أخبار اللغة / د. يوسف ربابعة (الاردن)


د. يوسف ربابعة (الاردن)


 الإثنين 10 أيلول 2013، 01:25 AM

المصدر: مجلة الجسرة الثقافية


 http://aljasraculture.com/?p=1277 اضغط الرابط 

د يوسف ربابعة

 

كانت دائما تستوقفني الاية القرآنية التي تقول: “لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم” فإذا كان القلب صنو اللسان والمرء بأصغريه قلبه ولسانه فيمكن لنا أن نقول أيضا: لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ألسنتهم.

واليوم يبدو لي أن سؤال اللغة ومستقبلها أصبح من الأسئلة الراهنة التي لا نجد لها جوابا وربما يصيبنا الذعر والهلع ونحن نقرأ التحذيرات التي يطلقها المهتمون والمتخصصون في اللغة العربية، بل لقد تحولت هذه التحذيرات الى بكائيات نتلوها صباح مساء على روح لغتنا التي تلفظ أنفاسها في غرفة الإنعاش، وصار السؤال الذي يثير شهية الحريصين وغيرهم هو: هل ستموت اللغة العربية؟ والغريب أن هذا السؤال وصل إلى مجلة «الإيكونوميست» البريطانية حيث تساءلت في 24 نيسان عام 2010: هل ستموت اللغة العربية؟ والغريب ليس في طرح السؤال بل بأن هذه المجلة متخصصة في مواضيع الاقتصاد والسياسة، فلماذا تناولت هذا الموضوع اللغوي البحت؟ ربما سيعلق كثير منا على أن الأهمية تكمن في أن اللغة هي عنوان أصحابها، فالموضوع سياسي في مضمونه العميق. وهذه التحذيرات من موت اللغة صارت على ألسنة كثير من اللغويين المعروفين بعد أن ذكر تقرير اليونسكو عام 2006 اللغات التي ستموت خلال هذا القرن ووردت اللغة العربية من ضمنها، ووصل الخوف إلى قلوب أسماء كبيرة في عالم اللغة اليوم من أمثال عبدالقادر الفهري وأدونيس.
وفي الثاني عشر من شباط الحالي 2013 أذاعت الـ BBC)  ) برنامجا عنوانه “مستقبل اللغة العربية وأزمتها الراهنة” وكان من بين المتحدثين الدكتور عبدالسلام المسدي، الذي قال: إن اللغة العربية إذا لم تجد عناية رسمية فإنها سوف تموت بعد جيلين أو ثلاثة أجيال”، ولا أدري كبف بنى المسدي حكمه ذلك؟ هل هو حكم مبني على أسس علمية أم أنه حكم ذاتي مبني على خوف من المستقبل؟ أم هو من باب التحفيز للاهتمام باللغة والعناية بها؟
وأنا أعتقد هنا أن هذا التخوف له ما يبرره لكنه لا يقوم على أسس علمية وتاريخية، فاللغة العربية لم تكن في يوم من الأيام لغة واحدة بمستوى واحد كما نريدها ونحلم بها، وربما يكون الظلم الحقيقي في تطويعها لتكون لغة موحدة بمعايير صارمة يتحدث بها العرب من المحيط إلى الخليج، لأن النظرة التاريخية تشير إلى أن هذه اللغة هي نتاج تآلف لهجات القبائل العربية، وقد تطورت عبر مئات السنين، وبعد مرور أكثر من ألفي سنة على ولادتها أصبحت – قبيل الإسلام – تسمى لغة مضر، وكانت تستخدم في شمال الجزيرة، وقد قضت على اللغة العربية الشمالية القديمة وحلت محلها، بينما كانت تسمى اللغة العربية الجنوبية القديمة لغة حمير نسبة إلى أعظم ممالك اليمن حينذاك،  كما أن الاختلاف بين الشمالية والجنوبية زاد واتسع حتى صارا لغتين مختلفتين، وقد كان علماء المسلمين المتقدمين يدركون ذلك، حتى قال أبو عمرو بن العلاء الذي عاش في القرن الثاني الهجري: ما لسان حمير بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا”، ومن هنا فإنني أرى أن مصطلح “اللسان العربي” يتوافق مع هذا التآلف الذي حصل بين مجموعة من اللغات، فقد كان اللغويون القدماء يسمون اللهجة لغة، واجتماع هذه اللغات وتآلفها ضمن خصائص مشتركة شكل ما يسمى اللسان العربي.
ولأن اللغة الفصحى كما صارت تعرف لاحقا لم تكن في الأصل إلا خليطا وتآلفا بين لهجات القبائل العربية فقد بقيت غير قادرة على توحيد اللسان بمفهوم لغة الأمة الواحدة وبقي الصراع بين اللهجات المحلية والفصحى قائما على مر العصور، وذلك يعود إلى أن السلطة السياسية التي مارستها لغة قريش لم تتمكن من التغلب على التنوع الثقافي لدى القبائل العربية المختلفة، فكان لا بد من مجاراة الفصحى بسبب الوحدة السياسية إلى جانب الاحتفاظ بالخصوصيات الجغرافية والتاريخية والثقافية، وأعتقد لذلك أن مفهوم الأمة العربية لم يكتمل ولم تتشكل أمة عربية في يوم من الأيام، لكنها بقيت تحالفات مصالح دينية وسياسية واقتصادية.
أما لماذا صارت لغة قريش هي اللغة الفصحى من بين تلك اللهجات فذلك أمر مختلف فيه وإن كان يشي بأنه نتيجة الغلبة السياسية التي حازتها قريش بسبب المكانة الدينية لمكة المكرمة، وقد نقل السيوطي  ) عن أبي نصر الفارابي قوله : (كانت قريش أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا وأبينها إبانة عما في النفس) كما نقل عن الفراء ( قوله في هذا الشأن: “كانت العرب تحضر الموسم في كل عام وتحج البيت في الجاهلية، وقريش يسمعون لغات العرب، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به، فصاروا أفصح العرب، وخلت لغتهم من مستبشع اللغات ومستقبح الألفاظ.
وهذه الأقوال تشير إلى أن لهجة قريش لم تكن بمعزل عن التأثر باللهجات الأخرى،  وهذا أمر مسلم به في الدراسات اللغوية الحديثة حيث إن احتكاك اللهجات بعضها ببعض يقرب فيما بينها ويذيب الفوارق اللهجية، ويؤدي في النهاية إلى أن تتغلب إحدى هذه اللهجات على شقيقاتها متى أتيحت لها الظروف، كما يؤدي إلى أن تترك هذه اللهجات بصماتها في اللهجة الغالبة، لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نوافق القدماء على اندفاعهم في كلمتهم بأن لهجة قريش أفصح اللهجات العربية إذ إن المفاضلة بين اللهجات لا تتفق مع وجهة النظر اللغوية الحديثة، لكن الأسباب سياسية في الدرجة الأولى، هذا وقد تبع فريق من المحدثين علماء العربية القدامى في نهجهم فوضع لهجة قريش في المنزلة العالية، وجعل لها السيادة علي غيرها من اللهجات العربية بفضل ما أتيح لأهلها من ثقافة وجاه وسلطان، وما انتقل إليها من عناصر لغوية زادتها ثراء. فهي عندهم اللغة الفصحى التي نظم بها الشعر وألقيت الخطب في المحافل والمحتمعات، وهي عندهم لغة القرآن والحديث والآثار الدينية والأدبية والعلمية.
وهكذا فإن اللغة العربية المشتركة وإن قامت في بداية نشأتها على أساس غلبة لهجة قريش إلا أنها أخذت على مر السنين خصائص لغوية من قبائل عربية مختلفة نتيجة اتصال قريش بهذه القبائل في مناسبات عديدة، فلم تعد اللغة المشتركة لهجة قريش وحدها بل هي مزيج منسجم من اللهجات العربية. كما أن اتخاذ لهجة قريش معيارا للفصاحة يتعارض مع المنطق الللغوي الذي يرى أن الفصاحة تكمن في الانغلاق وعدم الاختلاط مع الآخرين، فكان من الأولى أن تكون لغات القبائل الموغلة في البادية أفصح من لغة قريش، ونحن نعلم أيضا أن أبناء قريش كانوا يذهبون الى البادية لتعلم الفصاحة، فسيادة لهجة قريش لم يكن لأسباب لغوية بحتة.
والشكوى من تدني مستوى التكلم بالعربية الفصحى قديم حديث، والآن في عصر الإنترنت والدردشة ستزداد الشكوى ويرتفع صوت النعي. وأعتقد لذلك أن علينا في هذا الوقت أن ننظر إلى أمرين:
الأول: العلاقة بين اللهجات والعاميات واللغة الفصحى.
الثاني: علاقة اللغة بالمجتمع.
ولا بد قبل البدء بالحديث عن العلاقة بين اللهجات والفصحى من الإشارة إلى أن أغلب الباحثين يعتقدون أن اللهجات العربية القديمة تختلف عن العاميات المتداولة هذه الأيام، وهذا صحيح حين نتجاوز التطور الطبيعي للهجات عبر زمن طويل، حيث تعرضت اللهجات إلى تغيرات كبيرة وكثيرة من خلال الاختلاط بالشعوب الأخرى وتقلب الدول عليها والاستعمار وما إلى ذلك.
وأنا أعتقد أن العاميات اليوم هي لهجات قديمة تطورت عبر الزمن والدليل على ذلك أننا لو رجعنا إلى كتب اللهجات لوجدنا أغلب الألفاظ المستخدمة اليوم هي كلمات كانت مستخدمة في السابق وربما بشيء من التبديل والتحريف أحيانا وسنجد كذلك السلوك الصوتي متشابها والتراكيب أيضا متشابهة، وقد ذكر الدكتور ابراهيم أنيس أن العاميات الحديثة هي لهجات قديمة لكنها اختلطت بلغات الأقوام الجديدة التي دخلها العرب فاستخدمت كثيرا من أـلفاظها وتأثرت بطرق تركيبها، ونحن اليوم مثلا نجد كثيرا من الألفاظ الآرامية في لهجة بلاد الشام.
أما في العلاقة بين العاميات والفصحى فإن أغلب المتخصصين يرون أنها علاقة صراع، وأن العامية هي الشيطان الذي يغوي الملاك أي الفصحى، وأن العامية هي الخطر الدائم الذي سيحطم الأمة ويؤخر تقدمها وتطورها، ونجد مئات المقالات التي تحذر من العامية وخطورتها على اللغة الأم، ومنهم من يحملها سبب الفرقة والتشظي والتناحر بين الأقطار العربية.
وأعتقد أن الشكوى من ضعف اللغة العربية يقوم دائما على المقارنة مع معايير الفصحى التي وضعها النحاة وقننوها وجعلوا كل من يخرج عنها خارجا عن قواعد اللغة الصحيحة، كما أننا اليوم نقيس صحة لغتنا بمقارنتها مع اللغة العربية القديمة بتراكيبها وألفاظها، وننسى أن التطور سنة الحياة ويصيب كل شيء.
 
وبرأيي فإن سبب الشكوى من ضعف اللغة العربية يعود إلى ما يلي:
1- عدم مراعاة الألفاظ الصحيحة والفصيحة واستخدام ما يطلقون عليه الألفاظ العامية، مع أننا لو رجعنا إلى معاجم اللغة لوجدنا أغلب هذه الألفاظ موجودة فيها، وبعضها الآخر منقول من اللغات القديمة لسكان المناطق التي تعاقبت عليها أمم وحضارات ولغات.
2- عدم مراعاة التركيب الفصيح للغة العربية، على المستوى النحوي والصوتي مع أن كثيرا منها أيضا موجود في شواهد النحاة على أنه لهجات لقبائل عربية حطوا من شأنها بالمقارنة مع لهجة قريش كما ذكرنا سابقا.
3- عدم مراعاة الإعراب، وهو على الأغلب مدار الشكوى ومربط الفرس، وهذا يحتاج إلى شرح مستفيض لكني أستطيع القول إن الإعراب لا علاقة له باللغة، بل هو صنعة كما قال عنه ويسميه النحاة وهو علم يحتاج إلى دراسه وله قواعده وقوانينه، والضعف فيه ناتج عن ضعف في المناهج التعليمية، لأنه كأي علم يحتاج إلى تعليم، وأشك في أن يكون الناس قد تحدثوا بالكلم معربا في كل مواقف الحياة، فكانوا مثلنا منقسمين بين خصوصيات لهجاتهم ولغة الأدب والكتابة.
وإذا كانت اللهجات والعاميات لم تمت في يوم من الأيام وعلى مر التاريخ الإسلامي فإن تعليق الضعف والتخلف عليها يبدو غير منطقي، بل الأغرب من ذلك أننا نحتج بلغة العصر الجاهلي ونعتبرها هي المقياس الصحيح للغة لكننا نقول في الوقت نفسه إن هذا العصر كان متخلفا علميا وفكريا وحضاريا، فكيف نوفق بين هذا وذاك؟ إذ إن كثيرا منا اليوم يعتقد أن مشكلتنا في التقدم هي بسبب العامية المنتشرة في أقطار الوطن العربي.
وهذا يدعونا إلى الحديث عن الجانب الآخر المتعلق بالعلاقة بين اللغة والمجتمع، فهناك من يحمّل اللغة مشكلة التخلف الاجتماعي والعلمي، فكأن اللغة العربية هي المعيق، وهي التي تكبل العقل والطاقات، ولا أدري كم سيصمد هذا الحكم أمام الحقيقة العلمية التي ترى أن الأمر معكوس، وأن المشكلة في المتكلم والمجتمع وليس في اللغة نفسها، ونبرئ تاريخا طويلا من إهمال أبناء اللغة.
يقول الجاحظ عن اللغة العربيّة: “قال بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني: المعاني القائمة في صدور الناس، المتصوّرة في أذهانهم، والمتخلخلة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم والحادثة عن فكرهم مستورة خفيّة، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أموره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلاّ بغيره. وإنّما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إيّاها، وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم، وتجليها للعقل وتجعل الخفيّ منها ظاهراً، والغائب شاهداً، والبعيد قريباً. وهي التي تلخص الملتبس، وتحلّ المنعقد، وتجعل المهمل مقيّداً، والمقيّد مطلقاً، والمجهول معروفاً، والوحشيّ مألوفاً، والغفّل موسوماً، والموسوم معلوماً…”.
ويرى مصطفى ناصف أن هذه المنطلقات هي التي شكّلت اللغة العربيّة وكوّنتها في أفق غير محدود من التجارب، اختلط فيها الذاتي بالموضوعي، بل توحدا ليقيما في الصدور، ويبقيا في الأذهان والنفوس، واللغة عنده، أي الجاحظ، هي المتصلة بالخواطر والأفكار و”المستورة الخفيّة” والمحجوبة المكنونة و”الموجودة في معنى معدومة”.. أي أنّ هذه اللغة كامنة في الشخصيّة وتحتاج إلى تحريك وإحياء وذكر وإخبار بها واستعمال لها..
ومن الاستخلاصات التي توصّل إليها د. ناصف، في سياق دراسته “للبيان والتبيين” للجاحظ: “أنّه لا يمكن أن تُدرس مواقفنا من اللغة بمعزل عن مواقفنا من المجتمع” وأنّ “المتكلّم قد يهزمه المجتمع وتظهر هذه الهزيمة في شكل عيّ”.
ويرى مصطفى ناصف أن هذا العيّ هو الصعوبة المتمثلة في غير القدرة على التعبير وهي حالة تنتاب المجتمع كما تنتاب الفرد، في وضع معيّن وزمن معيّن، حيث يعجز الناس عن استعمال اللغة ودفعها لتقول ما ينبغي قوله. إن فعاليّة الفصاحة والبيان، في نظر الجاحظ، كانت مطلباً اجتماعياً، وأنّ الصمت، لذلك يشكّل في البادية وطأة تغلب اللغة أو تعجز دونها اللغة.. وحينما يحدّث الشاعر عن صمت العيّ فإنّما يشير إلى قهر اجتماعي خاص.. ذلك “أنّ العربيّ كان في زحام الشرّ يستعين باللغة على بعض بواعثه، أو يمرّ بطور من المجاهدة العنيفة ضدّ اللغة”
وهناك أيضا من يحمل اللغة العربية مسؤولية الفرقة التي يعاني منها الوطن العربي، وذلك أيضا لم يثبت علميا، فاللغة ليست المحدد الوحيد للوحدة العرقية كما يرى  فردينان دي سوسير الذي يقول: “الاعتقاد السائد هو أنّ اللغة تعكس سايكولوجية الأمّة، ولكن الاعتراض المهم على هذا الرأي هو أن الأسباب السايكولوجية لا تقف بالضرورة وراء العمليات اللغوية”.
كما يرى غوستاف كارل يونغ أن العمق الإنساني واحد، سواء أكان في الجماعة البشرية الواحدة أم على الصعيد الإنساني، وليس من شيء جمعي صنعه البشر يموت.. فاللغات والعادات والتقاليد والأديان تبقى حيّة في اللاشعور الجمعي، على أساس أنّها ثوابت تعيش على شكل تصوّرات في الأعماق الإنسانية.
وتقوم نظرية يونغ على القول بوجود اللاوعي الجمعي والأنماط الأوّلية، وهذه الأنماط هي السلوكات المشتركة بين أفراد الجماعة في لغتها وتفكيرها ونظرتها إلى الأمور، والنمط هو النظرة نفسها إلى قضية من القضايا.
وما يجري في حياة الأمّة العربيّة من اضطراب وقلق وفوضى في شؤون كثيرة ينعكس على اللغة، ويُوهم أنّها منسيّة أو مهملة أو غير قادرة على تقديم الأفضل لجماعتها ووحدتها عموماً.. هذا الوهم لا يعود إليها بحدّ ذاتها بل إلى العامل الآخر في الثنائية الإيجابية: اللغة – الأمّة.
إننا نغرق في بحر متلاطم من الأسئلة الصعبة عندما نبحث عن دور اللغة العربية في بناء المجتمع العربي الحديث المعاصر، عن أيّ الأمور يتحدّث، ذلك أنّ التساؤل الكبير يتركّز تحديداً: عن أي مجتمع نتحدث؟ أعن مجتمع في قيد التفكك وأمّة في قيد التبعثر؟ أعن الأقطار مجتمعة؟ وأين هذا الاجتماع؟ أعن القطريّة وأين هذا القطر؟ هل بقي قطراً أم مجموعات مفرّقة ومشتتة ومفتتة؟
أنجيب عن هذا السؤال قبل سقوط بغداد واحتراق دمشق وعبثية السياسة العربية؟ أنجيب قبل أن نعرف: الأمة العربية إلى أين؟ أم بعد أن نعرف؟
أسئلة تتراكم وتتكثّف وتتزايد يوماً بعد يوم لتضيف إلى محنة الوجود العربي إشكالات متنامية باطّراد.
بينما المطلوب من اللغة العربيّة أن تؤدي دورها في تشكّل جديد للمجتمع العربي الجديد، وقد ورثت في الوقت نفسه، جملة من التراجعات انعكست على الواقع وجعلت الغيورين عليها في حيرة من أمرهم لإيقاف هذا التراجع على غير صعيد.
لكني أقول أخيرا إن اللغة العربية ليست في الحالة الضعيفة التي نتوهمها، فهي أكبر لغات المجموعة السامية من حيث عدد المتحدثين، وإحدى أكثر اللغات انتشارًا في العالم، يتحدثها أكثر من 450 مليون نسمة، ويتوزع متحدثوها في المنطقة المعروفة باسم الوطن العربي، بالإضافة إلى العديد من المناطق الأخرى المجاورة كالأحواز وتركيا وتشاد ومالي والسنغال وارتيريا، وللغةالعربية أهمية قصوى لدى أتباع الديانة الإسلامية، فهي لغة القرآن والتراث الإسلامي. والعربية هي أيضًا لغة طقسية رئيسية لدى عدد من الكنائس المسيحية في العالم العربي، كما كتبت بها الكثير من أهم الأعمال الدينية والفكرية اليهودية في العصور الوسطى.
* باحث وأستاذ في قسم اللغة العربية بجامعة فيلادلفيا الاردنية

 

 


مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2017، المجلس العالمي للغة العربية.