أخبار اللغة / قراءة في الماضي الحاضر


قراءة في الماضي الحاضر

 الأربعاء 9 تشرين الأول 2013، 03:11 PM

المصدر: جريدة السفير اللبنانية


 عاصم بدر الدين

تصوغ كتب القراءة العربية المدرسية شخوص المجتمع، كأنها تصنع عالماً آخر. وهم، مثل غيرهم، من لحم ودم، لكن رسوماتهم وألوانهم وحيواتهم ليست واقعية. ليس أغرب من تحول التعب إلى عكسه. هكذا، تصير نقاط العرق المتساقطة من جبين الفلاح، الذي يسوْس ثوره مع بزوغ الفجر إلى حقله، كأنها جواهر بعد أن ينعكس فيها شعاع الشمس، وفق تلك النصوص. هذه أحوال لا تنسى. إذ ترتب لنا، ولقرائها، خيالاً يُعتقد أن له جماليته. والقراء من الحلقات الدراسية الأولية، لا يأخذون العالم بغير هذه النصوص. هكذا، يتفنن الكتّابُ بمعاكسة معاني الكلمات. ويصير أدباً واستشعاراً كثير الغلبة والضيق، فيغدو منشار النجار يصنع الموسيقى، ويصير الحداد عازف إيقاع، والديك زعيماً لا ينقصه غير القن. لكن ماذا عن ساعي البريد؟
يبقى ساعي البريد حاضراً في المنهاج التعليمي. وهذه مفارقة. إذ إن الشخصية، في أحوالها التقليدية، خرجت من المجتمع. وصارت، تقريباً، شبه منقرضة. وموظفو البريد، الرسمي، لا يوجدون في مكاتبهم. ويمكن أن يُقال، في تبرير حضوره، إنها وظيفة الأدب. وهذا ما يقوله العميد السابق لكلية التربية في «الجامعة اللبنانية» الدكتور أنطوان طعمة. «إذ إن الأدب مؤتمن على ذاكرة الشعوب. ليس مهماً أن يكون ساعي البريد موجوداً. لكنه كان موجوداً. ولن يلغى من التراث وحكاياته». لكنه أيضاً، في حضوره، يساير التحولات. إنه شخصية تطورية ومرنة. هكذا، «تحولت آلية نقله من البغل، أو الحيوانات، إلى الدراجة، وأخيراً السيارة».
لا تغيب هذه التحولات عن الكتب، مثل ثيابه، أو كيف يحمل الرسائل. في زمن ركوبه الدواب كان يضعها في خرج. وحين غيّر وسيلة نقله استحدث سلة صغيرة في دراجته، أو حقيبة في يده. لكن ما هو ثابت، في وصفه في الكتب، «أنه يتواصل بكثرة مع الغير والترحاب الذي يُستقبل به. شخصية محبوبة ومُنتظرة دائماً. يحمل، أحياناً، رسائل من الأحباب أو حوالات مالية من المهاجرين. وهو، أيضاً، كاتم أسرار الناس، أو فاضحها، في أحيان أخرى». إذ إن أبرز ما في خصائص ساعي البريد هو أن يكون متعلماً. «يجب أن يعرف القراءة والكتابة. وأحياناً، يقرأ الرسائل ويكتب رداً عليها بعد أن يطلب أصحابها منه ذلك. وهو مؤتمن أيضاً على التعبير عن العواطف التي ينقلها». وهذا، وحده، يموضع ساعي البريد في زمن آخر. لكن هذه الوظيفة المضافة يقابلها مكافأة، أو «حلوينة»، كما يسميها طعمة.
ولا تخرج سمات ساعي البريد، في وصفه، عن سمات غيره كما تُمثل في الكتب. «إنه إنسان مجتهد. يذهب إلى شغله باكراً. ولا يرتاح إلا حين ينتهي من واجباته». مميزاته لا تخلص. يجب أيضاً أن يكون «ماهراً في إدارة الوقت، وعارفاً بطرق التوجه عبر المكان. يعني، أن يحفظ الطرق وعناوين البيوت».
لكن شغل ساعي البريد لا معنى له من غير رسائله. وهذه تُعلم في المدارس لكونها شكلاً من أشكال التعبير. «أدب الرسائل». خفت كتابة الرسائل بورقة وقلم. «صحيح. لكن لا تزال معظم الرسائل الإدارية والعملية تستعمل الكتابة التقليدية»، وفق طعمة. هكذا، لا تزال تقنيات هذا النوع من الكتابة تشغل «مكانة مهمة في موضوعات التعبير». تتميز الرسالة عن غيرها «بأن التواصل فيها مباشر، لكن مع وقف التنفيذ. يُعلق التواصل حتى وصول الرسالة إلى المرسل إليه». وهذا، تحديداً، ما يعطل دورها هذه الأيام. لا وقف للتنفيذ في وسائل اتصال أخرى. لكن الرسالة «مرنة وأكثر تكيفاً مع الظروف. هي تساعد على قول ما لا يمكننا التعبير عنه مباشرة. وهي حصيلة تعقلنا والكتابة الباردة المتفكرة». 
تعرض كتب القراءة لنماذج من هذه الكتابة. عدا الرسائل المتبادلة بين جبران خليل جبران ومي زيادة «هناك نصوص لفؤاد كنعان واميلي نصرالله وفارس الشامي، وغيرهم». ويطلب، دائماً، من الطلاب أن يكتبوا رسائل. «وكنا نسعى دائماً كي يتجاوزوا الصيغ الجاهزة والمحفوظة. معايدة، أو رسالة إلى الأم، المعلم أو صديق». هذه في السنوات التعليمية الأولى. يستعرض التلاميذ، في سنوات لاحقة، أنواعاً أخرى غير الرسائل الشخصية، منها الرسالة الرسمية، «والكتاب المفتوح. وهو نوع مستحدث في المناهج. وهي رسالة توجه عبر وسائل الإعلام إلى شخصية أو جهة من أجل الدفاع عن قضية معينة».
لا تتجاهل المناهج، وفق طعمة، تطور وسائل الاتصال. وهي تذكر البريد الالكتروني ورسائله. لكن تبقى الرسائل المكتوبة «تراثاً لا يمكن أن نتجاهله. كان عندنا، في تاريخنا، ديوان الرسائل. وهي وزارة تضم كتبة مهرة للرسائل وناقليها».


مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2017، المجلس العالمي للغة العربية.