إصداراتنا > أبحاث


اللغة وصناعة الهوية

اللغة وصناعة الهوية

 

”اللغة وصناعة الهوية“
د. خالد مسعود العيساوي٭
 
 هوية الهوية:
لعلنا ندرك أن الهوية ذات مظهرين اثنين: أولهما خارجي بسيط، وثانيهما داخلي مركب، فامتلاك معلومات خارجية عن شخص ما أو بلد ما أو شعب ما أو أمة ما، يساهم في رسم ملامح هويته، ونقصد بهذه المعلومات كل ما هو سطحي كالاسم والشكل واللون والموقع والمناخ والعملة، وفي بعض الأحيان، الدين أو العادات والتقاليد... إلخ، كل ذلك يشكل المظهر الخارجي للهوية، أو لنقل يمثل البنية السطحية لها، لكن محاولة استجلاء ما يكمن وراء ذلك كله، بالغوص في أعماق الذات ومقاربة ما يمكن أن يشكل أبعاد رؤيتها للعالم ويرسم لها طرائق التعامل مع هذا العالم، هو ما تستبين به الهوية الداخلية للفرد أو الجماعة، أو ما يمكن أن يسمى البنية العميقة للهوية، وهو الجانب الأكثر تعقيدا في المسألة.
        إن التعامل مع الأفراد والجماعات من خلال ما كوناه عنهم من معلومات تمس المظهر الخارجي لهوياتهم سهل ميسور؛ ذلك أن إدراك جزئيات هذا المظهر لا وعورة فيه ولا خطر من ورائه، أما التعامل مع هؤلاء من خلال إدراكنا لجزئيات المظهر الداخلي لهوياتهم فهو ما يحتاج إلى تأن ودراسة معمقة قد تمتد إلى سنوات طويلة، خاصة إذا ما تعلق الأمر بحياة شعب ما أو أمة ما، ثم إن نتائج هذا النوع من الدراسة محفوفة بالخطر؛ ذلك أن أي قصور في الدراسة من شأنه أن ينعكس على النتائج.
        إذا ما ذهبنا ندرس الهويات من خلال فئات معينة، فسيكون بمقدورنا ــ مثلا ــ أن ندرس هوية الفرد وهوية الجماعة أيا كانت هذه الجماعة، لكننا لن نلتفت كثيرا إلى ما يتعلق بهوية الفرد في هذا المقام إلا بالقدر الذي نراها فيه منخرطة في هوية الجماعة التي هي جزء منها؛ فالهوية الفردية الذاتية ــ في حقيقتها ــ هي فسيفساء مكونة من مجموعة من جزئيات الهوية الجماعية، وإن كانت هذه الأخيرة هي التي تحتويها وتتضمنها.
        الهوية إذا، هي مجموع الخصائص والصفات والمكونات التي تميز شخصا أو مجموعة أشخاص عن غيرهم، وهي بهذا المفهوم جناح يستكين تحته مجموعة من الناس، تجمعهم خصائص معينة وأهداف مشتركة، ويحكمهم ناموس واحد، يدركون قيمة هذا القاسم المشترك بينهم، فهم يعملون على الحفاظ عليه، ويقفون في وجه من يحاول خرقه.
 
 الهوية بين الإفراط والتفريط:
        يقف على ساحة الاختصام فريقان يحاول كل منهما الانتصار لرأيه وتسفيه رأي الآخر، كل ذلك في عالم بات الحوارُ فيه مطلبا أساسيا، والانفتاحُ على الآخر ضرورة ملحة، الفريق الأول ينادي بتقديس الهوية إلى حد الإفراط، فهو يراها الحصن الذي يحتمي به أبناء الأمة ولا يجوز لأحد الاقترابُ منه، بَلْهَ وُلُوجِهِ أو تغييرِ شيء من ملامحه وإن قدمت، والفريق الثاني يرى التمسك بالهوية انشدادا نحو الوراء، وانحسارا على الذات، وانغلاقا عن العالم، وانكماشا داخل عالم الأنا، وكلا الفريقين يقف في منطقة المثالية الميتافيزيقية بعيدا عن الواقع المعيش، ذلك أن كليهما يتجاهل ما يمكن أن يحدث من تنوعات داخل الواحد، وما يمكن أن يجمع بين المتفرقات وإن كثرت.
        إن فريق التفريط في الهوية وفريق الإفراط في التغني بها كل منهما يمارس العنف الفكري في حق الآخر وفي حق من يقف موقفا وسطا بينهما، وكلاهما يمثل غياب الوعي العقلي أو لنقل غياب العقل النقدي، ذلك أن الانحسار وراء أسوار الماضي وتجاهل العالم الخارجي، وعدم الإفادة من هذا العالم، أمر غاية في التردي الفكري، شأنه شأن اللهث وراء الآخر والانسلاخ من الذات من خلال التباهي بالمقدرة على الذوبان في عوالم الغير، والفخر بإجادة لعبة تغيير الجلد متى لزم الأمر.
        إن المناداة بالانخراط في كل ما هو عالمي وتناسي الخصوصيةِ الذاتيةِ من شأنه هو الآخر أن يشكل هوية جديدة لأصحاب هذا الرأي، إنهم بهذه الممارسة العقلية لا يبتعدون عن فكرة الهوية والخصوصية بقدر ما يؤسسون لنوع آخر من الهويات قائم على تفكيك الأصول وطمس الوجدان الجماعي، كما أن تجميد الهوية عند نقطة ما قد يتصادم مع نواميس الطبيعة، تلك النواميس التي تقضي بقدرة الفرد والجماعة على التحول والتطور وامتصاص ما لدى الغير، ما من شأنه أن يكون ملمحا خاصا بهذه الهوية أو تلك مع مرور الزمن، فما من حضارة قامت في التاريخ ــ حسب ما نعلم ــ إلا وقد نهلت من علوم غيرها من الأمم، واستفادت مما قدمته الشعوب والأمم السابقة لها، فالحضارة الإنسانية ــ بهذا المفهوم ــ صرح يسهم في بنائه كل شعب امتلك في عصر ما مقوماتِ الريادة وأسبابَ القيادة، وإن أي محاولة لهدم ما أنجز لإعادة البناء من جديد هي محاولة مجنونة ليس لها أن تمسك براية التقدم.
يقف في منطقة ما في الوسط أناس هم أصحاب هوية مزدوجة، وهم الذين ينخرطون ظاهرا في هوية ما محتفظين في وعيهم الداخلي بملامح هويتهم الأصل، إنهم بمثابة أصحاب التنظيمات السرية الذين يقولون بالتقية، إنهم ــ عادة ــ أقليات تدعي الانخراط في الهوية الجماعية، لكنها تعمل في الظلام لإيجاد فرصة سانحة تقهر فيها هذه الهوية الجماعية السائدة؛ لتفسح المجال أمام هويتها المقهورة بفعل عامل من العوامل، إن هذا النوع من الهويات خطر على كلا الفريقين السابقين، فأصحابها يعملون على طمس الهوية الجماعية السائدة من جهة، ومن جهة أخرى لا يؤمنون بالتعدد، بل تراهم مخلصين فقط لهويتهم ويعملون على إظهارها ليل نهار، وإن كان سبيلَ ذلك سحقُ غيرها من الهويات.
 
 موقع اللغة في فسيفساء الهوية:
        نحاول في هذه الفقرة تحديدا معرفة الدور الذي تقوم به اللغة في تحديد ملامح الهوية الثقافية والفكرية للأفراد والشعوب، إن اللغة ــ في زعمنا ــ تملك من المقومات ما يجعلها موجهة للفكر دافعة له، وليس مجرد أداة للتوصيل والتواصل كما يحلو لكثير من اللغويين أن يقول، إنها في نظرنا تتجاوز كونَها مجردَ مرآة تتراءى فيها ملامحُ ثقافةِ الشعوب والأمم، لتصبح أداة قوية وقادرة على الإسهام إلى حد كبير في تشكيل الفكر والإدراك، ولعل اللغوي بنيامين  لي وورف B. L. Whorf (1897 ـ 1941) قد دافع عن هذا الرأي من خلال نظريته المعروفة (النسبية اللغوية).
        إن الكلام لا يمكن أن ينظر إليه على أنه قدرة كامنة في نفس الإنسان تمكنه من التواصل مع غيره فحسب، فهو ليس مجرد ”ملكة إنسانية مطلقة، وإنما... مسألة مرتبطة بالإطار الثقافي المعين، حيث يشكل الكلام جزءا من الممارسة السلوكية والثقافية لهذا الإطار“[]، والكلام بهذا المفهوم، يصير منتجا ومشكلا لذلك التنوع الثقافي والفكري، ومن ثم مسهما في صناعة الهويات بمختلف مستوياتها من جهة، ودليلا على مقدار نصيب الشعوب الناطقة به من الثقافة والفكر والوعي من جهة أخرى، إن اللغة والفكر يؤثر كل منهما في الآخر بقدر ما يتأثر به، وكل هذا مجتمعا يسهم بشكل فعال في رسم ملامح أي هوية، يقول ماكس ميلر Max Muller (1823 ـ 1900): ليس هناك فكر من دون كلمات، مثلما ليس هناك كلمات من دون فكر إلا بقدر ضئيل[]، إننا في هذا كله ”نصدر عن أطروحة تقول بتعدد الثقافات كواقعة أساسية، وتؤكد على أن كل ثقافة تحمل جنسية اللغة التي تنتجها، وأن نظام المعرفة العام في كل ثقافة لا بد أن يختلف، قليلا أو كثيرا، عن نظام المعرفة في الثقافات الأخرى، وأن للغة دورا أساسيا في هذا الاختلاف[]، ونتيجة القول ــ حسب وورف ــ ”أن اللغة هي التي تشكل نظرية المعرفة، وهي التي تشكل الميتافيزيقا، أو لنقل ــ  بعبارة أخرى ــ إنها هي التي تشكل رؤية العالم“[]، وخلاصة الكلام أيضا حسب هردر Herder (1744 ــ 1803) أن ”اللغة سواء قلنا إنها خلقت دفعة واحدة من قبل الله، أم ذهبنا إلى أنها تكونت تدريجيا بعمل العقل، لا يمكن أن نشك في أنها الآن تخلق العقل، أو على الأقل تؤثر في التفكير تأثيرا عميقا، وتسدده وتوجهه توجيها خاصا“[].
        إن اللغات المعقدة ذات النظم الشائكة المتشابكة تشي بأن أهلها يملكون فكرا عميقا قادرا على التحليل وتصور الدقائق، ذلك أن لغتهم منحتم ــ من خلال ما أمدتهم به من ألفاظ دالة على المعاني العميقة ــ ما يمكنهم من هذا النمط المعقد من التفكير، في حين أن اللغات البدائية ــ إن جاز القول ــ تعكس الحياة البدائية التي يعيشها أصحابها، فأمة لا تتعامل في حياتها مع مفاهيم كالديمقراطية والأنسنة وحق المواطنة ونقد العقل... لا يمكن أن نجد في معجمها ما يدل على هذه المفاهيم، وبالمقابل ليس لنا أن نتصور أن أمة كهذه يمكن لها أن تفكر في هذه الأمور لأن لغتها البسيطة لم تطرح على بساط عقلها كلمات من هذا النوع، يقول هردر: ”إن كل أمة تتكلم كما تفكر، وتفكر كما تتكلم“[]، ويقول جيمس بيرن (1820 ـ 1898) أحد من أفاد منهم وورف في نظريته: هناك ارتباط وثيق بين بنية اللغة والبنية العقلية السائدة في مجتمع ما، كما أنه يوجد نمطان من البنية العقلية: نمط سريع التفكير سريع رد الفعل سريع الاستثارة، ونمط بطئ في كل ذلك لكنه أكثر عمقا، النمط الأول يتوافق واللغات ذات البنية البسيطة والتركيب السهل، والنمط الثاني ينسجم مع اللغات ذات البنى المعقدة المركبة، وإذا تطرف بنا القول فإن النمط الأول يتلاءم واللغات العازلة، في حين يلتقي النمط الثاني مع اللغات ذات الطابع التركيبي الاشتقاقي[].
        وإذا قلنا إن الهوية هي مجموع الخصائص والصفات والمكونات التي تميز شخصا أو مجموعة أشخاص عن غيرهم، فإن هذا يعني أن اللغة داخلة ــ ضرورة وبشكل قوي ومباشر ــ في رسم ملامح الهوية، ولك أن تتصور أن شخصا عربيا يلتقي غيره في بلاد أجنبية، يجاذبه أطراف الحديث، حتى إذا سمعه يتكلم العربية فإن السؤال الذي يحتل مكانه بشكل فجائي في سياق الحديث هو بلا شك: أأنت عربي؟ ذلك أن اللغة وشت بشكل فاضح بهوية صاحبها.
        بعد أن تبوح لك اللغة طوعا بهوية صاحبها، لها أن تقودك بعد وقت قصير إلى رسم خطوط عريضة عن شخصية متكلمها، ولها بعد إعمال النظر وطول الدرس أن تبوح لك بأسرار أهلها، ولنا في العربية خير مثال... إن العربية لغة جمعت من أفواه الأعراب الموغلين في البداوة المنعزلين عن الآخر الذين لم (تفسد ألسنتهم الحضارة!)، فكان عالم هذه اللغة ضيقا، بل كان محدودا بحدود تلك البقعة الصغيرة مكانا وزمنا، إنها الرقعة التي تنتشر فيها قبائل البدو في فترة تمتد فقط إلى ثلاثمائة سنة، ولنا بعد ذلك أن نتصور محدودية تفكير من يتكلم العربية في تلك الفترة وما بعدها، وإن نظرة إلى المعاجم العربية القديمة لتجعلنا نقرر أن العربي كان محدود التفكير منكمش الفكر؛ ذلك أن الانغلاق اللغوي قاده إلى الانغلاق الفكري، فكانت هويته منحسرة وكان أفقه ضيقا بضيق بقعة الاستشهاد اللغوي، يقول الجابري: ”لقد بلغ تقيد واضعي القواميس بعالم الأعرابي أن اعتبروا كل كلمة لا ترجع إلى أصل حسي يدوي كلمة دخيلة، تهمل إذا لم تكن معربة، أو تذكر في الحالة المخالفة، مع التنصيص على أنها من الدخيل“[]، ويقول  في موضع آخر: ”إذا كان السماع من الأعرابي قد رسم حدود العالم الذي تنقله اللغة العربية الفصحى لأهلها، فإن صناعة اللغويين والنحاة قد قولبت بدورها العقل الذي يمارس فعاليته في هذه اللغة وبواسطتها “[]، ويذهب الجابري إلى أبعد من هذا، فالعلوم العربية الإسلامية تشابكت إلى حد بعيد في تكوينها مع عملية التقعيد اللغوي، واستمدت منها منهجها وطرائق تفكيرها، ولقد أسهم ذلك كلُّه في تكوين العقلية العربية الإسلامية، ومن ثم تحديد ملامح هويتها، يقول الجابري: ”إن العلوم العربية الإسلامية على اختلاف أسمائها وتباين أهدافها، تبدو من الناحية الابستيمولوجية كعلم واحد مهمته استثمار النصوص، فسواء تعلق الأمر بالعلوم الدينية كالتفسير والحديث والفقه والكلام، أو بالعلوم اللغوية كالنحو والصرف والبلاغة، فإن مادة البحث هي دوما النص، وإذا تذكرنا أن طبيعة الموضوع في البحث العلمي هي التي تحدد نوعية المنهج، وبالتالي طريقة التفكير... وإذا تذكرنا كذلك أن هذه العلوم كانت أول نشاط علمي مارسه العقل العربي، وأنها ظلت الميدان الرئيس لإنتاج وإعادة إنتاج المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية، أدركنا إلى أي مدى سيكون (العلم العربي) ــ علم استثمار النصوص ــ موجها بل مؤسسا لآليات التفكير وإنتاج المعارف في الذهن العربي، وبالتالي إلى أي مدى سيكون النص، أي اللغة، سلطة مرجعية، لا شعورية ولكن قاهرة، للعقل العربي“[].
        إن طبيعة العربي اليوم لا تزال تأبى عليه الخروج عن النص، ولا تسمح له في كثير من الأحيان بالتفكير خارج حدود هذا النص، وإذا كانت المسألة تتعلق بالنص المقدس فلا أحد  يستنكر ذلك، لكننا ننكر على أولئك الذين أضفوا القداسة على النصوص باختلاف أنواعها حتى ولو كانت غير متوافرة على أقل شروط القداسة، إن هوية العربي اليوم خانعة خاضعة لما يسميه نص القانون أو ما شابه، حيث إنه لا يجرؤ على مناقشة هذا النص وإن كان مخالفا لنواميس العقل بدافع أنه نص فقط، ناسيا أو متناسيا أن هذا النص نتاج بشري ينسحب عليه ما ينسحب على النتاجات البشرية كلها من قصور بفعل طبيعتها البشرية.
        وخلاصة القول: إن الهوية تتحدد ملامحها في كثير من الأحيان بفعل اللغة، وإذا ما ذهبنا إلى أبعد من هذا، فإن اللغة باعتبارها أداة للتواصل وإحدى آليات التفكير، وباعتبارها مقاربةً جريئةً لواقع الشعوب والأمم، وباعتبارها رافدا للفكر، لها موقع جد مهم في خارطة الهوية، إن لم تكن واسطة العقد في هذه الخارطة.
 
 اللغة هوية من لا هوية له:
        تتشكل الهوية القومية من مجموعة أمور لعل من أهمها: اللغةَ والمكانَ والجنسَ والدينَ، وتحتل اللغة في كثير من الأحيان موقع الصدارة، ولنا أن نرى كيف يمكن أن تتضاءل عناصر الهوية الأخرى لتبرز اللغة وبقوة عنصرا أقوى، فالعربي المسلم يحس بقوة الرابطة بينه وبين العربي غير المسلم إذا ما التقيا في بلاد الغربة، في ظرف يبهت فيه عامل الدين والمكان، بل ربما يبهت فيها عامل الجنس إذا ما تصورنا أن الأمر يتعلق بعربي غير مسلم وكردي مسلم يتكلم العربية، أما الإسباني الذي يقطن إقليم الباسك أو إقليم كاتالونيا فإنه يحس بأنه ينتمي إلى جماعة تختلف هويتها عن تلك التي تحيا في مدريد مثلا، مع كون الجميع يعيش في بلد واحد ويدينون بديانة واحدة، لكن عامل اللغة جعل من كل جماعة تنتمي إلى هوية أو قومية مختلفة تفاخر بها أصحاب الهويات والقوميات الأخرى، ”فاللغة هي الأساس في شعور الجماعة بانتماء بعضهم إلى بعض، واشتراكهم في نفس الذكريات، سواء أكانت تاريخية أو ثقافية“[].
        إن الشعوب الأصلية لأميركا اللاتينية انصهرت في بوتقة المستعمر الإسباني لتشكل معه ظفيرة قوية بفعل غلبة لغة المستعمر التي ذابت فيها لغاتهم، ولو أن هذه الشعوب احتفظ بلغاتها الأصلية لاحتفظت معها بشخصيتها ولربما بديانتها، والأمر ذاته حدث مع القبائل الأسترالية الأصلية التي انصهرت لغاتها في اللغة الإنجليزية وهو ما أنتج ضياعا في الهوية وتبعية بلغت بأصحابها رفض فكرة التخلي عن الانطواء تحت راية التاج البريطاني، لقد صار الهندي الأحمر في أميركا اللاتينية بفعل اللغة الإسبانية متأسبنا، كما أصبح الأسترالي الأصيل إنجليزيا في لغته وفكره وثقافته وهويته ودينه أيضا، كل ذلك بفعل اللغة، ”فإذا كان للقومية وجود حقيقي أو مفهوم محدود وجب أن نلتمسه في تلك الرابطة الوثقى التي تؤلف بين أفراد المجتمع، وتوحد بين أفكارهم وأحاسيسهم وعواطفهم، والتي تسمى باللغة أو اللسان[].
        لقد كان بمقدور اللغة في كثير من الأوقات أن تلعب دور المنقذ للشعوب، وأن تكون المظلة التي يجتمع تحتها أفراد أمة ما، يلملمون في ظلها أشتاتهم، ويعيدون بين يديها ترتيب أوراقهم، لقد مزقت الحروب النابليونية ألمانيا في مطلع القرن التاسع عشر، فلم يكن أمام الألمان من يلجأون إليه سوى اللغة، يقول فيلسوفهم فيخته Fichte: ”اللغة والقومية أمران متلازمان ومتعادلان، إن اللغة التي ترافق المرء وتحركه حتى أعمق أغوار تفكيره وإرادته، هي التي تجعل منا نحن الألمان مجتمعا متماسكا يدبره عقل واحد، إن الذين يتكلمون لغة واحدة يؤلفون من أنفسهم كتلة موحدة، ربطت الطبيعة بين أجزائها بروابط متينة، وإن كنا لا نراها، إن الحدود التي تستحق أن تسمى حدودا طبيعية بين الشعوب هي التي ترسمها اللغات[].
        أما الصهاينة من اليهود، فالقصة معهم أكبر وأعمق؛ ذلك أنهم لم يلجأوا إلى اللغة للملمة شتاتهم ورسم هويتهم فقط، فقد كانوا يدركون وبذكاء أهمية اللغة في بناء الهويات وهدمها على حد سواء، بل عمدوا إلى تفكيك أواصر لغة أهل البلاد التي اغتصبوها علاوة على بعث الروح في اللغة العبرية التي رأوا فيها عاملا مهما في خلق قوميتهم وتكوين هويتهم الجديدة، في عالم باتت اللغة فيه هوية من لا هوية له.
        فحين علت الصيحات في أوروبا في القرن الثامن عشر منادية بالقوميات، كان أصحاب هذا الفكر يرون أن أهم روافد القومية تكمن في اللغة والأرض والشعب، وعندما بدأ مفكرو الصهاينة يعملون على خلق قومية لهم، كانوا يضعون نصب أعينهم أنهم جماعات متفرقة لا يمكن لها بهذا الحال أن تسمى شعبا، وكانوا يدركون أن عامل الأرض مفقود عندهم، أما الدين فكان في تلك الفترة خافتا نجمه، باهتا لونه، فلم يكن أمامهم بد من الاحتماء بحصن اللغة، والاستناد إلى ركنها الشديد، فصاروا يعملون ليل نهار على إحياء اللغة العبرية بين الناس، واعتبار الكلام بها واجبا دينيا وقوميا وتاريخيا.
        لقد كان اليهود في أوروبا يستعملون اللغة الييدية أو لغة الييديش (Yiddish) []، يكتبون بها أدبهم ويدونون من خلالها شؤون حياتهم، لكنهم بعد ظهور الأفكار القومية صاروا ينادون باتخاذ لغة أخرى تكون قادرة على لملمة شتاتهم من جهة، وحائزة على احترامهم وتقديسهم من جهة أخرى؛ حتى يتمكنوا من التوحد خلفها والتحصن بحصنها، إن اللغة القادرة على هذا كله في نظرهم هي اللغة اليهودية القديمة، إنها اللغة العبرية التي خاطب بها الرب إبراهيم قائلا: ”لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات“[]، وهي التي خاطب بها الرب موسى، وهي التي رنم بها موسى ومعه بنو إسرائيل ترنيمة البحر[]، إذًا،  هي لغة مقدسة من شأنها أن توحد القوم وأن تبعث فيهم الشعور القومي والديني، وهي علاوة على كل ذلك اللغة التي تربطهم بأزمانهم الغابرة وتعطيهم عمقا تاريخيا ليس لغيرها من اللغات أن توفره، ذلك أن كل ”أمة حية تملك لغة قومية واحدة طيلة أيام وجودها، وأن اليهود شعب حي يمثل ظاهرة تاريخية، وأن العبرية ــ بالتالي ــ ظاهرة تاريخية، لأنها كانت لغة اليهود القومية الموحدة الوحيدة عبر الأجيال، ومن ثم فإنها لا بد أن تكون لغتهم في المستقبل“[].
        إن لغة الييديش التي اتخذها اليهود في أوروبا في زمن من الأزمان قد حان وقت التخلي عنها بعد أن أدت وظيفتها، إنها بمثابة أي لغة تتعلمها جالية ما في بلد ما، لكنها لا يمكن أن تحل محل اللغة القومية الدينية.
لقد حاول بعض أدباء اليهود إقناع الناس بالتخلي عن اللغة العبرية والترويج للغة الييديش باعتبار أن المفكرين والكتاب اليوم ــ أي في القرن السابع عشر والثامن عشر ــ يدونون نتاجاتهم بها، وباعتبار أنها لغة عامة الناس من اليهود أيضا، وإذا ما ”كرس اليهود كل قوتهم لاحترامها والإعلاء من شأنها وزيادة ثروتها الأدبية، فسوف يصلون بمرور الأيام إلى أن يخلقوا منها صندوقا قوميا جديدا يغذيهم بعزة وسخاء، بدلا من العظام اليابسة التي أورثهم إياها العبريون، لكي يلعقوها حتى نهاية الأجيال“[].
        لكن هذه النظرة لاقت استهجانا كبيرا من الكثير من مفكري اليهود الذين كانوا يرون ذلك تخليا عن لغة مقدسة، وعزلا لتاريخ يهودي حافل سُطّرت أمجادُه بالعبرية، بل كانوا يرون أن لغة الييديش وغيرها من اللغات التي يتكلم بها اليهود، إن هي إلا ضرورةٌ آنية أملتها عليهم ظروف الحياة القاسية، وإن إحدى هذه اللغات ليس بمقدورها في يوم من الأيام أن ترث اللغة القومية العبرية.
لقد كان اليهود ينظرون إلى هذه اللغات نظر الغريق إلى القشة، لا يلبث أن يزدري قدرتها على إنقاذه متى ما وجد قارب الأمان، ذلك القارب الذي يعتقدون أن احترامه واجب ديني، وأن التمسك به أمر ملح لخلق قوميتهم الجديدة، لقد كان هؤلاء ــ مع ذلك ــ يرون أن الالتحاف بلحاف لغة أخرى غير العبرية، وجعلها لغة توأما للغة القومية أمر من شأنه أن يسلخهم عن هويتهم وقوميتهم، وأن يجعل منهم جماعة أخرى غير الجماعة العبرية، ”إذ بدون لغة قومية لا يوجد كيان ولا حياة قومية، وهؤلاء الذين سيتركون اللغة العبرية القومية تماما، ولن تكون لهم أي لغة قومية، سوف يذوبون في الشعوب، ولن يبقى لهم ذكر، أما هؤلاء الذين سيتخذون لأنفسهم لغة قومية أخرى غير العبرية ــ ولتكن الييديش مثلا ــ فيمكن أن يعيشوا باعتبارهم تجمعا قوميا له قرابة ما بالأمة العبرية التاريخية، لكنه لن يكون تلك الأمة العبرية التي تعيش حتى الآن“[].
        مقابل هذا، عمد الصهاينة ــ بعد أن بنوا كيانهم في أرض فلسطين ــ إلى طمس اللغة العربية من عقول الناس؛ إيمانا منهم بأثر اللغة البالغ في تجذير مفهوم الهوية في عقول الناس، وبعث الإحساس القومي والديني فيهم، وربطهم بالأرض التي يعيشون عليها، فحاربوا العربية في عقر دارها، لقد فكر اليهود ”بتدريس اللغة العبرية فقط في المدارس العربية من أجل تهويد وعبرنة هذه الأقلية، ولكن المحاولة فشلت، مما دعا بعض المفكرين الصهاينة إلى البحث عن خطط بديلة، وفي 25 أيار 1956 دعا إلياهو أغاسي، من مفكري حزب مباي، في مقال نشره في (دافار) إلى نشوء نتاج ثقافي عربي باللغة العبرية، كما نشأ نتاج عبري باللغة العربية وبعشرات اللغات الأخرى، وبمعنى واضح فقد دعا الشعراء والأدباء العرب إلى الكتابة باللغة العبرية، ولما لم يجد أغاسي تجاوبا مع طموحاته، بل وجد مقاومة لها، طور بعد حين دعوته إلى كتابة عربية بحروف عبرية “[].
         لقد عمد الصهاينة في أرض فلسطين إلى تغيير الأسماء العربية بأسماء عبرية، لطمس الهوية العربية ومحو الشخصية الفلسطينية في بعدها القومي، فغيروا أسماء المدن والقرى والجبال والسهول والوديان، فالقدس صارت أورشليم، ونابلس أصبحت شكيم، وطبرية غدت كنروت، وبيسان صار اسمها بيت شعان أو بيت شان، والخليل جبرون، وجبال الخليل جبال يهودا، وسهل حيفا زيلون، ونهر المقطع نهر قيتشون... والقائمة تطول.
        والعجب أن تجد من بين العرب من يتجاوز حد مهادنة الصهاينة في هذا الأمر ليكون عونا لهم على تنفيذ مخططاتهم، وذلك من خلال المس من كفاءة العربية ومقدرتها وصلاحيتها لهذا العصر، يقول أحدهم: ”إذا كان الإسلام هو الدين العالمي فعلينا أن نحوله إلى لغة عالمية كالإنجليزية؛ حتى لا يكون صعب الفهم، لأن هذه اللغة عالمية بعكس اللغة العربية، فهي لغة بدو رحل جافة“، ويقول آخر: ”يا أيها السادة، لقد جاءنا القرآن بغير لغاتنا الأصل، فنحن وإن كنا نتحدث العربية فجميع الظواهر تشير إلى أننا لسنا عربا من حيث الأصل، لا، بل استعمرنا العرب فاتبعناهم جهلا منا، وإذا أردنا أن نتقدم فلنستبدل القرآن بلغة عالمية، فما تقدمت المسيحية إلا بعد أن نبذت لغتها الأصل... إذًا، لا بد لنا من أن نتكيف مع اللغات العالمية، مسايرين التطورات الحضارية، نابذين اللغة العربية جانبا إذا أردنا التقدم والازدهار في حياتنا، والتحرر من لغة الصحراء الجافة“[21].
        لقد استطاع الصهاينة ــ حتى الآن على الأقل ــ أن يتجمعوا حول اللغة العبرية، بعد أن أدركوا أن اللغة تجمع أبناءها كما الأم الحنون، وأن الابتعاد عن هذه الأم من شأنه أن يفتت الأسرة، ويفرق شملها، ويبعثر أفرادها المنتمين إليها، فعلوا ذلك لأنهم على وعي كامل بمقدرة اللغة على بعث الروح القومية والدينية بين الأفراد المتكلمين بها، ولأنهم يدركون أن اللغة تشكل الجزء الأهم في هوية الأفراد والجماعات على حد سواء.
 
 اللغة العربية بين التفريط ووهم القداسة:
        في الوقت الذي كان الصهاينة يعملون فيه من أجل إحياء لغتهم وغرس حبها في قلوب أبنائها، إيمانا منهم بأنها أحد سبل النجاح الناجعة، كان عدد من العرب يتهمون العربية بأنها لغة بائدة تجاوزها الزمن، وأن التمسك بها هو أحد أسباب تخلف العرب الآن، ومن هنا نادى فريق منهم بضرورة التنحي عنها إلى العاميات، والكتابة بالخط اللاتيني عوضا عن الخط العربي، وهذه قصة باتت معلومة لدى الجميع وما من داع للتعرض لها بالدرس والتحليل.
        لكن الأمر الذي تجدر الإشارة إليه هنا هو أن التخلي عن العربية لحساب العاميات المحلية أو لحساب اللغات الغالبة ليس من شأنه أن يزرع الإقليمية ويطمس الهوية العربية الجماعية فحسب، ولكن من شأنه أيضا أن يجعل الأمة بأكملها تعيش حالة غربة مع ماضيها الفكري العريض، وهذه هي إحدى النتائج الخطيرة الناجمة عن نبذ الفصحى، ونستطيع أن نضيف أمرا آخر، وهو أن ترك العربية واللهث وراء اللغات الأجنبية من شأنه أن يضعف قدرة العربي على الإنتاج العلمي، فلقد أثبتت الدراسات اللغوية الحديثة أن هناك صلة وثيقة بين الالتحاف برداء اللغة الأم، اللغة القومية وبين القدرة على الإنتاج العلمي، ذلك أن العلم يقوى ”خلال انتشاره وتمكنه في النفوس عندما يتحرك في هذه النفوس باللغة التي تألفها... إن توطين العلم هو وحده الذي يستطيع أن يتيح أمام الفرد وأمام الأمة فرصة المشاركة الفعالة في العملية العلمية إنتاجا واستهلاكا... وتلك مرحلة تختلف عن مراحل أخرى في العملية العلمية، كالتي يعيشها العالم العربي الآن، ويمكن أن يكون هدفها في أحسن الأحوال استهلاك العلم أو تعلم مبادئه، لكنها لا يمكن أبدا أن ترقى إلى مرحلة الإنتاج أو المشاركة الفاعلة في غياب الصلة القوية بين اللغة القومية والعلم، أي في غياب الأساس الأول لتوطين المعرفة“[22].
        إن رمي أي لغة بالقصور عن مواكبة العصر هو في حد ذاته قصور في التفكير، فاللغات البشرية كلها قادرة على التعبير عما هو موجود في عالم المحسوسات وعالم المجردات على حد سواء، ولقد أثبت العلم الحديث فساد الرأي القائل بأفضلية لغة على أخرى، كما أن اللغات إنما تتقدم بتقدم أهلها وتتراجع حين يتراجعون، ”فاللغة لا تتطور من تلقاء نفسها ولا تنمو نموا ذاتيا، وإنما تكتسب الحياة والتطور والنماء من خلال تطور ونمو وتجدد أصحابها الذين يتوسلون بها للتعبير عن أفكارهم وخواطرهم ومشاعرهم، وفقا لروحهم وحسب حاجاتهم“[23]، إن اللغة ــ بهذا المنظور ــ ”مادة اجتماعية، بمعنى أنها تخطو وتنمو وتنهض وتتراجع وتتخلف وتندر وفقا للتعامل الإيجابي أو السلبي الذي تلقاه من مجتمعها، فمن جهة تصبح اللغة كائنا حيا نابضا بالحركية والفتوة والتطور إذا ما شرفها أهلها بالاستعمال الكامل لها في كل قطاعات المجتمع، ومن جهة ثانية، تفقد اللغة حياتها العادية وتتقلص حركتها، فتتخلف ويزداد الشعور بغربتها بين أهلها إذا همش استعمالها في مجتمعها“[24].
        على الجانب الآخر هناك قوم من العرب يفرطون في الثناء على لغتهم، ويغالون في مديحها، إنهم يصنعون خطابا مرجعياته عاطفية لا عقلانية، وذلك حين يلبسون لغتهم ثوب القداسة ويظنون أنها تمتاز على غيرها من لغات البشر، والجانب الأخطر عند هؤلاء هو النظر إلى اللغة العربية على أنها لغة مقدسة ومحفوظة من قبل العناية الإلهية؛ استنادا إلى قوله تعالى:     الحجر:9، وهو ما من شأنه أن يجعل من هؤلاء فريقا متقاعسا عن واجبه تجاه لغته، إن الفريقين كليهما مفرّط في حق لغته، فهذا يرى أنها لغة حان وقت تجاوزها لعدم صلاحيتها لهذا الزمن، وذاك يرى أنها لغة ترعاها عين الرب، ومن ثم فإن الخوف عليها والدفاع عنها لا مبرر له؛ إذ للبيت رب يحميه.
        إن المنادة بقدسية اللغة العربية جعل الكثيرين يؤمنون بأنها لغة لا يمكن لها أن تنقرض، بعكس لغات البشر الباقية التي آل بعضها للزوال ومصير بعضها الآخر هو الاندثار، يقول أنور الجندي: ”تأكد أن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي احتفظ بلغته الأصلية وحفظها على قيد الحياة وسيحفظها على مر الدهور، وستموت اللغات الحية المنتشرة اليوم في العالم كما ماتت لغات حية كثيرة في سالف العصور، إلا العربية، فستبقى بمنجاة من الموت، وستبقى حية في كل الأزمان، مخالفة النواميس الطبيعية التي تسري على سائر لغات البشر“[25].
        لقد غفل أصحاب العاطفة الفياضة والعقل المخدر ممن هذه رؤيتهم تجاه اللغة عن حقيقة تاريخية وأخرى علمية، أما التاريخية فتتمثل في موت كثير من اللغات التي نزلت بها بعض الكتب المقدسة وكانت أداة لكثير من الرسل والأنبياء في إيصال رسالتهم للناس، فأين هي لغة آدم؟ وأين هي السريانية التي نزل بها الإنجيل؟ وأين هي اللغة سطرت بها كتب إبراهيم؟ كلها لغات انقرضت، وما العربية منها ببعيد إذا ما تقاعس عنها أهلها، أما الحقيقة العلمية فهي أن الله ­تعالى إنما تعهد بحفظ القرآن لا اللغة، وفرق بين الأمرين، وإذا ما قلنا إن اللغة قد تحفظ بحفظ القرآن، فإنما يحفظ منها الجزء ذو العلاقة بالقرآن ليس إلا، إذ ”ينبغي الانتباه إلى أن ارتباط العربية بالدين، وخاصة بالقرآن الكريم الذي يتعبد المسلمون بتلاوته وحفظه، لا يعني بالضرورة بقاء العربية في الوضع الحضاري الذي يمكن الرضا به، والاطمئنان إليه، فالخوف كل الخوف من أن تصبح العربية لغة عبادة وشعائر فحسب“[26].
        إن انقراض العربية مع وجود القرآن ليس أمرا غريبا؛ ذلك أن التاريخ المعاصر يكشف لنا عن إمكانية حدوث هذا الأمر، فإيران دولة مسلمة اختفت منها اللغة العربية وظل القرآن حيا بين أبنائها، والأمر نفسه حدث في تركيا.
        إن اللغات بإمكانها أن تكون حقا مقدسة، وإنما تكتسب قداستها من أمرين اثنين: الأول قدمها، والثاني نزول الكتب السماوية بها، وهذان الأمران قد تحققا للعربية، ما يعني أنها لغة مقدسة، لكن هذا الأمر لا ينسحب على العربية فقط، بل ينسحب على كثير من اللغات الأخرى التي نراها موغلة في القدم، ونرى أحد الكتب السماوية قد نزل بها، واللغة العبرية أمامنا شاهد على ذلك، ومع ذلك كله نقول إن هذا التقديس يبقى أمرا داخليا يخص أبناء هذه اللغة أو تلك، وليس صفة كونية مصبوغة على اللغة، بمعنى أن أبناء اللغة وحدهم الذين يرون في لغتهم هذه القداسة، كما الأم ترى ابنها الأفضل بين الجميع وإن لم يكن كذلك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا التقديس لا يمكن له أن يكون حصانة وجودية تمنع اللغة من الانقراض، إنه لا يمكن أن يتعدى كونه أمرا معنويا شرفيا يصبغه أهل اللغة على لغتهم ليس إلا، لكنه لن يكون أبدا حاميا لهذه اللغة أو تلك من الانقراض أو التقهقر متى ما توافرت ظروف ذلك.
        إن القداسة التي اكتسبتها كلمات القرآن لم تكتسبها لأنها كلمات عربية، بل لأن الله تعالى جعل منها قالبا لمعاني القرآن ليس إلا، فهي كلمات مقدسة في سياقاتها ودلالاتها القرآنية ليس إلا، أما أنها مقدسة لأنها عربية فقط، فهذا أمر لا يقبله عقل سليم، ولا ينبئ عن حسن تفكير، وإلا فهل يعقل أن نقدس كلمات كتلك التي وصف بها أبو نواس الخمر أو ذكر بها مفاتن النساء أو تغزل بها في الغلمان لمجرد كونها كلمات عربية؟ إن ”علاقة اللغة... بالدين تسير في هذا الإطار، فهي تكتسب شرف أنها الوعاء الذي صبت فيه كلمات الذكر الحكيم، وأن هذا الذكر قد وعد الله بحفظه... وذلك الوعد يهب الناس دائما خيطا من الأمل في وجه العواصف التي تجتاح اللغة، دون أن يعطي اللغة في ذاتها قداسة“[27].
        إننا ــ العربَ ــ بإفراطنا وتفريطنا في العربية لا نخدم لغتنا بقدر ما نمهد الطريق لانحسارها إن لم نقل لانقراضها، فنبذها إلى غيرها ضياع لها، والمبالغة في تمجيدها وعدمُ تطويرها والوقوفُ بها عند حدود الأعرابي الضيقة تجميد لها وعزل عن مواكبة عصرها.
 
 الأمن اللغوي العربي وتفتت الهوية:
        لقد بات واضحا للعيان وجود روابط وشيجة بين لغة أمة ما وهويتها وقوميتها، كما صار أمرُ ارتباط المقدرة على استيعاب العلوم والإسهام في النتاج العلمي بشكل عام باللغة القومية أو ما يعرف باللغة الأم حقيقةً علميةً واضحةً، ومن هنا فإن أي تقصير في شأن اللغة هو تقصير في اللحاق بركب العلم، في وقت بات فيه همنا نحن العرب هو اللحاق لا السبق، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، هو بمثابة فرطٍ لعقد هويتنا العربية التي تلعب اللغة دورا رئيسا في بنائها، وإذا جاز لنا أن نقول إن حصن اللغة هو حصن أمني يضمن لنا وحدتنا ويقوي اعتزازنا بهويتنا ويعزز فينا الشعور القومي، فإنه يجوز لنا القول إن أمننا اللغوي في خطر.

الكاتب: الدكتور خالد عيساوي

تاريخ الإضافة: 2008/7/23 - تحميل:



مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2018، المجلس العالمي للغة العربية.