إصداراتنا > أبحاث


الهوية القومية وعروبة اللسان

الهوية القومية وعروبة اللسان

 

الهُوّيّة القوميّة وعُروبة اللسان
 
للُّغات في نفوس الأمم قدسية عالية, لِما هي عليه من الوظيفة الإنسانية الخطيرة. على ذلك ترى جميع الشعوب, فيما نقله إلينا التاريخ. فعلماء الهند قديمًا ـ وهم يصدرون فيما زعموا عما أوحاه الله إلى نبيه إدريس ـ كانوا يعتقدون أن لغتهم مقدسة, خلقها الله أداة للخطاب بين الآلهة, ثم صارت بين الناس في حياتهم الدنيا.([1]) وكذلك تجد الأُمم الأُخرى, تربط اللغة بالغيبيات, كما كانت الحال عند عرب الجاهلية, من تقديس للعربية والشعر والشعراء وسجع الكهان ومحافل المفاخرات، واعتزاز بالفصاحة والبيان واحتقار للعُجمة والاستعجام.
والمعروف بين الأمم اليوم أنه لا يجوز استخدام شيء من العامي في مجالس العلم والتعليم والإعلام ، ومن صدر عنه شيء من ذلك في حديث أو كتابة احتقره الناس كلهم ، وأهين في موطن عمله ، لأنه مسيء إلى نفسه وللمخاطَبين ، خارج على مقدسات الأمة منسلخ من الهويّة القومية ومنساق مع المحاربين للمقوّمات الحيوية لها . ونحن الآن يحسن بنا أن نبحث هذا الجانب من واجبات الشخصية العربية، لنتبين الحدود التي يجوز لها أن تتخطاها لتمارس الألسنة الغريبة, ولا سيما في المواطن المختلفة والإقامات المتعددة أو المتباينة من هذا الكوكب الصغير . وهنا يكون للعربي موقفان مفترقان:
    أما المستوطنون في بلاد الأعاجم مع أسرهم وأعمالهم المستمرة فهم مكلفون بالحفاظ على عروبتهم اللغوية, والسعي إلى عَـوربة من حولهم ما أمكنهم ذلك. وهو ما عرفناه في تاريخ الصحابة والتابعين الكرام. فقد استطاعوا أن يعيدوا إلى عروبة اللسان صفاءها من الطُّمطانيات الأعجمية ، وينقلوا إلى العالم لغتهم بالتي هي أحسن, ويجعلوا عشرات من الشعوب الأعجمية يحبون هذه النعمة الربانية العظيمة ويمارسونها حتى كان لنا تلك المفاخر من آثارهم في مختلِف ميادين العلوم تراثًا, هو عربي إسلامي يبلغ ملايين العناوين من النسخ المخطوطة.
ولو تصفحتَ, على سبيل المثال البسيط القريب العهد, كتاب ’’حركة التأليف باللغة العربية في الإقليم الشمالي الهندي, في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر‘‘, للدكتور جميل أحمد الأستاذ في القسم العربي بجامعة كراتشي, لوقفتَ على([2]) قُـرابة2000 مصنف, تعالج الكثير  من مناحي العلم والأدب والفلسفة, مما يقرّب إليك مدى المحيطات التي خاضها المسلمون غير العرب في هذا الميدان.بل لقد أضاف هؤلاء المسلمون المستعربون أيضًا اقتباس الرسم العربي إلى لغاتهم, يكتبون به ما يكون فيها, ويعلّمون أجيالهم هذا الأسلوب المحبَّب لديهم. وحسبك أن تذكر عشرات الشعوب التي صارت تستعمل ذلك طواعية على مدى القرون المنصرمة, قبل أن يغزوها العدوان ليلوث الحضارة الإسلامية العربية المشرقة, ويمسخ الألسنة والنفوس والأعمال العلمية واللغوية, برَطاناته وطُمطمانياته ومعلوماته المبتذلة المستنفدة.
نحن - أيها الأخ الكريم - أصحاب رسالة في هذا الكوكب الصغير, لإنقاذ الإنسانية من ظلمات الجهل والضياع, وقد جعلـَنا الله - تعالى - خَيرَ أمة أُخرِجتْ للناس, لنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله.([3]) هذا هو منطلق المعنى الحقيقي لوجودك في الحياة الدنيا. فعَوربة مَن حولك ـ يا أخي المقيم في الديار الأعجمية ـ واجب، وبفضل تحسُّسك هذه المسؤوليةَ تستطيع أن تبلّغ تلك الرسالة. وإنما يتحقق هذا على يديك بالعلم والعمل الجادّ والخلق الكريم, وممارسة العربية بقدرة ويسر وبيان, يحبب الناس بك وبلغتك.
وهذه المسؤولية توجب عليك تعلم لغة من تعيش بينهم , لتملك وسيلة التبليغ والتحبيب والإعلام، واكتسابُك تلك اللغةَ يطلعك على العلوم والمعارف والآداب والفلسفات لديهم , فتصل ما بيننا وبين الشعوب بالتعاون الحضاري لمصلحة الإنسانية في كل مكان. لكن ذلك لا يعني طمس هويّتك العربية بالاستعجام, وإنما يُبرز جوهرها بين الآخرين, ويجعلها متألقة بأنوار أصحاب الرسالات والمَهامّ العظمى في الحياة. فتعلمك اللغاتِ الأجنبية لا يجور على الطابع العربي , بل يزيده وضوحًا وتوقدًا وجلاء، لأنك تكتسب اللغة الأجنبية المحيطة بك تحقيقًا لواجبات تصل إليها, لا على أنها جزء من شخصيتك وعنصر أصيل فيها يمسخ ما فيك من نصاعة البيان. وهذا يعني أن تمارس ما تعلمت منها عن شعور بالمسؤولية, لا عن إعجاب أو محبة أو تفضيل .
    وأما العرب المقيمون في ديارهم فمكلفون أن يتعلم بعضهم شيئًا من اللغات الأجنبية, تبعًا لما يحتاج إليه في وظائفه الحيوية حاضرًا أو مستقبلاً وما تتطلبه الأمة والوطن , يتعلم من مهارات تلك اللغات ما يناسب حاجاته وواجباته, دون أن تطغى على لسانه العربي المبين. وهذا يقتضي أن تُنـزع جذور العـَولمة اللغوية من المدارس والمعاهد والجامعات كافة وممارسات العمل اليومي في الإعلام والدعاية والوعظ والتوجيه, ويجعل لها مكان محدود بوظائفها المنتظرة.
يعني أن يكون لهذه الدخيلات, بعد زحزحتها وتهميشها وحصرها في أواخر السنوات المدرسية, حكمُ الاختيار لدى الطلاب, يتعلمها من يُـعِـدّ نفسه لمستقبل يتصل بما يحتاج إلى لغة أجنبية, أو من يرغب في الاطلاع على وسائل تعبيرية متعددة, والتطعيم لثقافته بروافد حضارية متنوعة,ثم تـُترك لباقي الطلاب مهاراتهم اللغوية من أحياز لغة العروبة ممارسة وإنجازًا وإبداعًا, في ميادين العلوم والفنون والآداب. وإلاّ كان سوء ظن بالمواطنين واحتقار لهم وإذلال.
ذلك لأن تعلم اللغات الأجنبية في الوطن العربي هو فرض كفاية وحسْب, إذا قام به البعض سقط عن الباقين. وعلى هذا فإنه تختلف درجات حضور تلك اللغات بين الناس بحسَب حاجة الأمة والأفراد إليها, في الحياة عامة وميادين العمل والإنتاج خاصة, فيكون لبعضها أهمية بالغة, أو مُهِمّـات محدودة, أو واجبات آنية. ولقد طالما عرضتُ هذا النهج في مجالس العلم والعلماء, فلم أجد أذنًا من المسؤولين صاغية ، بل لقيت اعتراضًا من بعض الباحثين أيضًا , بحجة أن النبي ـ عليه السلام ـ قد أمر مِن الصحابة مَن يتعلم لغات المحيطين بديار العرب.
ضوابط استخدام الأعجمي :  
نعم ذاك القول أمر معروف في التاريخ وهو حق واقعي, ولكن كُـلف به أفراد لا يبلغون عدد أصابع اليد الواحدة, للقيام بالواجبات المترتبة على ذلك. ولو أُمر به جميع العرب حينئذ كما هي الحال الآن , لكانت عَـولمة تمسخ العروبة والإسلام, وتحول دون تحقيق الحضارة التي لم تغب عنها الشمس. ثم لابد من التفصيل في بعض الجزئيات من هذا الموضوع الحيوي, لنستعرض ما يُحتمل من الأحداث القريبة منه أو المتصلة به, كاستخدام الألفاظ المفردة أو التراكيب والجمل والعبارات. والفرق كبير بين هذين الحقلين, يجب التنبه إليه وإدراك مخاطر التخليط فيه والانسياق وراء مغريات العَـولمة والغزو الاستعماري الأثيم ، ومسخ الهويّة القومية .
ففي الميدان الأول, ترد المفردات الأجنبية. وهذه لا يجوز انتشارها في البيئة العربية, أو استخدامها الشخصي, إلاّ إذا عُرف معناها بدقة, وفُـقِـد البديل لها وتعذرت ترجمتها, ثم عُـرِّبت بالأصوات الفصيحة والصيغ الخالصة العروبة. إذ ذاك تصبح من زادنا اللغوي, لها الجنسية العربية الصافية, وحكمها حكم جميع ما في مخزوننا اللغوي الأصيل, لأن ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم ، كما قال الخليل وسيبويه ومن بعدهما .
ثم قد يكون في تلك المفردات شتائم ومَعايب لنا, واستعمال مثلها هو غباء وقصور وانسحاق ومشيِ نائم. فقد سأل أبو محمد حربُ بن إسماعيل الكرماني الإمامَ أحمدَ بن حنبل عن مثل ذلك, بأن للفُرس أيامًا وشهورًا, يسمونها بأسماء لا تُعرف معانيها، هل يجوز استخدامها في الكلام ؟ فكان الجواب الكرهَ أشدَّ الكراهة.([4])وكذلك حكم الأسماء والكلمات الأعجمية المختلفة. فقد رأينا في بعض المدن الخليجية من يلبس ثيابًاعليها كلمات باللغات اليابانية والهندية والصينية, فيها شتائم للإسلام والمسلمين والعرب .
ومما ورد علينا من دسائس الاستعجام أيضًا نحو استخدام ’’ الفائدة ‘‘ مقابل الربا لتسويغه بيننا, و’’الأكاديمية‘‘ المصطلح الوثني للدلالة على الجامعة, و’’ الدكتور‘‘ أعني الحاخام معلّم التوراة مقابل: العالِم أو الخبير. وكذلك استعمالُك كلمةَ ’’ اللاهوت ‘‘ بدلاً من: الأُلوهية أو العقائد المتعلقة بها.([5])فهذه الكلمة تعني تجسيد الأُلوهية ,([6])وأصلها من الكتب الإسرائيلية باللغة العبرية, تحمل معها خصائص الشرك الذي تميزت به عقيدة اليهود. وقد أدخلوها على أقوام الغرب القريبين من الوثنية, وهم ’’ يهود الروح‘‘, فتقبلها هؤلاء بالرضا والطمأنينة, وصارت شائعة لديهم، ثم تسربت إلينا عن طريق السُّريانية فالتركية، وانتقلت إلينا بألسنة بعض المستعجمين من المتصوفة وعلماء الكلام, في ثوبها اليهودي القديم, وصار يستعملها الناس, من دون تنبه إلى ما تتضمنه من الدَّخـَـل, وإلى الطعن الذي وجهه إليها علماء اللغة والاصطلاح.([7])
ولقد اضطرب الباحثون واللغويون في تحديد مفهوم هذه الكلمة , فذكروا أنه قد يراد بها: الخالق أو الروح أو العالم العلوي أو السبب, ويقابلها في رأي أصحابها ’’ الناسوت ‘‘ أي : الناس أو الجن أو المخلوق أو البدن أو العالم السفلي أو المسبَّب، ثم حار أصحاب المعاجم في تعيين موقع اللفظة من المادة العربية, مع إقرارهم بدخيليّتها, فتوزعت لديهم بين: لهت ولوه وليه, بعد أن حكموا عليها بالجنسية الإسرائيلية العبرية.
لا بد إذًا من تجنب مثل هذه الدسائس الدخيلات, في مجالس العلم والإعلام العربية أو التوجيه والحوار المعرفيّ فيها, إذا أردنا الحفاظ على الهويّة القومية وعروبة اللسان بحق, والتصديَ لغارات العَولمة الثقافية, وما تجره من تهديم وتلويث للألسنة والعقائد والمفاهيم والقيم والمثل . ولا بد أيضًا من وضوح الرؤية والتصرف مع العدو المحارب بمثل ما يكون منه, والمواجهة بالصلابة والعزة والحفيظة, لصيانة النفس والأمة من مخاطر الجهل والطيش والغباء والتهالك على الاسترضاء.
     أما إذا كان المخاطَب أعجميًّا, يجهل العربية أصلاً ولا يفهم ما تقوله إلاّ بلغته, فلا بأس أن تستخدم له في كلامك تلك اللغة, وتذكر فيها أسماء بعض المفاهيم والمصنوعات أو المصطلحات والأساليب المشهورة عنده للإبلاغ, ريثما يصـارُ إلى ترجمتها أو تعريبها أو هجرها بين الناس. فقد روي عن سلمان الفارسي س أنه أصاب جارية من قومه, فخاطبها بالفارسية أن تصلي وأن تسجد.([8])وليس من ذلك خطاب النبي ـ عليه السلام ـ لأم خالد بألفاظ من الحبشية وأساليب الأطفال, للتودد والإيناس, إذ كانت تلك المفردات من لغتنا في الأصل, لقبيلة عربية مستعجـِمة كما حققنا في غير ما كتاب لنا. أما الدخيل على العربية, من مفردات أعجمية بأصوات وصيغ فصيحة, وقد صار دارجًا بالتعريب على الألسن عامّة في ماضي المسلمين وحاضرهم, فإنه في حكم كلام العرب, ولا غضاضة ولا حرج في استعماله، ولكن يحسن استبدالُ ألفاظ عربية أصيلة به, لتجنيب الألسنة أن تنساق في مزالق المنكرات.
وأما التخاطب بالكلمات الأجنبية, عن غير ضرورة أو حاجة ملحة, فإنه مكروه بلا شك وقد يصل استعماله إلى درجة المنكر من المحرّمات, إذا صدر عن تفضيل له على العربية, أو محبة لأصحابه وللغتهم, أو اعتزاز بذلك وإعجاب في مجالات التحذلق والامّحاق. ليس لامرئ عربي أن يتجاوز عروبة اللسان في مثل هذا, لأنه يمسخ هُويّته القومية ويحتقر نفسه ويخون وطنه وأُمته بالشهوة والتبعية والذلة والصَّغار, ويساهم في حرب قومه وبلاده وتبويشهم.
وهنا قد يصدر عن أحدنا عفوًا لفظ أعجمي أو أكثر, لأنه مما علق بلسانه, ولم يقصد التفضيل والاستحباب, فيُعتـدّ من السهو أو الغلط أو اعتياد الكلام. ومثل هذا ليس في صدوره عصيان يقتضي المؤاخذة, لأنه من اللغو وسبق اللسان. فقد أخرج ابن عساكر([9])عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع حُكمًا أعجبه, من القاضي شُريح بن الحارث الكِندي, فقال له: ’’ قالـُون ‘‘ أي: أحسنتَ أو جيـِّـدٌ, بالرومية. وهي كلمة كانت دارجة بين بعض المسلمين حينئذ, ولُـقِّب بها أحد القـُرّاء, وجاءت في شعر لعبد الله بن عُمر.([10])
ومن هذا القبيل ما أخرج ابن أبي شيبة([11]) عن أبي هريرة, من أنه أشرف على السوق فقال: سحتْ وداستْ. وسأل رجل ابنَ الحنفية عن الجُبن, فقال: ياجاريةُ. اذهبي بهذا الدرهم فاشتري به ينيرًا. يعني الجُبن. وقال أبو عبد الملك مولى أُمّ مسكين بنت عاصم بن عمر بن الخطاب: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة فجاء معي, فلما قام بالباب قال: أندَر ؟ قالت: أندَرُون. أي: داخل, ونحو ذلك.
 ومِثل هذه الكلمات التي تندر عن المرء حينًا أو أكثر في حياته, أو تكون جوابًا لنظيرها من مخاطَب, لا يشكّـل تفضيلاً للغة الآخرين أو تكلف تقليد أو نسيانًّا للشخصية القومية, بل يُـذكر عنه للتندر وتسجيل الحدوث في لحظة من الأحيان. قال الإمام ابن تيمية([12]): ونُـقل عن طائفة منهم [ من المسلمين العرب ] أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العَجمية . . . وأكثر ما يفعلون ذلك إما لكون المخاطب أعجميًّا أو اعتاد العُجمة, يريدون تقريب الإفهام عليه.
وأما إقحام الجمل والعبارات والتراكيب الأجنبية, والانسياق في تيار التحذلق واصطناع الاستعجام, واعتياد ذلك أو تكلفه في مواطن كثيرة من الكلام, فأمر محظور لا يجوز أن يصدر عن العربي, لأنه يمثل الهزيمة النفسية في معترك الحياة أمام الغزو العدواني وتلويث الإنسان, وخاصة أيام تسلط المعتدين واستبدادهم بأزمّة الأمور وقصدهم مفاسد البلاد. فالانقياد لثقافة المعتدي ورَطانات لغته هو من الخيانة العظمى, وتزلف يثبِّت أركان عولمته, ويضعف اللسان العربي وأهله.([13])بل إنه ليمحق هُويّة صاحبه بذوبانها في أتّون الانقياد النائم.
ولأن لغة َ الفرس كانت أقرب إلى العرب وممازجة لهم في صدر الإسلام, والصراعَ في الدين والحضارة معهم كان حادًّا, جاءت عدة مقولات تحذر العرب من تقليدهم واعتياد الرَّطانة. فقد أخرج الحاكم عن ابن عمر قال: قال رسول الله غ : ’’ مَـن أحسَنَ مِنكُم أن يَتَكَلَّم بالعَرَبِيةِ فلا يَتَكَلَّمَنَّ بالفارِسِيّةِ. فإنَّهُ يُورِثُ النِّفاقَ ‘‘.([14]) وقال عمر بن الخطاب: ’’ ما تعلّم الرجل الفارسية إلاّ خَـبُـثَ, ولا خَـبُـثَ إلاّ نَـقََصَت مُروءتُه ‘‘.([15])وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن أبي وقاص أنه عندما سمع بعض العرب يتكلم بالفارسية قال: ما بالُ المجوسيّـة بعد الحَنيفيّـة؟([16])
وقد علق المُناويّ على الحديث الأول بأنه جاء فيه ذكر الفارسية, ويُلحَق بها غيرها من اللغات لزومًا, وأن المراد فيه هو النفاق العملي لا الإيماني، ثم ذكر أنه قد يكون المراد هو الثاني, أي: النفاق الإيماني, لأن الله أنزل كتابه باللسان العربي, وجعل رسوله مبلغًا به, والصحابةَ والتابعين كذلك, فصارت معرفة العربية من الإيمان, واعتيادُ العربي غيرَها جارًّا إلى مراتع النفاق الحقيقي.
مظاهر الشعوبية :
وبعد أن استفحل الصراع الحضاري في الماضي بين العرب والأقوام الآخرين, وصار لهم أساليب متعددة في محاربة العربية والعَـوربة, تعرض الجاحظ وأمثاله لتلك الصراعات الحضارية واللغوية وصار يُعرف المنحرفون بأنهم شعوبية وأعداء للأمّة والدين الحنيف ، ثم تناول الزمخشري المسألة اللغوية المَرَضيّـة هذه من زاوية العُروبية، حين شرع بعض مدعي العلم والفقه والمعرفة يدسون نزعاتهم تلك فيما يُـلقون للناس من مقالاتهم, ويشيعون في توجيهاتهم تردد طُمطمانيات الأمم المجاورة, واللهجات العامية المستعجِمة المنتشرة في الأسواق, حتى كادوا يزعزعون منزلة الفصاحة في النفوس والألسنة.
فقد أثارت هذه المنازع في الزمخشري - وهو الأعجمي الذي تعرّب وأخلص للـّغة القرآنية والمروءات العربية - فراح يجاهر بمحاربة أولئك المتشعْوِبين مجدِّدًا حملة الجاحظ ومن سار على نهجه, ويندد بهم فيما تيسر له من الاتهام الصُّراح والحِجاج المحقّق للإجرام.([17]) فهو يحمد الله ـ تعالى ـ أن جعله من أنصار عروبة اللسان, وجبله على الغضب لأهلها والعصبية لهم, وعلى منافحة الذين يَغضون من مقدار رجال العرب.
ثم يرى أن هؤلاء المستعجمين قِطاع خبيث من الشعوبية, في محاربتهم للحق وزيغهم عن المنهج القويم. فهم مدركون يقينًا اعتمادَ جميع العلوم والفنون والآداب على العربية عامة ونحوها وإعرابها خاصة, باستبداد في تضاعيف المعارف مما جاء عن رجالات العلوم الإسلامية خلال القرون الماضية, ثم يجحدون ذلك بما يشيعون من الاستهانة بها, وعدم اتخاذها أداة للتفكير والتعبير والتوجيه أحيانًا, وفي الإقلال من شأنها حين مباحثة العلوم ولقاءات المجامع والمنتديات.
    وهم يناقضون أنفسهم في تصرفات عجيبة, إذ يكون منهم ما مضى ظاهرَ التمذهب بالشعوبية, ثم تراهم يخشون الاستعجام في مجالس التدريس وحلقات المناظرة, لِما يكون عن ذلك من انحطاط المنزلة والتعرض للسخرية والإهانة, والظهور بما في لهجات العامّة من تقهقر وسوقية مَقيت. فقد جمعوا إلى شعوبيتهم إدانة أنفسهم بالهزيمة وسقوط الهمم, حين عجزوا عن السير في سبيل متزن قويم يوفق بين القول والعمل.
ومن هذا الذي قال به الزمخشري, ومما مضى قبلُ في مقولات النبوة والصحابة والعلماء, يتحقق لديك أن التحذلق بالاستعجام يضم محق الهُويّة العربية والانهزامية من أطرافها وشعوبية القلب والفكر واللسان. وهو ما تجده شائعًا بين مستويات التعليم والإعلام والإعلان عندنا, في المدارس والمعاهد والجامعات والمساجد والكنائس والندوات والإذاعات والتلفزات والصحف وكثير من المجلات والدوريات العلمية المشهورة. وأخبث ذلك ما يجري في مصر وغيرها, من عامية محلية لتفسير القرآن الكريم والوعظ العَولمي الرخيص وتعليم التجويد والإعراب أيضًا.
فلا غرو أن يجرَّم القائمون على ذلك والعاملون له, بمخاصمة القوم الذين شرفهم الله بالعروبة. فإن اعتُذر لهم أنهم يخاطبون قِطاعاتٍ عامية لا تدرك فصيح الكلام كان في ذلك مغالطة أو غباء من المعتذرين. فهذه القطاعات المذكورة تسمع من الإذاعات والتلفزات وبعض المساجد كثيرًا من ذلك الفصيح, وتتفهم مقاصده في نشرات الأخبار والتعليقات عليها, وفي التوجيه والنصح والإرشاد. بل إن جميع الأفلام والمسلسلات الأجنبية والمقولات الأعجمية تترجم لهم بالفصحى, أكانت من مصدر أمريكي أم إنكليزي أم فرنسي أم ياباني أم صيني... وأطفالُها الصغار أيضًا يتلقون ترجمات أفلام الطفولة بالفهم والحفظ والتداول دون عجز أو قصور.
أفيصحّ هذا في المترجمات عن الأجنبية بيسر وانطلاق, ويختلّ في التعليم والإعلام ؟ ألا إن الساقطين في ذلك ينساقون مع العَولمة الخبيثة لمحق الهُويّة العربية , فيستصغرون المخاطَبين بل يحتقرونهم, ليثبّتوا أركان العاميات المحلية, ويُبعدوا الناس عن حوض العروبة الشريفة وواجباتهم الشرعية, وهم يدّعون التوجيه نحو الخير والصلاح. ولهذا ترى أبواق التبويش تشجع ما يصدر عن هؤلاء المروّجين للاستعجام, وتحتفي بهم في وسائل الإعلام وتكرمهم في كل مناسبة, وتقيم لهم الاحتفالات وتقدم لهم العطايا, وتنشر ما يصدر عنهم بالأساليب المختلفة بين الناس, من صحف ومجلات وقصص وأفلام وإذاعات وتلفزات وأقراص ممغنطة ومضغوطة, ليتشبعوا باللهجات الهجينة, ويبتعدوا عن حياض عروبة اللسان, فيسهل انقيادهم للعَولمة المَقيت.
ذلك هو الفهم لحقيقة عروبة اللسان والهُويّة القومية , مع الحكم على الخارجين عنهما في ممارسة المهارات اللغوية. إنها القدسية الظاهرة لدى العربي في ديارنا وغيرها , أيًّا كان جنسه في النسب, أفارسيًّا أم كرديًّا أم جركسيًّا أم روميًّا أم تركيًّا, يتلقاه الأبناء عن الآباء والجدود, ويغرسونه في الأجيال التالية, مع الرعاية والتنمية والإغناء. وهي قدسية عامرة في القلوب والألسنة والآذان والوجدان, يجدر بنا تعرُّفها وتعريفها للناس, وغرسها في الضمائر حية وفي بؤرة الشعور, مع التغذية بالحُرمة القومية الفعّالة كذلك, لتكون دافعًا إلى العمل بشوق وحماسة وانفعال من طرفَيِ العقيدة والأصالة, مع نفحات من المحبة والسعادة والإشراق.
فرْضية عروبة اللسان :
ولذا فإنني أقرر ههنا بكل حزم وجزم أن إتقان العربية, بحسب المهارات اللازمة للإنسان في موقعه من الأمة , هو واجب قومي وديني معًا لكل مواطن في بلاد العرب أو منها . وأعني بالمواطـَنة عروبة اللسان والوطن, لا الجنس أو النسب, بدليل ما روي عن النبي الكريم ث من القول: ’’ إنَّ العَرَبِيّةَ لَيسَتْ بأبٍ واحِدٍ,([18])لكِنَّها لِسانٌ ناطِـقٌ ‘‘.
أما الوجوب القومي فقد تكرر في أرض العروبة ذكره بالعشرات والمئات, في الكتب والرسائل والمقالات والمحاضرات والقوانين الشرعية الضابطة, وكل مواطنٍ مسلمٍ مكلف بذلك ومسؤول عن إتقانه وممارسته في جميع شؤون حياته, مع تفاوت في مستوى المهارات ونوعها, يناسب المهامّ الاجتماعية له في الحياة. أما نصارى العرب فشأنهم في هذه القدسية الدينية أوضح وأيسر بيانًا. ولعلنا نتذكر ههنا من كان في الجاهلية وصدر الإسلام من رجالات النصرانية وأدبائها, إذ عاشوا مع المهارات اللغوية كمعاصريهم من المشركين والمسلمين.
  حسبك الآن استحضار ما تعرفه عن العِباديـِّين ونصارى تغلب ونجران وغسان وقُضاعة, وأمثال: رئاب بن البراء وورقة بن نوفل وقُس بن ساعدة وعثمان بن الحويرث، وعُبيد الله بن جحش وحنظلة الراهب وبَحيرَى وحرملة بن المنذر, وما قيل عن أُميّة بن أبي الصلت وعديّ بن زيد وأسد بن ناعصة وعمرو بن كلثوم, وآخرين من أمثالهم.([19])
 وكذلك شأن من كان بعدُ في العصور الإسلامية من القبائلِ التي لازمت النصرانية, ومن الأسماء الأعلامِ([20]): كأبي زُبيد الطائي والقُطامي الذي أسلم والأخطل الكبير وعمرو بن الأيهم, والأطبّـاءِ: كالراهب يحيى البِطريق وابن أُثال وأبي الحكم وثيادوق وجورجيوس بن جبرائيل وابنه بختيشوع, وماسويه وابنه يوحنى وحنين بن إسحاق وابنه إسحاق والحجّاج بن مطر وابن البِطريق, وسلم صاحب بيت الحكمة وسَلمَويه صاحب المعتصم وقسطَى بن لوقـَى . . .
    ثم إذا انتقلت إلى القرون الثلاثة الأخيرة من هذا العصر استقبلك جمهور من رجالات الصِّحافة والعلم واللغة والأدب, أمثال: يوسف أسطفان ورِزق الله حسّون وخليل الخوري ونيقولَى الترك, وبطرس كرامة وبطرس البستاني وناصيف اليازجي وميخائيل الصباغ والياس إدة، ويعقوب صرّوف وإبراهيم اليازجي ومارون النقاش وطنّوس الشدياق, وشاهين سركيس وسليم الخوري وفرانسيس مراش وجبرائيل دلال ونجيب الحداد، وخليل الخوري والياس بقطر ويوسف داود وأديب إسحاق وإسكندر إبكاريوس, وجرجي زيدان وخليل مطران وإلياس أبي شبكة وإيليا أبي ماضي وجبران خليل جبران وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة, وسليمان البستاني وعبد الله البستاني وفرح أنطون وأدوار حسين وعبد الله يوركي حلاق وحنَّـى مينة وجورج عبد المسيح وجوريف الياس , وكثير من شعراء المهجر وكتّابهم.
فهؤلاء المذكورن, وأمثالهم كثيرون, تمثّلوا الهُويّة القومية فمارسوا المهارات اللغوية وتابعوا تحقيقها وتوجيهها, كل بحسب وظيفته في المجتمع وخبرته وتطلعاته, فيما أنتجوا من الشعر والمقالات والكتب العلمية والأدبية, وأبحاث اللغة والنحو والأدب والسياسة والاجتماع, لأنهم كما قال عنهم وعن نفسه البطريرك غريغوريوس الثالث لحّام,([21])حين زيارة البابا يوحنّى بولس الثاني لسورية: ’’ نحن كنيسة شرقية عربية, جزء لا يتجزأ من سورية ومن العالم العربي والأمّة العربية, ومن الثقافة العربية والفكر العربي, ومن التاريخ العربي والحاضر والمستقبل ‘‘.
ومن ذلك المنطلق القومي تتابعت الخِدمات الجُـلَّى للإخوة نصارى العرب, تمارس عروبة اللسان وتغذيها بالإنجازات النموذجية والتوجيه والتسديد, في مختلف مجالات الحياة. وهذا التوجه لدى غير المسلمين فيه عنصر ديني قد يغيب عن المنظور المباشر في أعين البعض, وهو حاضر في نفوس إخواننا نصارى العرب وضمائرهم, تستشعره في حماستهم للهُويّة العربية يكثير من نشاطاتهم في الأدب والدين والفكر, وتبديه المناسبات مِحكّ السرائر والأسرار.
فقد شاركتُ في المؤتمر الأول ’’ للغة العربية أمام تحديات العولمة ‘‘, الذي جرت وقائعه في بيروت يومي 8 و9 من الشهر الرابع لعام 2003, والثاني في يومي 19 و20 من الشهر نفسه لعام 2005, وكان في المشاركين غير واحد من الزملاء النصارى رجالات الدين والعلم. ومما جاء في أقوالهم: ’’ إننا نقدس العربية لأنها لغتنا القومية ولغتنا الدينية ‘‘. وكان في تفسير الجانب الديني أنها اللغة التي تـُنشر بها الأناجيل المختلفة, يتعبّد بها كل نصراني تلاوة وعملاً, في البيت والمنتدى والكنيسة وحيثما كان.
هؤلاء هم الذين امتدحهم الله ـ تعالى ـ في كتابه العزيز, بأنهم أقرب مودّةً, سالمونا في التاريخ منذ عرفوا الحياة بيننا, وأخلصوا لقومياتهم التي ينتمون إليها في الخدمة والحماية والتنمية والوفاء, كما ترى في جميع الأقطار الإسلامية الآن. بل لقد أصبحنا وإياهم اليوم كالأقلّيّات في خندق واحد من أوطاننا, بين فكَّيِ العَولمة والتبويش برأس متهوِّد, لأننا جميعًا لا نُحكَم بما أوحى الله من التوراة والإنجيل والقرآن, وإنما يتخبطنا الشيطان في أنظمة وأحكام من أحابيل العَولمة القديمة ومتاهات التبويش المعاصر، ومخازي اليهودية العالمية.
وعلى ذلك عاش العرب في القديم منهم مثلاً, كالغساسنة والمناذرة وقبائل تغلب وإياد وقضاعة, عاشوا في الجاهلية بين إخوانهم المشركين بوئام وسلام، ولمّا كانت محنة الصحابة في مكة هاجر بعضهم إلى الحبشة, فلقوا من النجاشي ونصارى قومه الترحاب والرعاية, والحماية من وفد المشركين الذين جاؤوا يريدون استعادتهم للتعذيب والتنكيل، ولما استقرت الدعوة الإسلامية في المدينة المنورة كانت مراسلات وموادعة ومهاداة بين النبي ع وبين النجاشي ملك الحبشة والمقوقِس عظيم الأقباط. ثم كانت الحرب في اليرموك مع الروم, وما بعد ذلك مع البيزنطيين([22]) والصليبيين والاستعماريين والبوشيين, من تاريخ حافل بالمعارك إلى يومنا هذا.
 فهؤلاء الغربيون هم الذين انفردوا دون إخوانهم الشرقيين بعداوتنا والقتال, لأنهم أقرب إلى اليهودية في العقيدة والتفكير السياسي العدواني، بل إنهم انساقوا مع اليهود في القرون الأخيرة, وتبنوا التـُّلمود الجديد واللغة العِبرية وحماية ’’ شعب الله المختار ‘‘ كما يزعمون, وشاركوهم في عباداتهم ومعابدهم ونقمتهم على الناس كافة, وبرؤوهم من الصَّلب, ثم جاؤوا ديارنا معهم بالحديد والنار, يهدمون ويقتلون ويلوثون الشعوب الإسلامية بالبغي والبغاء.
ولا غرو, والحال هذه, أن تكون لنصارى الشرق عروبة اللسان بيننا لازمة في العبادة والتقديس, حاضرة في الممارسات المذكورة, وفي كل عمل لغوي يتناول الكتابة أو القراءة أو التلقي أو الإنتاج, من جميع مجالات الآداب والعلوم والفنون والخطاب. وبهذا نكون قد تبيّـنّـا الرباط الوثيق بين أبناء الوطن الواحد, وحققنا على جميع أبناء العرب الوجوبَ القومي والوجوب الديني معًا في عروبة اللسان.
وإذا استطعنا أن نجلي هذه الحقيقة الجوهرية, ونغرسها في نفوس المواطنين أيام الطفولة والمراهقة, ونغذيها بما ينميها ويرعى ثمارها أيام الشباب والكهولة والشيخوخة, من أدلة وتجارب ونماذج حية, نكون قد أسسنا الجذور الراسخة, لمقوّمات الانفعال والتجاوب إزاء واجبات العَـوربة اللازمة لكل امرئ, في مُهِمّاته ووظائفه وصبواته. وهذا أمر يعرفه العلماء والساسة من قديم الزمان, ويمارسون العمل به حيث يكون للسلطان مكان, ويتجاهله الآن كثير من رجالات التوجيه اللغوي والتربوي والمسؤولين عنه في بلاد العرب, فينساقون أمام سياط العَولمة والتبويش.
وقد كان عرب الجاهلية وما بعدها يصفون من خرج عن لغتهم بأنه أعجم طُماطم, أي: كالبهيمة لا يستطيع الكلام. وكذلك الشأن عند الأمم المختلفة كاليونان وأصحاب اللاتينية مثلاً , إذ يصفونه بالهمجية والتوحش, في حين أن الروس يرونه أخرس عاجزًا عن التكلم.([23])إنه قانون إنساني خالد ومحتّم, من خرج عليه مسخ هويّته القومية وعرّض نفسه وأمته للاضمحلال والذلة والضياع . فـلْيتق اللهَ كل منا فيما يفكر ويقدّر ويقوم به من عمل.
 ولذلك تحرص الأمة الغالبة على سيادة لغاتها, لتجعلها مكان ألسنة المغلوبين, كما قال ابن خلدون,([24]) فتثبّت بها أركان بقائها بينهم, في أطول ما يمكن من الزمان, وأوسع ما يتحصل من المكان. فإذا أرادت الأقوام والشعوب الحفاظ على كيانها, وصيانة الأوطان والمواطنين والقيم والمُـثل والأعراض, فليكن في قِمة اهتمامها حمايةُ اللسان من الغزو والتشتت والامّحاق, وتنميتُه بما يناسب الحاضر ويتلقى من المستقبل. وإلاّ فهي في طريق الخيانة العظمى, والعبودية والفناء, تسير كالمتعجل إلى مصرعه.
وفي توضيح هذا الجانب الإنساني الخطير, قال ابن حزم([25]): ’’ إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم, أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم. فإنما يقيِّد لغةََ الأمّة وعلومها وأخبارها قوةُ دولتها ونشاط أهلها. وأما من تلِفتْ دولتهم وغلب عليهم عدوُّهم, واشتغلوا بالخوف والحاجة والذلّ وخدمة أعدائهم, فمضمونٌ منهم موت الخواطر, وربما كان ذلك سببًا لذهاب لغتهم, ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبُيُود علومهم. هذا موجود بالمشاهدة, ومعلوم بالعقل ضرورة ‘‘.
 
 
 


([1])       البحث اللغوي عند الهنود ص 18 وشمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم 1: 7.
([2])      انظر ص 509 ـ 610 منه.
([3])      انظر الآية 110 من سورة آل عمران.
([4])      الاقتضاء 1: 461 ـ 462.
([5])      المعجم الوسيط (لهت).
([6])      انظر أديان العالم ص 426 ـ 437.
([7])      الصحاح ومختار الصحاح والقاموس والتاج (ليه) واللسان (لوه) والكليات 4: 173.
([8])      المعجم الكبير للطبراني 6: 218. وانظر النهاية 1: 74.
([9])      مختصر تاريخ دمشق 10: 297 وسِيَر أعلام النبلاء 4: 103 والمعرّب ص 325.
([10])    انظر التاج (قلن).
([11])    المصنف 9: 12.
([12])    الاقتضاء 1: 468.
([13])    الاقتضاء 1: 463.
([14])    المستدرك 4: 87 والجامع الصغير 2: 274. وقد صحح السيوطي هذا الحديث, وذكر ابن حجر أن سنده واه. فتح الباري 6: 227. وذكر الفارسية هنا للتمثيل لا للتعيين أو الحصر.
([15])    المصنف 9: 11.
([16])    المصنف 9: 11.
([17])    المفصل ص 2 ـ 3.
([18])    معجم مقاييس اللغة 4: 300. وفي المطبوعة: ’’ باباً واحداً ‘‘ بخلاف ما جاء في الأصل المخطوط للكتاب.
([19])    انظر البداية والنهاية 2: 168 وتاريخ الطبري 2: 119 وتاريخ اليعقوبي 1: 298 والبدء والتاريخ 1: 150 ـ 151 وسيرة ابن هشام 1: 30 و242 و243 والرد على النصارى ص 15 والمعارف لابن قتيبة ص 58 ـ 62 والاشتقاق ص 11 والصحاح واللسان والتاج (عبد) والمحبر ص 171 ـ 172 و238 والأغاني 2: 97 و3: 120 والمؤتلف والمختلف ص 229 وأمالي اليزيدي

الكاتب: الدكتور فخر الدين قباوة

تاريخ الإضافة: 2008/7/23 - تحميل:



مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2018، المجلس العالمي للغة العربية.