إصداراتنا > أبحاث


اللغة العربية وألفاظ الحضارة الحديثة

اللغة العربية وألفاظ الحضارة الحديثة

 

اللغة العربية وألفاظ الحضارة الحديثة
أهي مشكلة لغوية أم مشكلة لغوية اجتماعية؟
 
 
                                                                     أ/ الطاهر ميلة
                                                                     كلية الآداب واللغات
                                                                     جامعة الجزائر
 
تمهيد:
   من المسلم به أن الحضارة العربية الإسلامية غرفت الشيء الكثير من ينابيع الحضارات القديمة، كاليونانية والهندية والفارسية... وقد تم ذلك عن طريق الترجمة والتجارة والهجرة من وإلى البلدان العربية والإسلامية وغيرها، وقد أدى ذلك إلى دخول أعداد كبيرة من المفاهيم العلمية والحضارية إلى اللغة العربية، كما أفادت هي بدورها بعد ذلك الحضارة الأوروبية في بدايتها على وجه الخصوص، وتجسد ذلك في دخول مئات الألفاظ العلمية والحضارية العربية إلى عدد من اللغات الأوروبية الحديثة، كما تشهد على ذلك معاجمها اللغوية وموسوعاتها العلمية.
    لم تحدث مشكلة لغوية آنذاك -فيما أعلم- لا عند العرب في نقلهم للحضارات القديمة، ولا عند الأوروبيين عندما نقلوا إلى لغاتهم ما أنتجته الحضارة العربية الإسلامية. ويبدو أن السبب في ذلك يعود في الدرجة الأولى إلى عدم وجود منافسة آنية بين تلك الحضارات، وإلى قلة الاختراعات والاكتشافات، مما جعل كل حضارة تتحكم في نقل ما وضع قبلها، وأتاح لها ذلك من الوقت ما كان كافيا لفهمها وهضمها، ثم الإبداع فيها، وهذا ما ينطبق على الحضارة العربية الإسلامية.
   كما أن العلماء، نتيجة لذلك، كان لهم الوقت الكافي لتكييف المصطلحات والألفاظ التي أخذوها من اللغات الأخرى مع القواعد الخاصة بلغاتهم صوتا وصرفا، أو تعويضها بمقابلات من هذه الأخيرة بعد ذلك.
   ومن هذا المنظور يتضح لنا أن اللغات الحضارية الكبيرة في القديم، في احتكاكها بالحضارات واللغات الأخرى، استفادت منها وأفادتها، ولعل أكبر فائدة هي استمرار أداء تلك اللغات بصفتها قنوات للتواصل الحضاري عبر حقب زمنية معينة. أما الحضارات واللغات التي لم تتمكن من الاحتكاك بغيرها فغالبا ما كان مصيرها الجمود أو الزوال، وهذا يعني أنه لا توجد لغة علمية كاملة ونهائية في أي فرع من فروع المعرفة وعبر عصور متتالية، إن لم تتزود هذه اللغة باستمرار بالألفاظ الحضارية والتعابير العلمية والفنية من وتيرة الإنتاج العلمي السائد في عصرها أو في العصور التي سبقتها، سواء عن طريق الترجمة أم غيرها من الوسائل، حتى وإن كانت منتجة لهذه المعرفة. فالمشكلة ليست في اللغة كنظام وبنى بقدر ما هي في وضع الناطقين بها وفي مدى رعايتهم أو صيانتهم لها باستمرار، لأن الاحتكاك وحده بين اللغات قد يعود بضرر إن لم تكن هذه الرعاية.
   ولو نظرنا إلى الحضارة الغربية الحديثة، نجد أنها تميزت عن الحضارات القديمة بتعدد العلوم والفنون والتقنيات التي ظهرت فيها، وبسرعة الاكتشافات والاختراعات، لاستفادتها من كل الحضارات التي سبقتها، مما جعل كثيرا من اللغات غير الأوروبية في عصرنا هذا تجد صعوبات في نقل ما خلفته وتخلفه هذه الحضارة من نتاج علمي وتقني وفني. وانجرت عن ذلك أيضا مشاكل لغوية، لم يعرفها العلماء واللغويون في العصور القديمة بهذه الحدة على الأقل، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
 
1- بداية الاهتمام بألفاظ الحضارة الحديثة في اللغة العربية
       أثرت الحضارة الغربية الحديثة تأثيرا كبيرا في العالم، ومنه العالم العربي، إذ بدأت تنتقل مفاهيمها العلمية والفكرية والثقافية، وكذلك منتجاتها الصناعية إلى أقطاره، ومنه إلى اللغة العربية منذ بداية احتكاك العرب بالحضارة الحديثة، أي منذ أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وكان أداء العربية في ذلك الوقت ضعيفا جدا، نتيجة عزلته عن العالم الخارجي وجمود فكري دام بضعة قرون.
       أدركت النخبة العربية آنذاك – وخاصة في الشام ومصر- أن هناك هوة كبيرة بين العالم العربي وبين أوروبا ([1])، وأن هناك أوضاعا سياسية واجتماعية وثقافية لابد من إصلاحها للنهوض به، ومن بينها ضرورة العمل على تحسين أداء اللغة العربية، لتتمكن من التعبير عن الحقائق الجديدة، لأن حالها آنذاك كان يتسم بقلة الألفاظ العربية الفصيحة للتعبير عن هذه الحقائق الجديدة والركاكة في الأسلوب وطغيان العامية فيما يكتب في مسائل الشؤون العامة ([2]) لذلك انكب اللغويون والأدباء على دراسة هذه المسالة من جميع جوانبها – كما بدت لهم في ذلك الوقت - إذ حددوا طبيعة المشكلة اللغوية، وهي قلة الكلمات الفصيحة للتعبير عن الحقائق الجديدة من جهة، ودخول المفاهيم الحضارية بألفاظها الأجنبية في الاستعمال اليومي من جهة أخرى، وبينوا ما يمكن أن ينتج عنها من ضرر على اللغة العربية والصعوبات التي كان يجدها الأدباء والكتاب في التعبير عما كان متداولا في عصرهم من مفاهيم علمية ومنتجات تقنية وصناعية.
       وقد قال في ذلك الشيخ إبراهيم اليازجي: "فإذا لم نبادر إلى سن طريق، يمكن بها وضع ألفاظ لهذه المستحدثات، أو سبك ألفاظها في قالب عربي لا تشوه به هيئة اللغة، لم نلبث أن نرى الأقلام قد تقيدت عن الكتابة في هذه الأمور، وأصبح أكثر اللغة أعجميا"([3]).
     ثم إن رواد النهضة العربية الحديثة لم يقفوا عند المعاينة والتشخيص لحال اللغة العربية، بل نادوا بوضع خطة، كما ظهر ذلك من قول اليازجي، تمكنهم من التغلب على هذه المشكلات. وشملت هذه الخطة حركة توليد ألفاظ فصيحة، والدعوة إلى الاتفاق على طرق هذا التوليد، وكذلك السعي إلى إصلاح المعجم([4])، باعتباره وسيلة، تسهل عملية البحث عن المقابلات الفصيحة، كما نادوا بإنشاء مجمع، يرعى هذه الأعمال وينسق جهود القائمين بها.
       بدأت خطة الإصلاح اللغوي هذه تتجسد في القرن التاسع عشر شيئا فشيئا بتوليد ألاف الألفاظ الحضارية والمصطلحات العلمية، وبمحاولات كثيرة لتحديث المعجم  العربي، كما أنشئ مجمع غير رسمي، مجمع البكري الذي بدأ يدرس عددا من الألفاظ العربية الصالحة للتعبير عما كان متداولا من ألفاظ أجنبية.
       استمر هذا النشاط خلال القرن العشرين وتكثف، وخاصة في حركة توليد المصطلحات العلمية، وإنشاء المجامع والمؤسسات اللغوية الأخرى، القطرية والعربية المشتركة وتأليف المعاجم والموسوعات العلمية، كما صاحبت هذا النشاط حركة تعريب العلوم في المؤسسات التعليمية وفي المصالح الحكومية.
       أثمرت هذه الجهود الفردية والجماعية نتائج حسنة لصالح العربية الفصحى، إذ أثري معجمها اللغوي والمختص وصقلت أساليب التعبير بها، وأصبحت وسيلة مرنة لتدريس كثير من العلوم باللغة العربية في التعليم العام وبعض فروع التعليم العالي، وبفضل هذه الجهود وإرثها القديم خطت العربية خطوات كبيرة في التكيف مع مستجدات العصر الحديث، مقارنة بوضعها قبل القرن التاسع عشر، بدليل أن  ما يستعمل اليوم من ألفاظ الحضارة الحديثة، وهي فصيحة وموحدة على الأقل في اللغة المكتوبة بدأ يدخل في منطوق المثقفين في أحاديثهم اليومية.
 
2- جهود خاصة بألفاظ الحضارة الحديثة:
       إن ما ذكرناه سابقا من جهود، باختصار شديد، الغرض منها جعل العربية تساير مقتضيات العصر الحديث، فضلا عن المحافظة على سلامة بنهاها وأساليب استعمالها، وشملت هذه الجهود جميع جوانب اللغة العربية التي هي في حاجة إلى إصلاح([5]).
       قد يكون مفيدا قبل الحديث، بشيء من التفصيل، عما أنجز حول ألفاظ الحضارة، تعريف اللفظ الحضاري الذي يقصد به ما: " ... يشيع على أوسع نطاق في محيط الجمهور العام، لتسمية أسباب الحياة في البيت والسوق، فهو قاسم مشترك أعظم في كل فروع المعرفة والثقافة والصناعة والتجارة والعلوم البحتة والعلوم الاجتماعية والإنسانية والفنون والآداب، ذلك أن طعام الجمهور في التعبير عن حياته وبيئته وعلاقته بما حوله وبمن حوله يستمد عناصره من كل علم وفن ومعرفة."([6])
       أما البحوث والمقالات التي تناولت موضوع ألفاظ الحضارة فتعرضت إليها من خلال العلاقة بين الفصحى والعامية وأثرها على اللغة التي تكتب بها بعض الفنون الأدبية مثل القصة والمسرح، ولاسيما فيما يتصل بالحوار.
       شملت هذه الجهود الخاصة بألفاظ الحضارة، زيادة على ذلك، عملية التوليد التي لم تتوقف منذ بداية القرن 19، بل تكثفت في القرن العشرين، جوانب مختلفة من أهمها تخصيص هيئة مجمعية خاصة بها، لأهميتها، إذ كون مجمع اللغة العربية بالقاهرة لجنة ألفاظ الحضارة، وقام أعضاء هذه اللجنة بجمع المفاهيم الحضارية المتداولة بكثرة في البيئة العربية، ولاسيما المصرية منها، وهي غالبا ما تكون باللغات الأجنبية، وبحثوا عن المقابلات العربية الفصيحة التي يمكن أن تعوضها، بعد مناقشة كل واحد منها من حيث المبنى والمعنى، وكذلك إعداد معاجم خاصة بهذا النوع من الكلمات، مثل معجم الحضارة لمحمود تيمور ومعجم ألفاظ الحضارة والفنون لمجمع اللغة العربية بالقاهرة وغيرها من المعاجم التي ظهرت بعد ذلك، ولاسيما تلك التي تصور العربية الحديثة أو المعاصرة[7].
       كما اهتم اللغويون بأساليب نشر هذه الألفاظ وقدمت مقترحات كثيرة، منه نشر قوائم منها في الصحف ومطالبة وسائل الإعلام باستعمال ما تضعه المجامع اللغوية، وهناك من الأدباء من جعل أدبه وسيلة لنشر ما اقترحه مجمع اللغة العربية في القاهرة كمحمود تيمور مثلا في أعماله القصصية والمسرحية.
        وما يجب الإشارة إليه هو أن هذه الجهود، وخاصة جهود المجامع اللغوية وجهود بعض الأفراد مثل محمود تيمور([8])، رغم أهميتها، لم تجد الصدى المرجو عند المستعملين، وإن كان هذا الصدى جزئيا عند بعض الأدباء ورجال الإعلام والمترجمين، وشبه منعدم تقريبا عند العامة من الناس في حياتهم اليومية، وهو حكم تشير إليه معظم الآراء وتؤكده بعض الدراسات الميدانية[9].  
       فعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت لتحديث أداء العربية بقيت مشكلة المصطلحات وألفاظ الحضارة مطروحة إلى اليوم بعد قرنين من العمل الدؤوب، مع شيء من الاختلاف في طبيعة المشكلة اللغوية، إذ كان يشتكي رواد النهضة من قلة المقابلات العربية للمفاهيم الحضارية، كما أشرنا إلى ذلك، أما المشكلات اللغوية المطروحة بعد منتصف القرن العشرين، فهي قلة التنسيق وعدم القدرة على نشر ما يضعه العلماء والأدباء على المستعملين في كل أنحاء العالم العربي. وظهر ذلك جليا في بقاء كثير من المقابلات العربية التي وضعتها المجامع اللغوية وبعض الأفراد في بطون المعاجم والكتب، وتستعمل بدلها كلمات دخيلة كثيرة في لغة العامة وحتى الخاصة.
 
3- المشكلات التي تطرحها ألفاظ الحضارة الحديثة:
       تكمن المشكلة  اللغوية المطروحة، زيادة على ما سبق، في حجم المفاهيم الحضارة الحديثة التي دخلت وتدخل في اللغة العامية بألفاظها الأجنبية، وعدم القدرة على التحكم في سبل الانتقال إليها، إذ لا نكاد نتفق على تسميات لأشياء حضارية وضعت منذ عقود إلا وخرجت عشرات المفاهيم الأخرى، مثل مصطلحات الحاسوب والانترنيت والهاتف النقال، وما سوى ذلك... فكل مجال من هذه المجالات، على سبيل المثال لا الحصر، يكون معجما خاصا به، وكل هذه المجالات لها انتشار واسع لدى معظم الشرائح الاجتماعية التي تستعملها، ليس في بعض المناسبات الرسمية أو المقامات الخاصة، بل تتداولها الألسنة بكثرة في كل الأوقات وبتواتر عال، وهو الأمر الذي قد يؤثر في بنية اللغة العامية نفسها.
   فلو كان عدد هذه الكلمات الدخيلة أو الأجنبية قليلا، وهي موحدة، لما كان حرج من تبنيها، كما فعل أسلافنا بالنسبة إلى ما كان يأتيهم من الحضارات الأخرى، غير أن حال الحضارة الحديثة غير ذلك، كما أشرنا إلى ذلك في مقدمة هذا البحث.
       قد يقول البعض منا أيضا أن هذه الحالة خاصة بالعاميات، والعاميات عرفت مثل هذه الظاهرة منذ القديم، ولأنها غير منمطة وعفوية، ومعرضة لتأثيرات مختلفة، ليس من السهل السيطرة عليها. وفي مثل هذا الرأي كثير من الصواب، غير أنني اعتقد أنه يعد نوعا من التهرب من مواجهة هذه المشكلة، لأن العامية العربية في القديم، سواء في البصرة أم في الكوفة أم في بغداد مثلا، لم تشهد مثل هذا التأثر وبهذا الحجم من الألفاظ الدخيلة، كما أن العاميات العربية كلها ترجع إلى أصل عربي واحد، كما بين ذلك كثير من الدارسين([10])، وأن بنيتها هي بنية عربية في العموم، وإن تفاوتت اللهجات العامية في درجة فصاحتها([11])، ثم إن الكلمات الأجنبية هذه لا توحدنا، كما يراهن على ذلك البعض الأخر، لأننا نأخذ هذه الألفاظ من لغات مختلفة، وهو ما يمكن أن يعمق الفروق بين العاميات العربية.
       إن كثرة الألفاظ الدخيلة في اللهجات العامية أدى ويؤدي إلى ظهور لغة هجينة، لا هي عربية ولا هي أجنبية، إذ أن هناك ألفاظا وتراكيب وعبارات   أجنبية تستعمل إلى جانب العربية، وهي غير ضرورية لتسمية بعض المفاهيم أو الحقائق، لأن لها مقابلات عربية معروفة منذ أقدم العصور، غير أنها توظف بحكم التقليد أو المباهاة بين الأصدقاء والزملاء في البداية، ثم تصبح عادة لغوية، يصعب التغلب عليها، وهي ظاهرة تعرفها اللغات التي تكون مكانتها ضعيفة، مقارنة باللغات الأخرى التي تنتج المعرفة والفنون بمختف أنواعها، ولاسيما إذا كانت هذه اللغات تستعمل في نفس الرقعة الجغرافية أو مجاورة لها.
      ومثل هذه الوضعية بدأت تتكرس في كلام الناطقين بالعربية أكثر من الفترات السابقة، وخاصة في بعض المدن الكبرى، إذ عرف سكان هذه المدن في الجزائر على سبيل المثال هذه الظاهرة اللغوية في سنوات الاحتلال الفرنسي، بحكم الاختلاط مع المعمرين، ولكنها لم تبلغ المستوى الذي عرفه سكان هذه المدن نفسها في السنوات الأخيرة، وكان يفترض أن يحدث عكس ذلك، لانتشار التعليم باللغة العربية في مختلف مستوياته. 
       دفع هذا السلوك اللغوي الذي بدأ ينتشر في بعض المدن الجزائرية وحتى العربية عددا من المثقفين في الجزائر إلى مناشدة فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة للتدخل، نظرا لخطورة هذا الوضع اللغوي، وقد استجاب لهذا النداء، وظهر ذلك في كثير من تدخلاته وخطبه التي ألقاها في عدة مناسبات، وآخرها كانت بمناسبة إحياء يوم العلم في 16 أفريل 2008.
        والمشكلة تتعقد أكثر عندما نرى أن عددا من الألفاظ الحضارية من الأصل الأجنبي يدخل اللغة المكتوبة من خلال بعض الفنون الأدبية والصحافة ووسائل الإشهار المختلفة. والسبب الذي يدفع الأدباء ورجال الإعلام إلى تبني هذه الألفاظ في كتاباتهم، يرجع إلى الشرعية التي اكتسبتها هذه الألفاظ في العامية، لأنها مكرسة في الاستعمال، ولأن ما يقترح هنا وهناك من المقابلات العربية الفصيحة، غالبا ما يكون غير متداول في المجتمع، ومن يستعمل المقابل الفصيح في المعاملات اليومية، يتعرض للاستغراب، إن لم أقل للسخرية.
       إن الحدود بين اللغة المكتوبة وبين وجهها المنطوق في العصر الحديث غير وضعهما قديما، لانتشار التعليم ووسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، قد يكون هناك اختلاف بينهما حاليا في مستويات التعبير من حيث المتانة والجزالة أو الابتذال، لكن لغة المعاملات اليومية هي أيضا مكتوبة، وهذا واضح من صفحات الإشهار والإعلانات، وما يكتب فوق المحلات التجارية، وفي الرسائل القصيرة عبر الهاتف النقال، والحوارات المختلفة عبر شبكة الاتصالات العالمية وما سوى ذلك... وهذا المستوى المكتوب من العربية، وإن أخذ من اللغة المعيارية بنيته العامة، فهو يأخذ أيضا مما هو مستقر من الألفاظ في العامية، لأن اللغة المكتوبة في عصرنا تهتم أكثر من القرون الماضة–فيما يبدو- بالحياة اليومية، وتؤكد ذلك مضامين الفنون الأدبية مثل القصة والمسرح والصحافة والمسرح...
 
4-أسباب هذه الوضعية
       يحق لنا الآن أن نتساءل عن أسباب بقاء مشكلة ألفاظ الحضارة الحديثة التي لم تجد الحل المرجو، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم؟ والجواب عن ذلك -كما أرى- يكمن في جوانب كثيرة ومتداخلة، منها الحاجة الماسة إلى دخول المفاهيم الحضارية الحديثة إلى اللغة العربية، لأنها ضرورية في حياتنا العلمية والمهنية واليومية، كالمأكل والملبس والمشروبات والنقل ووسائل الاتصال والعمل والتعليم والترفيه... ولو لم يوافق بعض منا على دخول بعض المفاهيم المخالفة لقيمنا الروحية والاجتماعية، وهم على حق.
       إن هذه المفاهيم الحضارية تدخل إلى بيوتنا، رغما عنا، عن طريق وسائل الاتصال الحديثة وملصقات المنتجات الصناعية وغيرها من وسائل الإعلام والاتصال. وعدم القدرة على مواكبة هذه الحركة باللغة الفصحى أو العربية المشتركة على الأقل، جعل هذه المفاهيم تدخل بألفاظها الأجنبية إلى اللغة العربية، دون استئذان من أحد، ودون انتظار ما تقره المجامع اللغوية، أو ما يقترحه الأفراد، وهو ما حدث لمئات المفاهيم، إن لم أقل الآلاف، إذ تنغرس هذه الألفاظ الأجنبية في البداية في لغة التعامل اليومي، أي العامية، ثم تنتقل إلى اللغة المكتوبة عامة، وإلى الفنون الأدبية التي تصور حياة المجتمع في كل أوضاعه، كالقصة والرواية والمسرح، كما أشرت إلى ذلك من قبل، نظرا لعدم قدرة المؤسسات اللغوية على مسايرة سرعة حركة الاكتشافات والاختراعات.
       ويمكن أن يضاف إلى هذه الأسباب سبب آخر، وهو الرأي القائل بترك الاستعمال يغربل ما يقترح من ألفاظ ومصطلحات. ومثل هذا الحل قد لا يفيد، بدليل وجود كثير من المقترحات، كل واحد منها مستعمل في بلد دون بلد آخر، وهذا ما لا يساعد على التوحيد، وبالتالي تنمية لغة مشتركة.
       ونجد إلى جانب ما سبق ذكره من الأسباب عدم العناية بألفاظ الحضارة، بقدر العناية التي أعطيت للمصطلحات العلمية، وهي تستحق ذلك دون شك، لكن يجب ألا تكون هذه العناية على حساب كلمات الحياة العامة، لأهميتها في تكوين عربية منطوقة مشتركة بين جميع الناطقين بها.
       هذا عن الأسباب العامة، أما الأسباب المباشرة فهي كثيرة أيضا، منها بطء حركة التوليد وإقرار ما يولد من قبل المجامع اللغوية. وإذا كان عمل رجال الإعلام والمترجمين يتصف بالسرعة التي تتطلبها مهنتهم، فإن مقترحاتهم، بسبب هذه السرعة نفسها، قد لا تكون دائما محل إجماع، لأنها لا تصل إلى جميع الأقطار العربية بالسرعة المطلوبة وبدون منافسة من مقترحات أخرى، أو لأن هذه المقترحات تفتقد إلى أحد الشروط التي تقتضيها الكلمة العربية من حيث المبنى والمعنى.
       ويمكن التأكد أيضا من عدم التنسيق في معظم المفاهيم الحضارية الحديثة منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم بدءا، مثلا، بالهاتف الثابت الذي أعطيت له عدة مقابلات وكذلك السيارة والحاسوب وهذا الهاتف الذي يحمل الآن في اليد، كل مفهوم من هذه المفاهيم وغيرها أعطيت له عدة مقابلات... نتيجة عدم التنسيق على مستوى العالم العربي. وقد يكون لفظ ما موحدا في البلد الواحد لوجود سلطة واحدة، تفرض في نصوصها وتعليماتها نوعا معينا من الألفاظ دون غيرها، مما هو مستعمل في بلد آخر.
       أما العامل الذي يجعل الألفاظ الحضارية تنتقل إلى بعض الفنون الأدبية ووسائل الإعلام، أو اللغة المكتوبة بصورة عامة، فيمكن رده إلى ما يسميه الأدباء أنفسهم الواقعية، وهي نزعة سادت معظم الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية، والقصد منها، فيما يتصل بموضوعنا، احترام لغة الشخصيات، كما كانت تستعملها في حياتها اليومية، وهذا العامل هو نفسه الذي يذكره رجال الإعلام، لكن بحجة أخرى، وهي أن مهمة الرسالة الإعلامية، تكمن أولا وقبل وكل شيء في وظيفة الإخبار التي لا تكون لها جدوى إن استعملت فيه ألفاظ غير  التي يكثر تداولها في المجتمع، وهذا واضح أشد الوضوح في لغة الإشهار والإعلانات.  
 
   5- بعض المقترحات
       إن موضوع ألفاظ الحضارة الحديثة عامة في حاجة إلى أن يولى له اهتمام خاص وأن يعالج معالجة مناسبة لحجم المشكلات التي يطرحها وللانعكاسات التي تترتب عنها، ويستلزم ذلك في البداية تحديد طبيعة هذه المشكلات.
فالمشكلتان الكبيرتان ليستا الآن في كيفية تسمية هذا المفهوم بقدر ما هي في كيفية الاتفاق على هذه التسمية أو تلك، وفي الأساليب الناجعة لنشر هذا المقابل دون غيره وتقريبه من أي ناطق عربي.
       ثم إن من بين ما تتصف به ألفاظ الحضارة الحديثة هو أن بعضها يزول بسرعة كبيرة من الاستعمال ليعوض بغيرها بعد مدة، سواء لكونها كلمات تجارية، أو لارتباطها بموضة ظرفية، وتوجد إلى جانب هذه الكلمات ألفاظ أخرى تدل على مفاهيم أساسية، مرشحة لأن تستعمل مدة طويلة، ولهذا لابد من الاهتمام بهذه الأخيرة في البحث عن المقابلات العربية لها، وإن صعب الحكم على مفهوم ما أنه أساسي أو غير أساسي في بداية ظهوره، ولكن ما يمكن إدراجه على العموم ضمن المفاهيم الثانوية هي التسميات ذات الطابع التجاري والإشهاري.
إن معالجة مشكلة الألفاظ الحضارية والمصطلحات العلمية يجب ألا تقتصر على نظام اللغة العربية، كما هو حاصل الآن، لأن الدراسات الحديثة أثبتت أن كل لغة يمكن أن تعبر عن أي وضع حضاري مهما كان، وهو ما أكده تاريخ اللغة العربية الطويل الذي بين أن هذه اللغة عبرت بدقة عما كان موجودا في بيئات مختلفة اختلافا كبيرا، كما أنها برهنت عن إمكاناتها المتنوعة للتعبير عن أي مخترع مهما كانت درجة تعقيده.
فالمشكلة إذا ترجع إلى مستعمليها الذين وجدوا صعوبة في كيفية استثمار هذه الإمكانات المختلفة التي توفرها لهم لغتهم، ولذا أقترح أن ينتقل اهتمام الدارسين لكلمات الحياة اليومية والمصطلحات العلمية إلى دراسة الجوانب الاجتماعية والنفسية والسياسية التي تتحكم في نشر مستوى لغوي ما في المجتمع، دون غيره، والمستوى الذي يعنينا هنا هو الفصحى، أو على الأقل العربية المعيارية أو المشتركة.
إن المشكلات  التي تطرحها ألفاظ الحضارة الحديثة والمصطلحات العلمية ساهم في ظهورها التطور العلمي والتكنولوجي المتنوع والسريع، وأعتقد أن بعض الوسائل التكنولوجية التي خلفها هذا التطور، يمكن أن تساعد على إيجاد بعض الحلول المناسبة في خزن الكلمات وتقريبها مثل المراصد اللغوية وشبكة الاتصالات العالمية وغيرها...
الاستعانة بالوسائل والطرق المتبعة في مؤسسات الإشهار والدعاية وما سوى ذلك من الأساليب التي تمكن الكلمة الفصيحة من الانتشار بسرعة، قبل أن ينغرس اللفظ الأجنبي في الاستعمال عند العامة.
وكذلك دراسة تجارب البلدان التي نجحت في إيجاد بدائل من لغاتها لما كان يأتيها من مفاهيم علمية وحضارية من البلدان الأخرى، بغرض الاستفادة من الطرق والأساليب التي اتبعتها في ذلك واستثمارها في توحيد الكلمات العامة والمصطلحات العلمية في اللغة العربية.
 والخلاصة مما عرضته من أفكار وملاحظات حول ألفاظ الحضارة الحديثة الغاية منها هي المحافظة على سلامة اللغة العربية، كنظام لغوي ومحتوي ديني وحضاري، فضلا عن الأهداف العلمية، من أهمها مدى قدرة الإنسان على التحكم في توجيه لغته، ولكن الغاية أيضا هي البحث عن السبل الفعالة لجعل هذه اللغة تتفاعل مع عصرها، لتستمر ويستمر بها التواصل الحضاري، وهذا يعد تحديا من التحديات الكبرى التي يجب على الأمة العربية والإسلامية أن ترفعه.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
المصادر والمراجع
- جر جاك، الترجمة بمصر خلال القرن التاسع عشر، دار المعارف، القاهرة، 1945
- تيمور محمود، مشكلات اللغة العربية، المطبعة النموذجية، مكتبة الآداب، القاهرة، 1956
- تيمور محمود، معجم الحضارة، المطبعة النموذجية، مكتبة الآداب، 1961
- حلمي خليل، المولد في اللغة: دراسة في نمو وتطو اللغة العربية في العصر الحديث،الهيئة المصرية     
العامة للكتاب، فرع الأسكندرية، 1979
- رياض قاسم، اتجاهات البحث اللغوي: لبنان في القرن التاسع عشر، مؤسسة نوفل، 1982،.
- الشدياق ،أحمد فارس ، الجاسوس على القاموس، مطبعة الجوائب، القسطنطينية، 1299 ه
- شرف عبد العزيز، العربية منشورات دار الرفاعي،، 1983
- الصيادين محمد المنجي، التعريب وتنسيقه في الوطن العربين مركز دراسات الوحدة العربية،،ط1،   
بيروتت، 1980
- الطاهر ميلة، الألفاظ الحضارية الحديثة في العربية بين والوضع والاستعمال، أطروحة دكتوراه
الدولة، جامعة الجزائر
-الطهطاوي، رافع رفاعة، تخليص الإبريز في أخبار باريس، تحقيق مهدي علام وآخرون،وزارة الثقافة
والإرشاد القزمي، القاهرة، 1958
-        مجمع اللغة العربية بالقاهرة، معجم ألفاظ الحضارة الحديثة ومصطلحات الفنون، الهيئة العامة لشئون
المطبع الأميرية، القاهرة، 1980
محمد حسن عبد العزيز، الوضع اللغوي في الفصحى المعاصرة، دار الفكر العربي،، ط1، القاهرة،
1992
   - محمد رشاد الحمزاوي، الفصاحة فصاحات، دار الغرب الإسلامي، ط2.
- محمد شوقي أمين، مجموعة البحوث والمحاضرات لعام 1971، لمجمع اللغة العربي بالقاهرة
- محمد شوقي أمين، بواكير الإصلاح اللغوي في العصر الحديث، مجلة مجمع اللغة العربية،
بالقاهرة، الجزء 31، مارس 1973
محمد قاسم، معجم ألفاظ الحضارة، جرس برس، لبنان، 1995
- مدكور إبراهيم، مجمع اللغة العربية في ثلاثين عاما، ط2، 1971
- معن زيادة، مدخل لدراسة مصطلحات عصر النهضة، الفكر العربي، معهد الإنماء العربي، لعدد ،
طرابلس، ليبيا، 1978.
- نهاد الموسى، نهاد، قضية التحول إلى الفصحى في العالم العربي الحديث، دار الفكر للنشر والتوزيع
- اليازجي، إبراهيم، مجلة الضياء، فبراير 1899، أبريل 1900
 


[1] - رياض قاسم، اتجاهات البحث اللغوي: لبنان في القرن التاسع عشر، مؤسسة نوفل، 1982، ص 21.
[2] - الرجع نفسه، ص24
[3] مجلة الضياء، أبريل 1900، ص 459، فما فوق،
[4] - أحمد فارس الشدياق، الجاسوس على القاموس، مطبعة الجوائب، القسطنطينية، 1299 ه، ص3
[5] - يوجد عدد كبير من الدراسات حول هذه الجهود منها: رياض قاسم، اتجاهات البحث اللغوي الحديث وحلمي خليل، المولد في اللغة، وخاصة الجزء الثاني ومحمد المنجي الصيادي، التعريب وتنسيقه في الوطن العربي.
[6] مجموعة البحوث والمحاضرات لعام 1971، لمجمع اللغة العربي بالقاهرة.
[7] - ينظر الطاهر ميلة، الألفاظ الحضارية الحديثة في العربية بين والوضع والاستعمال، أطروحة دكتوراه الدولة، جامعة الجزائر.
[8] - يعد هذا الأديب أعظم مجمعي أعطى هذا النوع من الألفاظ عناية خاصة في الجمع والتوليد والدراسة.
[9] - الطاهر ميلة، الألفاظ الحضارية الحديثة بين الوضع والاستعمال. أطروحة دكتوراه الدولة في اللسانيات التطبيقية، قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة الجزائر.
[10]  - ينظر: - نهاد الموسى، نحو الفصحى
[11] - محمد رشاد الحمزاوي، الفصاحة فصاحات

الكاتب: الدكتور الطاهر ميله

تاريخ الإضافة: 2008/7/23 - تحميل:



مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2018، المجلس العالمي للغة العربية.