أخبار اللغة / العامية والحرف اللاتيني ومحاولات اخرى


العامية والحرف اللاتيني ومحاولات اخرى

 الثلاثاء 14 أيار 2013، 04:22 PM


 

 
 
 

لم تتعرض لغة من لغات العالم إلى افتراء وتجريح كما تعرضت له لغتنا العربية خلال مسيرتها المظفرة، فبعد أن تمت هزيمتنا سياسيا واقتصاديا بقي أن يجري بطحنا في الأرض ثقافيا، ووعاء ثقافتنا هي لغتنا، ففيها يكمن تاريخ حضارتنا وصورة أخلاقنا، يدعي الخبثاء من المستشرقين الذين يعملون على تصوير الواقع حسب رغباتهم الإستعمارية، أن سبب تخلفنا الحاصل هو لغتنا لذلك فعلينا «بمساعدتهم طبعا» التخلي عنها واستبدالها بلغة أو لغات يقترحونها من شأنها أن تضعنا على طريق التقدم، وهم يقترحون علينا منهجين محددين سوف تكون نتائجهما تقطيع أوصالنا، وإبعادنا عن تاريخنا وتراثنا، اللذين جهدوا في ما مضى بسرقتهما والتعلم منهما، هذان النهجان هما، أولا إعتماد اللهجات العامية الكثيرة في بلداننا، وثانيا إستبدال الخط العربي بجماله ورشاقته وروعة فنونه، بالحرف اللاتيني، ببشاعته وجموده وانعدام الذوق الفني فيه.
حكاية اللهجات العامية
وكأن المستشرقون قد اكتشفوا أن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي تتعدد فيها اللهجات، هؤلاء الجهلة المغرضون، وبسبب أفكارهم المسبقة برغبتهم في هدم صرح اللغة العربية لم يستطيعوا أن يروا أن العربية الفصحى هي على عكس اللاتينية التي تفرقت إلى عدة لهجات – لغات، منها الإسبانية والبرتغالية والإيطالية والفرنسية، جاءت لتوحد اللهجات المتعددة في جزيرة العرب وفي محيطها، وأنها كانت التطور الطبيعي والمنسجم للغات التي تجمدت وماتت ،كالسريانية والأرامية والعبرية، والتي لم تكن سوى لهجات بيدت، إذن فالعربية هي لغة تطور اللسان الإنساني الذي عملت على تطويره عدة شعوب حتى انتهى الأمر إلى عصر الكتابة والتدوين ووضع القواعد، وتيسير اللغة لتكون وسيلة تواصل وتخاطب بين البشر مع انبثاق عصر الإسلام والتبشير بالكتابة والكتاب والقراءة والقرءان، ونقل «أمة الأميين» كما قال النبي الأمي، من أمة أمية إلى أمة تكتب وتقرأ وتنشر العلم في العالم.                           
كان أول من تفتقت قريحته في الدعوة لاعتماد اللهجات العامية، واقتصار الفصحى على الجوامع لتكون لغة طقوس عبادات كما هي حال اللاتينية، المستشرق الألماني «فيلهيلم سبيتا، 1818 – 1883»، يقول «إدوار سعيد» عن هذا المستشرق في كتابه «الإستشراق» (تراه مزيف، عنصري عندما يتحدث عن الشرق، ثم تراه يلبس ثوب العالم الجليل عندما يتحدث عن الغرب)، يظهر هذا الخبيث غيرته الزائفة، حين يخاطب المصريين ويحرضهم على استعمال لهجتهم العامية والقطيعة مع الفصحى، لأنها تسبب القطيعة لا التواصل بين الناس، ويعتبرها لغة دينية فات زمانها، وهو يجهل أن اللغة العربية هي التي نشأت الحضارة العربية في بوتقتها، فالمجتمع الذي قدم أجمل وأغزر الحضارات كان مسلما، كان العرب ولمدة تقارب القرنين أرقى حضارة زمانهم، وكان الباحثون والعلماء بمختلف فروع العلم والمعرفة من جميع الأديان والقوميات والطوائف يخرجون إنتاجهم بلغة الحضارة السائدة وليس بغيرها، وحين تضم اليوم بلاد مثل أميركا وفرنسا وألمانيا علماء وفلاسفة وأدباء وفنانين من أصول مختلفة، فإنما هي صورة طبق الأصل عن صورة المجتمع العربي أثناء فترة حضارته الذهبية، وليس عبثا، تأسيس بيت الحكمة في بغداد سنة 830 م وتأسيس جامعة قرطبة سنة 970م وكذلك جامعة طليطلة في الأندلس وجامعة الزهراء في القاهرة، يدعي مدعي العلم هذا وأقرانه الذين سوف نذكرهم لاحقا، أن الإسلام هو سبب التخلف، واللغة العربية هي لغة دينية يجب التحرر منها ليكون التحرر من الإسلام، والولوج في مجال التطور، لكن الذين أعادوا إحياء اللغة العربية وآدابها في العصر الحديث هم عائلات مسيحية وليس إسلامية، نذكر منهم آل اليازجي، البستاني، الشدياق، المعلوف الريحاني صادر وغيرهم الذين يعود إليهم الفضل في إعادة إحياء اللغة العربية، ونشدد هنا على العائلات وليس الأفراد، ما يؤكد لنا أن اللغة العربية لم تكن لغة دينية بل إنسانية جامعة، والذين أبدعوا وتفوقوا كأفراد، أمثال الشاعر خليل مطران، إيليا أبو ماضي، بشارة الخوري (الأخطل الصغير) جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، جورجي زيدان، وغيرهم وغيرهم الكثيرين.على نفس الطريق خلف «فيلهيلم سبيتيا» في إدارة «دار الكتب المصرية» «كارل فولرس (1857 – 1909) بمؤلفه» اللهجة العربية الحديثة تبعهما سلدن ولمر (1901) في كتاب مماثل دعاه «العربية المحلية المصرية» كما ألقى «وليم كوكس» عام 1893 خطابا في نادي الأزبكية القاهري بعنوان»لم لم توجد قوة الإختراع لدى المصريين الآن؟» طبعا هو يجيب أن السبب هو التمسك باللغة العربية، والملفت أن يوسف السباعي، مثقف الثورة المصرية زمن عبد الناصر،كان من دعاة الكتابة بالعامية وأصدر عدة أعمال له بها كرواية «إني راحلة» وغيرها، لقد ادعى هؤلاء أن العامية توفر سرعة التفاهم، نعم ولكن ليس عمقه كما توفر الفصحى، ويعرف هؤلاء الجهابذة المزيفون، ان في بلادهم تتعدد اللهجات، ويكاد إبن الشمال لايفهم إبن الجنوب أو الشمال أو الوسط في كل دول أوروبا، وحين كنت أتعلم الألمانية في ألمانيا، درسنا مقطوعة بالألمانية الفصحى، وإلى جانبها ترجمة لها بإحدى اللهجات العامية، ولم نفهم من العامية شيء، وهناك قول شائع في ألمانيا، يقول، أنك تستطيع أن تتعلم اللغة في المدرسة ولكن لا تستطيع ممارستها في الشارع، ففي الشارع لغة تختلف كليا عما تتعلمه في المدرسة، وقد أضاف هؤلاء كذبة أخرى إلى أضاليلهم، حينما دعوا إلى كتابة اللغة العربية بالأحرف اللاتينية.
حكاية كتابة اللغة العربية بالأحرف اللاتينية
إنهم فاقدو الإحساس بالفن والجمال، فاقدو التبصر الفكري بتركيب اللغة العربية وأصوات حروفها ورشاقة رسومها، وبين الدعوة إلى استبدال الأحرف العربية الملمة لكل الأصوات، تقف الرغبة في القضاء على التراث، وإنهاء منبع الحضارة الذي ما زال متدفقا غزيرا لا ينضب. بدأت الكتابة بالحرف اللاتيني عقب هزيمة العرب في إسبانيا، حين حظر فيليب الثاني ومحاكم تفتيشه الدموية الكتابة بالعربية في سنة 1556، هكذا بدأ الكثيرون كتابة العربية بالأحرف اللاتينية، لكن تلك الطريقة كان من شأنها أن نقلت وثبتت مفردات عربية عديدة في اللغة الإسبانية، وفي عصرنا الحديث كان أول من اقترح تغيير الحروف العربية هو الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي عام 1896، تبعه بعد ذلك الدكتور داود الجلبي الموصلي (1879 – 1960)الذي قام بنشر رسالة إلى العرب والأتراك يحضهم فيها على الكتابة باللاتينية، ويقال أن «مصطفى كمال» قد تأثر بمقال الجلبي، كما بدعوة سامي فراشري (1850 – 1904)، مع العلم أن أغلب شعوب البلقان كانت تستعمل العربية لتدوين تراثها، في العام  1929ألقى الموظف في وزارة الخارجية والأستاذ في «كوليج دو فرانس»، والذي بات يعرف بالمستشرق الفرنسي «لويس ماسينيون» محاضرة في أكاديميين عرب أعلن فيها «لا حياة للغة العربية إلا إن كتبت بحروف لاتينية»، انبرى بعض العلماء الحقيقيين من المستشرقين لرد سخافات ماسينيون، كالأميركي «ريتشارد لوتهيل» (1902) على صفحات مجلة الهلال، كذلك هاجم المستشرق الإيطالي «كارلو ناللينو» كل دعاة الفكرة وفضح مآربهم، وشهدت مجلة «لغة العرب» نقاشا حادا على صفحاتها بين مؤيد ومعارض، لكن الطامة الكبرى والمفاجأة المخجلة جاءت من داخل البيت، فقد دعا العضو البارز في المجمع العربي في القاهرة عبد العزيز فهمي عام 1943، إلى اعتماد الكتابة بالحرف اللاتيني،لكن الرد جاء سريعا من كوكبة من الأدباء والمفكرين، كان على رأسهم الدكتور طه حسين، وعباس محمود العقاد،ومحمد كرد علي وإسعاف النشاشيبي ووإسماعيل مظهر ومتى العقراوي والعديد من الكتاب. وقد نشط عدة كتاب في الدعوة إلى ترويج اللاتينية نذكر منهم «إبراهيم حمودي الملا» عثمان صبري، الجنيدي خليفة مارون غصن، سعيد عقل الذي كتب (يارا)، وأنيس فريحة، وهذان الأخيران كان قد ارتبط إسماهما بالدعوة المتطرفة لاستعمال اللاتينية بديلا عن الأحرف العربية، رغم شهرة الأول كشاعر مبرز في العربية، وكان لهؤلاء الجهابذة إقتراحات ذهبت إلى عالم التندر بها، كاقتراح الجنيدي وضع رقم بدل الحركة مثلا: قل، ق 1ل 5، وكلب: ك 2ل 5 ب 5، وتقدم «أحمد لطفي السيد» بنكتة أكثر سماجة، حين ادعى إن سبب تراجع الأمة العربية تمسكها بالتنوين، فدعا إلى كتابة كلمة أكل: أكالا، وبدل، قلم: قلمون، ومحمد:موحامدون، وعين الحاسد تبلى بالعمى.           
لكن المستغرب أن يعاد طبع الكتاب المهزلة لعبد العزيز فهمي «الحروف اللاتينية لكتابة العربية» بعد نصف قرن عام 1993في القاهرة!!!، وتصمد لغتنا الجميلة، لغة العلم والحق والخير والجمال، في وجه كل هذه المحاولات التي أتت وسوف تأتي، من قبل دوائر السيطرة والتحكم، أو من بعض المنفلتين من أدعياء الفكر والأدب في بلادنا، ونحن نقرأ تراثنا بحروفنا فنفهم ولكن هم لايقدرون على قراءة ما كتب في لغاتهم منذ أمد قريب، تلك إحدى معجزات لغتنا الرائعة.
محمد صالح أبو الحمايل


مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2017، المجلس العالمي للغة العربية.