أيضا هناك أساليب لا تكاد توجد في العربية المعاصرة ، مثل تقديم الضمير " إياك " في حالة الحصر ، ولولا وجوده في القرآن والشواهد الفصيحة لربما لم ينطق به أحد !

      د ــ وفي مستوى الدلالة نعلم أن كثيرا من المفردات لا وجود لها في مستويات الفصاحة المتداولة ، فهي قابعة في المعجم على رفوف الخمول ، وهي بلا شك عناصر  ممكنة التنشيط حينما تسنح لها الفرصة في ظرف ما ، فيلتقطها أديب مبتكر أو فنّان ماهر فتبعث من قبرها إلى الحياة من جديد ، ولكن هذا يؤكد ما نقوله هنا ولا ينفيه .

      وقد صرح القدماء بما يؤيد فكرة الموت الجزئي هذه ، وأتوا بشواهد كثيرة عليها حينما صرحوا بأن " لغة العرب لم تنتهِ إلينا بكليتها ، وأن الذي جاءنا عن العرب قليل من كثير ، وأن كثيرا من كلام العرب ذهب بذهاب أهله .. " فال ابن فارس معلقا على هذا : " وأحْرِ بهذا القول أن يكون صحيحا ؛ لأنا نرى علماء اللغة يختلفون في كثير مما قالته العرب ، فلا يكاد واحد منهم يخبر عن حقيقة ما خُولف فيه ، بل يسلك طريق الاحتمال والإمكان ، ألا ترى أنّا نسألهم عن حقيقة قول العرب في الإغراء : كذَبَكَ كذا ، وعما جاء في الحديث من قوله : كَذَبَ عليكم الحج ، وكذَبكَ العسلُ ، وعن قول القائل :

كذبتُ عليكمْ أوعِدوني وعَلّلوا  ....... بيَ الأرضَ والأقوامَ قِرْدانَ مَوظَبا

وعن قول الآخر :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    انظر : دراسة الصوت اللغوي ، أحمد مختار عمر ، 335 ــ 338 .

(2)    انظر التفصيل في السابق : 341 ــ 344 ، 347 ــ 352 .

كذَبَ العتيقُ وماءُ شنٍّ باردٌ  ....... إن كنتِ سائلتي غَبوقًا فاذهبي

ونحن نعلم أن قول " كذَبَ " يبعد ظاهره عن باب الإغراء .... ومن ذلك قولهم : أعْمَدُ من سيّدٍ قَتَله قومه ، أي : هل زاد على هذا ؟ فهذا من مشكل الكلام الذي لم يُفسّر بعد ... وأما الزجر والدعاء الذي لا يُفهم موضوعه فكثير ؛ كقولهم : حيَّ ، وحيَّ هلا ، وبِعَينٍ ما أرَينّك ... وقد كان لذلك كله ناس يعرفونه ، وكذلك يعلمون معنى ما نستغربه اليوم نحن من قولنا : عُبْسور في الناقة ، وعَيْسجُور ، وامرأة ضِناك ، وفرس أشَقّ أمَقّ خِبَقّ ، ذهب هذا كله بذهاب أهله ، ولم يبقَ عندنا إلا الرسم الذي نراه " (1) .

      والموت الدلالي لا يقتصر على المعاني الحقيقية ، بل هناك ما يسمى " الاستعارة الميتة " dead metaphor أو المجاز الميت ، وهو الذي لا يثير الغرابة والدهشة لدى المخاطَب ، أي أنه فقد إشعاعه الأصلي ، كقولنا : يد الباب ، و" المجاز النائم " (sleeping  ) ، و" المجاز الحيّ " ( living ) (2) ، والفرق بين هذين هو في درجة الوعي اللغوي بإشعاعهما الأسلوبي .

      إن موت اللغة أمر طبيعي ، وكثيرا ما يحدث ، خاصة الجزئي منه ، فأجزاء اللغة أشبه بخلايا الجسم الحي التي لا يفتأ بعضها يموت ويعقبه غيره ، وشيئا فشيئا تقل نسبة الجديد وتكثر نسبة الفقيد .

 

        ولكن .. هل معنى كل هذا حتمية موت الفصحى في المستقبل ؟!

         الجواب : لا ، هذا ليس بحتمي أو لازم ، إلا في حالة واحدة ؛ هي إذا تُركت العربية والظروفَ السيئة الحالية ؛ الخارجية منها (حرب أعدائها) والداخلية ( إهمال أهلها وغدر المحسوبين عليها وليسوا من أهلها ) ولكنا نرجو الله تعالى ألا يحدث هذا ، فهي لغة كتابه الكريم وخاتم رسالاته التي جعلها رحمة للعالمين ودعوة للبشر أجمعين إلى قيام يوم الدين ، ولكن يجب علينا أن نعلم أن هذا لا يعني أن العربية معصومة من أي موت كلي في مرحلة من المراحل ومكان من الأمكنة ، بدليل أن هذا قد وقع ، ولا من الموت الجزئي ، بدليل وقوعه كما سبق بيانه ، وأن نعلم أيضا أن هذا لو وقع في وقت ما فإنه لا يعني النهاية الأبدية للعربية ، فإن أهلها إذا فرطوا في دينهم وفي لغتهم فالأمر كما قال تعالى " فإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا تضرونه شيئا " ، وقد حصل هذا في مراحل مختلفة من التاريخ ؛ فرّط العرب في القيام بإسلامهم ولغتهم وتبليغهما للناس فقام بذلك خير قيام قومٌ استبدلهم الله لهذه المهمة ، واستعراض تاريخ الإسلام والعروبة يكشف عن أعلام كثيرين ذوي أصول أعجمية ظهروا في قلب العالم الإسلامي أو أطرافه في فترات حالكة من تاريخ الإسلام والعروبة ، وأبلوا بلاء عظيما في العلم والأدب والسياسة والصناعة وسائر أوجه الحضارة ، وعاد ذلك على اللغة وثقافتها بالخير العميم بعد أن ماتت أو كادت تموت .

     لكن الركون إلى منزلة العربية الشريفة ، وإلى مثل قوله تعالى " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " دون النهوض الجاد باللغة وإصلاح ما فسد منها والقيام على شئونها لن يجدي شيئا ، وليس إلا وهما يُضاف إلى الأوهام التي تحدثنا عنها في صدر الورقة ، فالله تعالى لم يصرح في هذه الآية بالتكفل بترقية اللغة ولا بنشرها وجعْلها حية وقوية في التداول العام على نطاق العرب فضلا عن النطاق العالمي ، وإنما صرح بالتعهد بحفظ القرآن ، بدليل أن القرآن نفسه قد أُمِر الرسول بتبليغه ، فقال " يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغتَ رسالته " ولو كان تبليغه مكفولا من الله كحفظه لما أمر الله به رسوله ، ولما أمر الرسول به أصحابه والمسلمين من بعده إلى قيام الساعة ، وذلك في خطبة  حجة الوداع حينما قال : " بلغوا عني ولو آية ، فربّ حامل فقه لا فقه له ، وربّ مبلَّغ أوعى من سامع " فهذا دليل على أن تكفله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    المزهر للسيوطي ، تحقيق أبي الفضل وزملائه ، 1/66 ــ 71 . وانظر أمثلة أخرى غير ما ذكر .

(2)    انظر : معجم المصطلحات اللغوية للبعلبكي 135 ، ومعجم علم اللغة النظري للخولي 65 ، وعلم الدلالة لأحمد مختار عمر 241 ــ 242 .

سبحانه بحفظ القرآن لا يستلزم تكفله بالتبليغ ، ومن باب الأولى لا يستلزم تكفله  بالانتشار والظهور والغلبة ، وإلا لما كان لأمر الرسول والمسلمين بالعمل لتحقيق ذلك معنى يُعقل ، فإذا كان الأمر كذلك في القرآن نفسه فهو كذلك في اللغة العربية من باب الأولى .

        ولتجنب تعريض العربية للموت أو مقدمات الموت من الانزواء عن التأثير العالمي أو السلبية في التواصل العالمي والتفاهم الدولي والاكتفاء بدور التلقي فقط ( أكبر همِّة بعض اللغويين العرب المعاصرين لا تتجاوز التفكير في التعريب ! وكأن عظمة العربية لا تتجاوز ما عبر عنه حافظ إبراهيم من وصف آلة مستوردة وتنسيق أسماءٍ لمخترعات أجنبية !! ) علينا أن نعرف واجبنا تجاه لغتنا العربية وأن نقوم به خير قيام، ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي :

       سادسا : واجبنا نحو لغتنا العربية :

      1 ــ أول ما يجب أن يتحقق في اللغة ( أيّ لغة ) لكي تكون لغة حضارة عالمية قوية ومؤثرة هو أن تحمل رسالة عالمية متميزة بين لغات الأمم الأخرى ، وأن يكون الناطقون بها متمثلين لهذه الرسالة فكرا وسلوكا ، فهل العربية الآن كذلك ؟ وهل أهلها كذلك ؟ إن العربية تحمل رسالة القرآن العالمية إلى الناس كافة ، وهي رسالة ممتدة إلى نهاية تاريخ الدنيا ، وهي بهذا أولى اللغات بأن تكون على قمة هرم العالمية ، لكن هل تمثل أهلها هذه الرسالة العظمى حق التمثل ؟ وهل ارتقوا إلى المنزلة التي انتدبهم الله تعالى إليها ليكونوا رسلا إلى الناس بهذه الرسالة الخاتمة وهذه اللغة العالمية الخاتمة ؟ لعل أبا الحسن الندوي هو أفضل من أجاب بين المعاصرين على هذا السؤال في كتابه الذي عنونه بهذا السؤال الأليم : " ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟! " .

      2 ــ ثم أن يتفق طائفة كافية من العرب (لأن اتفاق الجميع في حكم المستحيل !! ) يكون بينهم من الانسجام والتآلف ما يمكنهم من توحيد الرؤية والسياسة والقرار والتنفيذ ؛ أن يتفقوا على استراتيجية موحدة للنهوض بشأن اللغة والثقافة معا ، ولابد أن يقتنع أهل السياسة بأن العربية وثقافتها في أزمة ، فبدون قناعة سياسية وتوحيد في القرارات فلن تنهض العربية من مرقدها . ولابد أن تحتوي هذه الاستراتيجية على خطة عمل مشتركة ومرنة تراعي الفوارق الثقافية  بين مناطق العربية المستهدفة ، مبتعدةً عن تنفيذ هذه الخطة من خلال المؤسسات اللغوية البالية ( كالمجامع اللغوية القديمة مثلا ) فالشأن هو في فكر جديد وهمّ جديد ينبغي أن تشعّ بهما نفوس جديدة وليس في " موظفي " مؤسسات مع ما لهم من جهود يُشكرون عليها إلا أنهم ما عادوا يحملون من همّ العربية إلا قسطا لا يكاد يفي بوظيفة الدفع عنها فكيف بالنهوض بها ؟!

      إننا نريد مراكز أو مجامع لغوية تعنى في المقام الأول بتجديد الفكر اللغوي ، يعمل فيها فلاسفة لغويون من الطراز الأول ، يكون همهم الأول وضع العربية على مشرحة الفحص العميق والتحليل الدقيق والنظر الغواص والمتابعة والمراقبة المستمرة لكل جليلة ودقيقة ، وتقديم الأبحاث والتجارب والتوصيات والاستشرافات عن حال العربية المعاصرة في كل قطر وبلد ، وعن مشكلات العربية في التعليم والمعرفة والتقنية والأدب والاجتماع والنفس والسياسة والتواصل الدولي ووضع الحلول لكل هذه المشكلات ، وعن نشر العربية بين الشعوب الإسلامية بأفضل السبل وأيسرها ، ووضع قاعدة بيانات ضخمة لكل ما يخص العربية قديما وحاضرا ومستقبلا ، فلغتنا تستحق كل هذا وأكثر ، أليست هي لغة القرآن العظيم خاتم الرسالات ؟! كيف نؤمن بأنها اللغة العالمية الخاتمة ولا نقوم بما يحقق شيئا يسيرا جدا من ذلك ؟!

      3 ــ وإلى أن تتحقق هذه الاستراتيجية المأمولة حِلفًا ورؤية وتنفيذا لابدّ أن يتنادى ذوو الغيرة من أهل الفكر والعلم والثقافة إلى إشاعة العربية الفصيحة وثقافتها بينهم وبين الناس بجميع طبقاتهم ، وأن يتعاونوا على تصحيح الأوهام الشائعة عن العربية والفصاحة ، وأن يزيلوا عن أنفسهم كل مظاهر الازدواجية بين الفكر والسلوك ؛ فالفصاحة فكر وسلوك ، وتكتسب بالممارسة والتداول والنشر والتواصل واسع المدى وليست قواعد نظرية تُدرّس وكلمات أدبية تحفظ ! وأن يستعينوا لتحقيق ذلك بكل وسائل التواصل الاجتماعي ومنافذ الإعلام الممكنة ، ليكوّنوا ــ قدر المستطاع ــ البيئة الحاضنة أو المحيط الثقافي اللغوي الكفيل بتسهيل استقبال الفصحى وثقافتها لدى الأجيال القادمة ، فإنه يستحيل على الطفل العربي والناشئ العربي إتقان الفصحى من خلال الكتب الدراسية فقط إذا كان الجو الثقافي من حوله يشكّل مع المدرسة فصاما لغويا لا يزداد مع الزمن ومع الإيمان بالأوهام والتطبيع  مع العجمة والرطانة إلا ترسخا ومشروعية .

وختاما ..

إن قضية اللغة هي قضية ثقافة في المقام الأول ، فما يصيب اللغة من داء هو بسبب إصابة الثقافة به أولا ، فالداء كامن في الثقافة ، فلنجهد في البحث عنه وتحليله بكل الوسائل والمناهج  الممكنة ، وأستحضر في هذا المقام قوله تعالى " يا يحيى خذ الكتاب بقوة " ؛ فلْنأخذ المشكلة بقوة ، ولنتأمل فيها ونتدارسها ونعالجها بقوة ، فالأمور الخطيرة والعظيمة لا يجوز أخذها إلا بقوة ، وإلا فالضعفُ وليس إلا الضعفُ ومن بعده الموت ! فقوة الكتاب في ذاته لم تكن لتغني يحيى عن القوة المطلوب اكتسابها ، فلنتدبر هذه الآية الحكيمة ولْنأخذ منها العبرة فيما يخص الشرط النفسي الأول الذي يجب اتصافنا به تمهيدا لحلول مشكلاتنا اللغوية ، وإن فيها لعبرة وأيّ عبرة ! والأمر بيد الله أولا وآخرا ، والحمد لله رب العالمين .

مراجع أحيل إليها في الورقة

أولا : كتب :

1 ـ إمبراطوريات الكلمة : تاريخ اللغات في العالم ، نيقولاس أوستلر ، ت محمد البجيرمي ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 2011 .

2 ـ ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ، الرماني والخطابي والجرجاني ، تحقيق خلف الله وزغلول سلام ، ط الرابعة ، 1991 .

3 ـ حرب اللغات والسياسات اللغوية ، لويس جان كالفي ، ت حسن حمزة ، المنظمة العربية للترجمة ، بيروت ، 2008 .

4 ـ دراسة الصوت اللغوي ، أحمد مختار عمر ، عالم الكتب ، القاهرة ، 1411 ه .

5 ـ السياسات اللغوية ، لويس جان كالفي ، ت محمد يحياتن ، الدار العربية للعلوم ـ ناشرون ، 2009 .

6 ـ السياسة وسلطة اللغة ، عبدالسلام المسدي ، الدار المصرية اللبنانية ، 2007 .

7 ـ الصاحبي في فقه اللغة ، ابن فارس ، ت السيد صقر ، القاهرة ، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه ، 1977 .

8 ـ العرب والانتحار اللغوي ، عبدالسلام المسدي ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، بيروت ، 2011 .

9 ـ العربية بين التغريب والتهويد ، فهد زايد ، دار يافا ، عمان ـ الأردن ، 2006 .

10 ـ العرف اللغوي : دراسة لغوية ثقافية ، خالد أحمد الغامدي ، رسالة دكتوراه في كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى ، 30 ـ 1431 ه

11 ـ علم الدلالة ، أحمد مختار عمر ، عالم الكتب ، القاهرة ، 2009 .

12 ـ فصول في فقه العربية ، رمضان عبدالتواب ، القاهرة ، مكتبة الخانجي ، 1408 ه .

13 ـ في اللغة العربية ومشكلاتها ، كمال بشر ، القاهرة ، دار غريب ، 2012 .

14 ـ الكتاب ، سيبويه ، ت هارون ، القاهرة ، الخانجي ، 1977 .

15ـ اللغة العربية والتفاهم العالمي ، رشدي طعيمة ومحمود الناقة ، دار المسيرة ، 2009 .

16 ـ لغة قريش ، مختار الغوث ، الرياض ، منشورات النادي الأدبي ، 1412 ه .

17 ـ المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، السيوطي ، ت جاد المولى وزملائه ، المكتبة العصرية ، بيروت ، 1986 .

18 ـ معجم علم اللغة النظري ، محمد الخولي ، مكتبة لبنان ، بيروت ، 1991 .

19ـ معجم المصطلحات اللغوية ، رمزي البعلبكي ، بيروت ، دار العلم للملايين ، 1990 .

20ـ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، جواد علي ، بيروت ، دار العلم للملايين ، 1978 .

21ـ من حاضر اللغة العربية ، سعيد الأفغاني ، بيروت ، دار الفكر ، ط الثانية ، 1971 .

ثانيا : مواقع على الشبكة الإلكترونية ( يوتيوب ) :

1 ـ الفصحى بين النظرية والتطبيق ، برنامج ساعة حوار في قناة المجد ، حوار مع أ.د.عبدالله الدنان حول تعليم العربية بالفطرة ، بتاريخ 12 / 10 / 2011 .

2 ـ مستقبل اللغة العربية في الخليج العربي ، محاضرة ألقاها د. مرزوق بن صنيتان بن تنباك  في 13 / 3 / 2012 بمنتدى با محسون الثقافي بالرياض  .

 


مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2017، المجلس العالمي للغة العربية.