إصداراتنا > أبحاث


ظاهرة التلاقي بين الأدب العربى والآداب الأخرى

ظاهرة التلاقي بين الأدب العربى والآداب الأخرى

 

ظاهرة التلاقي بين الأدب العربى والآداب الأخرى
جذورها وعواملها … وثمارها الحضارية واللغوية
 
 
بحث مقدم إلى
مؤتمر اللغة العربية ـ الواقع ـ ومشروع الأمة الحضاري
 الذى ينظمه المجلس العالمي للغة العربية بلبنان فى المدة من 29/6 إلى 1/7/2008م
والذى سيعقد بمشيئة الله فى دمشق ـ عاصمة الثقافةالعربية لعام 2008م
 
إعداد
الأستاذ الدكتور
صابر عبدالدايم يونس
أستاذ الأدب والنقد وعميد كلية اللغة العربية
فرع جامعة الأزهر بالزقازيق


ظاهرة التلاقى بين الأدب العربى والآداب الأخرى
جذورها وعواملها … وثمارها الحضارية واللغوية
بقلم
أ.د/ صابر عبدالدايم يونس
ـ 1 ـ
مدخل:
· إن التأثر والتأثير المتبادل دليل النشاط والحيوية والابتكار والتفتح ، إذ أنه يفتح الطريق أمام الشعوب لمعايشة تجارب جديدة ، برؤية متطورة وتصور رائد واع .
· وكل أمة تطمح إلى أن يصل أدبها إلى آفاق العالمية ، وعالمية الأدب تتحقق حين تجاوز الآداب حدود الاقليمية ، وتخرج عن دائرتها الضيقة طلبا لكل ما هو جديد مفيد تستفيد منه ، وتستوحى مبادئه ، ولا تنقله بكل ثقله وإلا صدق على الآداب المتأثرة تعريف الناقد الفرنسى "فيلمان " للأدب المقارن بأنه السرقات الأدبية التى تتناولها الدول .
· وبعض المهتمين بمسائل الأدب وقضاياه ينادون بما يسمونه " الأدب العالمى " وفى مقدمة أنصاره والداعين إليه "جوته " ويريدون به "توحد الآداب فى العالم فى الأنواع الأدبية والأصول الفنية ، والغايات الإنسانية ، بحيث تندمج فى بعضها اندماجا تنمحى معه كل الحدود الفاصلة بين الآداب سوى حدود اللغة وموحيات البيئة ".
· والطموح إلى " الأدب العالمى " المتوحد . كما يتصوره جوته وأنصاره يعد أمرا بعيد المنال ، وغاية تستعصى على الوسائل ، ويستحيل تحقيقها ، فلكل أديب ذاته المستقلة ، وموهبته الفريدة وأدبه الخاص ، وبيئته التى تحمل خصائص نفسيه وفكرية وفنية تتلائم مع مزاجه وهو صدى لها، ومن المخالف لقوانين الطبيعة البشرية أن تتحد طبائع البشر ، وتتوحد أمزجتهم ، وتتشكل خيالاتهم فى تصميم واحد ، وأما " عالمية الأدب " فيمكن تحقيقها ، وليس معنى العالمية أن ينفصل العمل الأدبى عن خصائص بيئته ، ويسمو فوق مشاكلها ، ويحلق بعيدا عن آفاقها ، بل من أولى أسباب تفوق العمل الأدبى وعالميته أنه يكون ابن بيئته ، وأن يصورها ، بعمق وصدق فنى خالص .
· والواقع أن ما يحدث بين الآداب من تقارب فى التناول الأدبى رؤية وأداء يكون بدافع من تبادل التأثير والتأثر ، وكما تلتقى الآداب ، وتتلاقح وتتكاثر ، يلتقى الأدباء ، ويتغذون من نتاج بعضهم البعض ، فيحدث التفاعل والاندماج.
" والأدب العربى " فى هذا العصر ـ كما كان يطمح " أحمد أمين ، وزكى نجيب محمود " وقد تحقق بعض ما أراداه فى حاجة إلى أن يضع عينه على الآداب الآخرى ، ويستفيد من موضوعاتها واتجاهاتها ، ويستلهم بعض نماذجها كما تفعل كل أمة حية الآن ، فلم تترك أدبا من الآداب الشرقية والغربية إلا أعلمت قومها به ، ووقفتهم عليه ، وذكرت لهم خصائصه وعيوبه ، ومميزاته ، ونقلت شعره شعرا ، ونثره نثرا .
وعرفنهم بأشهر رجاله، وترجمت أقوام آثاره ، فلو شاء انجليزى أو فرنسى أو ألمانى ، أن يعرف أى أدب صينى ، أو يابانى أو هندى ، أو فارسى ، أو عربى ، أو أى أدب آخر لوجد من كل ذلك الأدب الكثير بلغته، ووجد المطولات والمختصرات ، والمجموعات ، والمتفرقات، واستغل أدباء كل أمة هذه الآداب المعروضة خير استغلال ، فاستغلو ألف ليلة وليلة، ورباعيات الخيام والشعر الجاهلى، والقصص الهندى ، وكل يوم يزيدون من ثروتهم ونتاجهم ، وأخرجوا المجموعات الواسعة فى قصص العالم ، والكتب الكبيرة فى أهم آداب العالم ، وهكذا حتى لم يعد الأدب ملك الأمة التى أنتجته ، بل أصبح ملكا مشاعا لكل أمة يقظة تستثمره ، وتستغله ، وأصبح شأن الآداب شأن البريد، وغلات العالم ، والمستكشفات الطبية والعلمية ليست ملكا لأحد ،حتى ولا مخترعها . بل هى ملك لك أحد شاءها واستطاع الاستفادة منها ([1]) .
أولا: جذور التلاقى بين أدبنا العربى القديم والآداب الأخرى :
وحينما نتأمل الجو الفكرى والأدبى فى عصر ازدهار الحضارة العربية نرى هذا التلاحم الثقافى بين آداب الأمم التى فتحها الإسلام .
· وكان الوزراء والكتاب أكثر الناس ثقافة فارسية عربية ، وكان أطباء القصور النساطرة أكثرهم ثقافة يونانية عربية ، وكان المتكلمون ـ على ما يظهرـ أكثرهم ثقافة من كل نوع .
وقدم المتكلمون للأدباء والشعراء معانى لم تكن معروفة من قبل كما قدموا لهم تعبيرات لم تكن معروفة أيضا . وهذا من آثار التلاحم الثقافى والالتقاء التاريخى بينهم .
ومن ذلك قول أبى نواس :
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها
اثنان لا فصل للمعقول بينهما

 
خلقا وخلقا كما قد الشراكان
معناهما واحد والعدة اثنان

وقول أبى تمام :
جهمية الأوصاف الا أنهم

 
قد لقبوها جوهر الأشياء

وقول ابن الرومى :
ما عذر معتزلى موسـر منعــت
                                كفـاء معتزليــا مثلــه صفـــدا
أيزعم القدر ـ المحتوم ـ يبسطه
                               أن قال ذاك فقد حل الذى عقــدا ([2])
·       والأمثلة الشعرية السابقة كانت ثمرة من ثمار تأثر الفكر العربى بالفلسفة اليونانية.
· والتلاقى بين الأدب الفارسى والأدب العربى كان عن طريق الفرس المتعربين وهم ما نسميهم فى ميدان الأدب المقارن "الوسطاء" فهم : مزجوا ما نشأوا عليه من أدب فارسى بما تعلموا من أدب عربى ، مزجوا القصة الفارسية بالقصة العربية كما فى ألف ليلة وليلة ، وغيره ومزجوا الحكم الفارسية والتشبيهات الفارسية بالحكم والتشبيهات العربية .
وكان كسرى أنوشروان مشتهرا بالنرجس ، وكان يقول :
هو ياقوت أصفر بين در أبيض . على زمرد أخضر . فيقول الشاعر العربى.
وياقوته صفراء فى رأس درة
كأن بقايا الطل فى جنباتها

 
مركبة فى قائم من زبرجد
بقية دمع فوق خد مورد

· ويضع الفرس الأساطير فينحو العرب نحوهم . فقول العرب فى العنقاء يشبه قول الفرس فى "سيمرغ" وكلاهما مخلوق خيالى توهمه الشعراء والأدباء.
ومن أساطير الفرس أن مسكن " السيمرغ " على الشجرة التى تلقى كل البذور وهى فى المحيط الواسع على مقربة من شجرة الخلد تجتمع عليها البذور التى أنتجتها النباتات كلها طوال السنة .
ولا تزال تنتقل الأسطورة بين العرب ، حتى يدخلها الفيروزابادى فى القاموس المحيط فيقول : والجزائر الخالدات . ويقال لها جزائر السعادة ست جزائر فى البحر المحيط من جهة المغرب ، منها يبتدئ المنجمون بأخذ أطوال البلاد ، تنبت فيها كل فاكهة شرقية وغربية وريحان وورد . وكل حب من غير أن يغرس أو يزرع ([3] . )
· ومنذ القرن الثانى الهجرى " الثامن الميلادى " ترجمت إلى العربية كتب كثيرة من التاريخ الإيرانى ، أثرت أيما تأثير فى جنس التاريخ الأدبى عند العرب ([4] . )
وقد أثر الأدب العربى فى الأدب الفارسى ، وخير مثل تطبيقى لذلك الشاعر " أبو جعفر الرودكى فقد نظم على الأوزان والقوافى العربية مع التوسع فى الزحافات والعلل ، وادخال الرديف فى القافية ، ونظم كتاب كليلة ودمنة فى القافية المزدوجة التى يسميها الفرس المثنوى وقد سبق إلى نظم هذا الكتاب فى اللغة العربية ، واستوحى التاريخ الفارسى والتاريخ العربى فى الموضوع والتصوير" ([5] . )
وفى مقامات " حميد الدين الفارسية " للقاضى حميد الدين البلخى " عمر بن محمود " تأثر بنهج " بديع الزمان الهمذانى " و " القاسم بن على محمد بن عثمان" الملقب بالحريرى " فى المقامات التى قاما بتأليفها : وقد اعترف البلخى فى مقدمة مقاماته الفارسية بهذا التأثر " .
" على الرغم من أن مقاماته تختلف عن المقامات العربية من وجوه : فشخصية المؤلف تحتل المكانة الأولى المباشرة فيها ، فليس فيها راو معين . وإنما يروى المؤلف أحداثه عن كثير من أصدقائه ، لا يذكر أسماءهم ، ثم أنه ليس فى مقاماته بطل تتعدد مواقفه فى مختلف المقامات كما فى مقامات الحريرى وبديع الزمان " ([6] . )
واتصل العرب بالهنود وكان لهذا الاتصال آثار قيمة فيما يخص الأدب والمقارنة بين الآداب والوقوف على أهم مظاهر التأثير والتأثر فيما بينها .
وأهم ما استفاد الأدب العربى من الهند أمورا ثلاثة :
1ـ ألفاظ هندية عربت . وقد كان ذلك أيام كان العرب يتاجرون مع الهند ، وينقلون سلعا هندية ويحملون مع هذه السلع أسماءها ، وقد حكى السيوطى ألفاظا هندية عربت ووردت فى القرآن الكريم ، مثل : زنجبيل وكافور ـ ومما ورد فى اللغة العربية من الألفاظ الهندية ، الآبنوس والببغاء والخيزران والفلفل وغير ذلك من أسماء النباتات والحيوانات الهندية ، ويضاف إلى ذلك آراء فى الأدب والبلاغة نقلت إلينا عنهم .
2ـ القصص الهندى : وقد أولع العرب به . وكتاب " كليلة ودمنة " أصله هندى ونقل إلى الفارسية ثم نقل من الفارسية إلى العربية ، وقصة السندباد هندية الأصل نقلت إلى العربية كما أن فى كتاب " ألف ليلة وليلة " قصصا دل البحث العلمى على أن أصلها هندى .
3ـ الحكم .. وهو نوع يتفق والذوق العربى فهو أشبه شئ بالأمثال العربية، والجمل القصيرة ذوات المعانى الغزيرة التى أولع بها العرب.
يقول ابن قتيبة : قرأت فى كتاب من كتب الهند " شر المال ما لا ينفق منه ، وشر الإخوان الخاذل ، وشر السلطان من خافه البرئ ، وشر البلاد ما ليس فيها خصب ولا أمن " ([7] . )
 
وقد تأثر الأدب العربى بالنوع الثالث أكثر من النوعين السابقين حيث لم تظهر فى الأدب العربى ملاحم تشبه الملاحم الهندية مثل ملحمة "ماها بهاراتا" وهى ملحمة شعرية طويلة يمتزج فيها التاريخ بالأساطير . ويرجح مؤرخو الأدب الهندى أن تكون هذه الملحمة من نتاج عدة شعراء ، وبلغ من ضخامتها أنها لو وضعت الالياذة والأوديسيا والانيادة ، والفردوس المفقود إلى جانبها لما بلغت من الطول ما بلغته قصيدة "ماها بهاراتا " ، ولكن الرأى الشعبى لا يرضيه إلا أن تكون هذه الملحمة الوطنية لشاعر واحد ، فينسبها إلى "فياسا" .
· ولم نر ملحمة مثل ملحمة " رامايانا " وهى تروى مغامرات راما " وشاعرها هو "فالميكى" والحب هو الموضوع الرئيسى فى هذه الملحمة ، وقد ظلت معينا لا ينضب للمسرح مدى ألف عام أو يزيد .
والقصص الدينى الهندى يختلف مع لب العقيدة الإسلامية فلذلك نراه ظل بعيدا عن الأدب العربى .. إلى أن تأثر المتصوفة المسلمون بهذه الأفكار فنادوا بوحدة الوجود والاتحاد والحلول . وتناسخ الأرواح . ويتجلى هذا الأثر فى أدب "الحلاج" الذى قال موضحا نظريته فى الاتحاد والحلول .
مزجت روحك فى روحى كما
فاذا مسك شئ مسنى

 
تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا أنت أنا فى كل حال
([8])

ويقول ابن القارض :
فكلى لكلى طالب متوجه

 
وبعضى لبعْضي جاذب بالأعنة

ويقول :
وشفع وجودى فى شهودى ظل فى ………
                                 ……… اتحادى وترا فى تيقظ غفوتى
واسراء سرى عن خصوصى حقيقــة
                                 إلى كسيرى فــى علـوم الشريعـة
ولم أله باللاهوت عن حكــم مظهـرى
                                ولم أنس بالناســوت مظهر حكمتى([9])
وأثر هذه الثقافات يتضح فى كتاب " البيان والتبيين " للجاحظ . ومن ذلك رأيه فى البلاغة حيث يقول : أخبرنى أبو الزبير كاتب محمد بن حسان ، وحدثنى محمد بن أبان : قالا
قيل للفارسى : ما البلاغة ؟ قال : معرفة الفصل من الوصل .
وقيل لليونانى : ما البلاغة ؟قال : حسن الاقتضاب عند البداهة ، والغزارة يوم الاطالة .
وقيل للهندى : ما البلاغة ؟ قال : وضوح الدلالة ، وانتهاز الفرصة ، وحسن الاشارة ([10] . )
ويقول الجاحظ مقارنا بين العرب وغيرهم فى الآداب والخطب0
وجملة القول أنا لا نعرف الخطب إلا للعرب والفرس .
وأما الهند فإنما لهم معان مدونة ، وكتب مجلدة ، لا تضاف إلى رجل معروف ، ولا إلى عالم موصوف ، وإنما هى كتب متوارثة وآداب على وجه الدهر سائرة مذكورة .
ولليونانيين فلسفة وصناعة ومنطق ، وكان صاحب المنطق نفسه بكئ اللسان، غير موصوف بالبيان ، مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ، ومعانيه ، وبخصائصه وهم يزعمون أن جالينوس كان أنطق الناس ، ولم يذكروه بالخطابة ولا بهذا الجنس من البلاغة .
وفى الفرس خطباء ، إلا أن كل كلام للفرس ، وكل معنى للعجم ، فإنما هو عن طول فكرة ، وعن اجتهاد وخلوة ، وعن مشاورة ومعاونة ، وعن طول التفكر ، ودراسة الكتب ، وحكاية الثانى علم الأول ، وزيادة الثالث فى علم الثانى ، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم .
وكل شئ للعرب فإنما هو بديهة وارتجال ، وكأنه الهام ([11] . )
· والأدب المقارن فى صورته النهائية التى أعطتنا أبعاده العلمية وظواهره وخصائصه وموضوعاته جاء وليد جهود الأدباء الأوروبيين.
· ولكن تشييدهم لهذا العلم قام على جحود النشاط الأدبى والفكرى الذى ماجت به الأوساط الأدبية والفكرية فى أوج الحضارة العربية والإسلامية .
 
 ثانيا : مظاهر التأثر والتأثير :
(1) التأثير الشخصى :
حيث يتأثر أديب ما بالحياة الشخصية لأحد الأدباء الكبار ، ويحذو حذوه ، ويتخذ من سلوكياته نموذجا لحياته ، أو أن تحتل شخصية أدبية مكانة مرموقة فى عصرها فيتأثر بها الأدباء ، وذلك كتأثير "جان جاك روسو" بشخصيته التى اتسمت بالمهابة والوقار فى الآداب الأوروبية ، والعقاد فى منهجة النقدى ، وفى منهج حياته المتسم بالصرامة والعنف والعزوف عن الزواج يشبه منهج "هازلت" الناقد الإنجليزى ، فقد كان "هازلت " عنيفا فى نقده لأكثر ما يكتب معاصروه وقد قال عن نفسه " أنا لا شئ إذا لم أكن نقاده " وكان يقول ما فى نفسه بصراحة تامة ، ولم يكن يستطيع الكتابة من غير صراحة ، وكان يصور معاصريه كما يراهم ، ويجعل من أخطائهم وهفواتهم جزءا مهما فى الصورة ، لايجابى ولا يجامل ، ولا يتأول أو يقبل معذرة ([12] . )
· وقد تأثر " جبران خليل جبران " بالشاعر الإنجليزى " وليم بلايك " وأعجبه من حياته هدوؤه العائلى ، ومشاركة زوجته له فى التأملات الفنية ، ومعاونتها له فى فنه بقدر استطاعتها ، وقد ظهر هذا الأثر فى كتابات جبران وفى أخيلته التى تجول فيما وراء الحس وتجسم المعنويات .
· وتأثير " العقاد وطه حسين والرافعى وأمين الخولى " فيمن أتى بعدهم من الأجيال أمر واضح ملموس حتى كاد أن يكون لكل منهم مدرسة مستقلة به فكرا وأسلوبا ومنهجا ، بل وسلوكا شخصيا .
(ب) التأثير الفنى :
وأوضح مثل لذلك تأثير القصص التى كانت ذائعة فى العالم الإسلامى ، وتتخذ من الرحلات وعجائب المخلوقات مادة لها فى الآداب الأوروبية ، وقد أقبلت أوروبا على هذا اللون من الأدب .
إذ كانت تجاربها فى الرحلات والأسفار قليلة ، فاستهواها هذا الأدب، وقد ساعد على نقل هذه الأقاصيص التجارة وجنود الحروب الصليبية([13] . )
· ويدخل فى نطاق التأثير الفنى تأثير فن المقامات العربية فى الأدب الأسبانى ، وتأثير قصة ألف ليلة وليلة والسندباد فى الآداب الأوروبية ، وتأثير قصص كليلة ودمنة فى "لافونتين " الفرنسى . حيث اقتبس منها كثيرا من أساطيره ، وكذلك تأثير مسرحيات شكسبير فى أصحاب المذهب الرومانتيكى من الفرنسيين .
(جـ) التأثير الفكرى :
ومن ذلك تأثير الأفكار الروحية الشرقية فى "جوته" الألمانى ، وتأثير الأفكار الإسلامية فى أدبه . وذلك بعد اطلاعه عليها ومعرفة قيمتها فى تجميل الحياة واسعادها ، وكذلك تأثير أفكار " فولتير " فى الآداب الأوروبية0
وفى أدبنا المعاصر يبدو التأثير الفكرى والفنى واضحا فى أدب نجيب محفوظ . حيث تأثر " ببلزاك واميل زولا " فى كتابه "قصة الأجيال المتعاقبة" حيث كتب نجيب قصة " خان الخليلى ، وزقاق المدق ، ثم بين القصرين ، وقصر الشوق ، والسكرية ، وهذه القصص الثلاث تصور نماذج بشرية عاصرت أخطر فترة فى تطور حياة مصر فى العصر الحديث ما بين عام 1917م ، وعام 1944م ، وكذلك " محمد فريد أبو حديد " يبدو تأثيره بالنزعة القومية العاطفية والوطنية التى سادت فى أوروبا .. فى نتاجه القصصى مثل قصة " زنوبيا" وقصة " المهلهل" وقصة "سنوحى"، والتأثر بالاتجاهات الواقعية والفلسفية للقصص العالمية يبدو فى كثير من النتاج القصصى ومن ذلك قصة "أنا الشعب " لمحمد فريد أبو حديد ، وقصة " عودة الروح " لتوفيق الحكيم ، وقصة "الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوى ([14] وفى الشعر وبخاصة فى جيل الشعراء الذى أتى بعد شوقى وزملائه نجد تأثير مدرسة "النبوءة والمجاز " واضحا فى شعراء مدرسة الديوان . وشعراء مدرسة أبولو ، ومن رواد هذه المدرسة " جون ستيوارت مل " وشيلى ، وبيرون ء وورد زورث ، وقد خلفت هذه المدرسة مدرسة قريبة منها تجمع بين الواقعية والمجازية وكان لها تأثيرها أيضا فى الشعراء الذين أتو بعد شوقى . ومن رواد هذه المدرسة امرسون ، وإدجار ألان بو ، وويتمان ، وهاردى " ([15] . ))
(د) التأثير فى الموضوعات :
كتأثير الشعر العربى الغنائى فى المدح فى الأدب الفارسى ، ومثل تأثير الأدب الأندلسى فى الأدب الأسبانى فى موضوعات الشعر الشعبى ، ومثل تأثير الأدب الأسبانى فى الأدب الفرنسى فى القرن السابع عشر ، وموضوع "كليوباترا" وتناول الأدباء لهذه الشخصية كان ترجمة لظاهرة التلاقى بين الآداب، وقد أراد "شوقى" أن يصور "كليوباترا" تصويرا ينقذها من صورتها فى الآداب الأوروبية . فقدمها مخلصة لوطنها . تحيا وتموت لمجد مصر . وتأبى أن تسام الذل ([16] . )
ثالثا : عوامل التلاقى بين الآداب وثمارها الحضارية واللغوية:
· وظواهر التأثير المتعددة : الشخصية والفكرية والفنية والموضوعية تدفع بها إلى الوجود الفعال فى التلاقى ما بين الآداب عدة عوامل : منها ما يعد ظواهر عامة .. ومنها ما يعد ظواهر فنية تمثل ثمرة هذا العناق الحميم بين الآداب المتعددة .
·       فأما العوامل التى تعد ظواهر عامة تساعد فى التقريب ما بين الآداب فهى عديدة ومنها :


(1 ) التطلع إلى ارتياد الآفاق الأدبية الجديدة :
فالتطلع إلى التجديد ، والنزوع إلى الرقى فطرة إنسانية خالصة ، وكسر حلقة الجمود بالدعوة إلى الاستفادة من نفائس الأمم الأخرى ، وبخاصة فى مجال الآداب الجديدة . وقد حدث هذا النزع إلى التجديد فى العصر العباسى ، حيث تبادلت الأمة العربية مع الأمم المجاورة لها التأثير والتأثر .
· ومن الطبيعى أن ينشأ صراع رهيب بين المحافظين والمجددين، أو أنصار القديم وأنصار الجديد ، وكل يدلى بحجته ، والغلبة تكون دائما لأنصار الجديد الذين تتسم دعوتهم بالحفاظ على استقلال شخصيتهم الأدبية ، أما إذا كانت دعوتهم مشوبة بالتطرف والمغالاة فالفشل مصيرها لأنها بعدت عن الأصالة التى يتطلبها كل عمل أدبى .
·وفى العصر الحديث رأينا الأمة العربية والإسلامية تشعر بحاجتها إلى تجديد ثقافتها ، وذلك بمزجها بعناصر الثقافة الأوروبية ، وقوبلت هذه الدعوة التغريبية بهجوم عنيف من أنصار القديم بما زاد من تطرف المجددين ومغالاتهم فى دعوتهم ، حتى أن بعضهم جذبه بريق الآداب الأوروبية ، وتصور أن الأدب العربى فقد أصالته بجوارها ، ودعا إلى هجر تقليد الأدب العربى . والاتجاه إلى الأدب الأوروبى .
· وكان فى مقدمة أنصار التجديد د/ طه حسين . الذى فتن بالأدب الفرنسى وبالثقافة اليونانية وكذلك كان لطفى السيد ، وجورجى زيدان ، وسلامة موسى ، من أنصار النزعة التغريبية ، وبالرغم من تطرف دعوات التجديد فان واجبنا القومى يحثنا على النفتاح على التراث العالمى ، وعدم الانفصال عن تراثنا بحيث نجمع بين الأصالة والمعاصرة فى مسيرتنا الأدبية ، فالأديب العربى لا تكتمل رؤيته ، ولا تنضج موهبته إلا بعد الإطلاع على التراث الإنسانى والإلمام بالثقافات القديمة والحديثة ، والتعرف على النبض الحقيقى لفنون الآداب الأجنبية ، والوقوف على سر تميز الأعمال الرائدة فى العالم من شعر وقصة ومسرح .
· والتأثر بهذه الآداب لا يكون عن طريق محاكاتها فى غير وعى أو بارادة فنية مسلوبة ، وإنما يكون بتمثل الخصائص التى تميز كل أمة عن غيرها ، وتصبغ الوجدان والفكر بالصبغة التى لا تختلط بغيرها ، ولا تذوب فيما سواها .. ومن هنا يكون التأثير ايجابيا ، أما التقليد الأعمى ، والمحاكاة الآلية للثقافة الأجنبية . فلا يجنى الأديب من ذلك سوى التبعية المطلقة ، وفقدان معالم الشخصية المستقلة ، وهذه قمة التأثير السلبى([17] . )
(ب) الشعور بالاغتراب الزمانى والمكانى ...
وهذا الشعور ينمى فى نفس الأديب النزوع إلى الهجرة .. وهى عامل فعال فى التلاقى بين الآداب . وتبادل التأثير والتأثر . وهى فى صورتها المادية تنشأ عن الكوارث الطبيعية أو سوء الأحوال الاقتصادية أو الاضطرابات السياسية.
· وفى أدبنا العربى الحديث " كانت تجربة المهجر الأمريكى مجالا خصبا للشعراء الذين هاجروا من سوريا ولبنان إلى أمريكا هربا من سوء الأحوال الاقتصادية ، وطلبا للكسب المادى ، وأملا فى الحرية التى يعبرون فى ظلالها عن مبادئهم ، واستطاعوا أن يضيفوا إلى مضامين الشعر العربى وأشكاله الفنية مضامين جديدة وأشكالا متطورة، وموسيقى آسرة " ([18]0)
فأدب المهجر أسمى نوع لأدب الغربة " فالنائى عن الوطن ... النازح الدار ... البعيد المزار ، يحمل على كاهله هموما أثقل على نفسه من الجبال ، انه متعلق بكل ذرة ضوء فى وطنه ، ومن هذه النافذة يخرج ضوء الإبداع ، وتنطلق شرارة الفن ، فإذا بأصداء الحنين موجات موسيقية تهز الرواسى ، وإذا بهذه الموسيقى تصبح ـ حين تقام الحواجز بين الإنسان وبين رغباته ـ رعدا يزلزل كيان المعوقين، وانفجارا يلتهم الأخضر واليابس ، فأدب الغربة حنين فضجيج فرعد فانفجار ، ورواد النهضة الشعرية مثل البارودى وأحمد شوقى وغيرهما كان ابداعهم فى غربتهم على مستوى عال من الجودة الفنية، وما زال بيت شوقى يدوى صداه فى زوايا الكون .
ويا وطنى لقيتك بعد يأس

 
كأنى قد لقيت بك الشبابا([19])

· والرومانتيكيون فى نزعتهم وتشوقهم إلى عالم أفضل شعروا بالاغتراب المكانى ، وأصبح هذا الشعور صورة من صور الخيال التى يعبر بها الرومانتيكى عن ضيقه بالواقع الذى يعايشه حيث يشعر بحاجته إلى الفرار من بيئته ، ويختار لنفسه بيئة أخرى يحيا فيها بروحه ، وهو فى هجرته إلى البيئة المثالية الجديدة لا يتحرى الواقع ولكن تصنعها أحلامه ، وربما تكون هذه الهجرة عقلية بدافع من احساسه بالغربة الفكرية والثقافية ، أو تكون هجرة فنية ، حيث ينعم بالمشاهد الأخاذة والمناظر الفاتنة، يقول "جيراردى نرفال" " لكل فنان وطن مثالى غالبا ما يكون بعيدا عن وطنه الأصلى ترتاح إليه موهبته الفنية " .
· ويمثل الحنين إلى الشرق صورة من صور الاغتراب المكانى عند الرومانتيكين ، فقد فتنوا بطبيعة الشرق الجميلة ومناظره العجيبة ، وشمسه الوضاءة المشرقة ، وبعضهم كان يتحسر إذا لم تتح له الفرصة لزيارة الشرق مثل "فلوبير" الذى كان يقول " ربما لا أرى أبدا الصين ، ولا أنام أبدا على ظهر الجمال فى خطوها المنتظم ، ولا أرى فى الغابة عيون النمر تلتمع ـ جاثيا ـ بين فروع الخيزران " .
· وقد رأى " فكتور هوجو" أن الشرق عالم ساحر مشرق . فهو جنة الدنيا ، وهو الربيع الدائم مغمورا بوروده ، وهو الجنة الضاحكة، ويمتاز الشرق عنده بأن الله وهب

الكاتب: الدكتور صابر عبد الدايم يونس

تاريخ الإضافة: 2008/7/23 - تحميل:



مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2018، المجلس العالمي للغة العربية.