إصداراتنا > أبحاث


صعود العربية أمام التحديات

صعود العربية أمام التحديات

 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
صمود العربية أمام التحديات
بقلم الدكتور محمود حسني مغالسة
      الجامعة الأردنية
 
لقد كانت اللغة العربية في العصر الجاهلي هادئة مطمئنة مستقرة في أصحابها صوتا وصرفا ونحوا ودلالة، مع فروقات بسيطة من قبيلة إلى قبيلة تؤدي وظيفتها عندهم بيسر وسهولة من غير عناء أو صعوبة، لإنها ورثت هكذا، وسمعت هكذا، وعُبر بها هكذا، ولأن العرب في ذلك العصر كانت حياتهم محدودة فكانت تلبي حاجتهم على القدر الحياتي الذي هم عليه، ولأن اختلاطهم بغيرهم كان اختلاطا خفيفا طفيفا يكاد لا يذكر، لكن الأمر تغير في صدر الاسلام والفتوحات الاسلامية وصار العرب سادة الأمم جميعا، فتململت بالتالي لغتهم، واحتكت بلغات الآخرين المسلمين الذين كانت حضاراتهم عريقة ضاربة في أعماق التاريخ، كالفرس والهنود واليونان، فواجهت اللغة العربية تحدياً صعباً، وصراعاً هو صراع بقاء، ولا بد لها أن تسيطر، لأنها لغة الأمة المسيطرة، بغض النظر عن درجة الحضارة والرقي عند هؤلاء أو هؤلاء.
 
أما الفارسية فنظرا لمجاورة الفرس العرب فقد بدا مظهر التأثر والتأثير واضحاً بينها وبين العربية، حتى أننا نجد أن معظم الكلمات الدخيلة في العربية إنما هي من اللغة الفارسية، الأمر الذي جعل الأزهري يقول: " ومن كلام الفرس ما لا يحصى مما قد أعربته العرب" . ([1]) وكان أثر العربية أكبر في الفارسية فقد بدت الأخيرة بعد الفتح الاسلامي بمظهر تطغى العربية عليه، إذ صارت تكتب بحروف عربية،([2]) ودخلتها عناصر عربية كثيرة فظهرت فيها الصيغة العربية، وما زالت ظاهرة فيها إلى وقتنا هذا بعد أن فشلت المحاولات التي بذلت لإجلاء هذه الصبغة وإزالتها([3]).
 
وبالإجمال فإن تأثير الفريق على العرب ظهر تأثيرا ماديا محسوسا يتضمن الترف والحضارة والنعيم أما تأثير العرب فظهر تأثيرا معنويا يتضمن المعاني الروحية والفضائل والتسامي لأنه " تأثير لغة الوحي وآداب السماء ".([4])
 
" أما اللغة الهندية السنسكريتية فقد عرف العرب قبل الاسلام بلاد الهند التي تتكلم بها" وأحبوها إلى حد أنهم اتخذوا من اسمها اسما لنسائهم وعرفوا عطورها وأحجارها وسيوفها وثمارها" ([5])، ولما جاء الاسلام ازدادت صلة العرب التجارية بالهند كما ازدادت معرفتهم بها، وقد كان لعرب عمان والبحرين والمناطق الساحلية أثر في شن الغارات البحرية عليها في عهد عمر بن الخطاب، وذلك بغية تأسيس دعائم حكمهم، ويرى جرجي زيدان أن العرب اقتبسوا كثيرا من الألفاظ السنسكريتية ممن كان يخالطهم من الهنود في أثناء الاسفار للتجارة أو الحج، ويرجح أن العرب أخذوا عن الهنود كثيرا من المصطلحات التجارية وأسماء السفن وأدواتها وأسماء الحجارة الكريمة والعقاقير والأطياب مما يحمل من بلاد الهند والعرب يعدونها عربية أو يلحقونها بالألفاظ الفارسية تساهلا. ([6])
 
ويرى غيره أن معظم الكلمات التي دخلت العربية من الهندية لم تدخل مباشرة([7])، وإنما دخل أكثرها عن طريق لغات أخرى كان أهمها الفارسية.
 
أما اللغة اليونانية فقد دخلت عشرات الكلمات منها اللغة العربية غير ان معظم الدخيل من هذه اللغة إنما جاء بواسطة الآرامية " في حين وصلت بعض كلماتها العربية عن طريق الهندية أو الفارسية مثل الأنجيل والقلم والدرهم([8]) وقد دخلت في العصر العباسي عشرات من الكلمات اليونانية عن طريق ترجمة الكتب في الطب والفلك والفلسفة مثل كلمة اتلغم، والاسطرلاب والفلسفة أكثر مم اقترضت لأسباب وعوامل تتعلق بجوها الخاص ونسجها الذاتي ومنشئها الأصيل،([9]) وأثبتت في هذا المجال قدرتها على تمثيل الكلام الأجنبي " وإن مقدرة لغة ما على تمثل الكلام الأجنبي تعد مزية وحصيصة " لها إذا هي صاغته على أوزانها ، وأنزلته على احكامها، وجعلته جزءا لا يتجزأ من عناصر التعبير فيها"([10]) وهذا ما استطاعته العربية بكل جدارة.
 
ولعل قدرة العربية الفائقة إنما تظهر في الناحية الصوتية حين وسعت مدرجها الصوتي فأدخلت بين حروفها الهجائية أصواتا تقاربها مخرجا أو صفة إذ عربتهذه الأصوات الدخيلة وحددت لها مواقعها على جهاز النطق فلم تستعص على السنة العامة فضلا على الخاصة، فقطع بذلك الشوط الأول من التعريف ألا وهو تعريب المادة الصوتية وتطويعها لأصوات العربية، ولا ريب في أن هذا الشوط الأول من تعريب الأصوات هو أهم الأشواط، فمن بعده لن يكون عسيرا أن تعرب الكلمات الدالة على مفهوم حضاري معين، ولا سيما إن كانت غير مألوفة للعرب أو غير شائعة بينهم([11]).
 
وجاء بعد التطويع الصوتي إذن نقل الكلمات الأعجمية نفسها إلى العربية، وأكثر ما كان ذلك كما مر الاشارة إليه في اسماء البلدان والنباتات والحيوانات والآلات والأمراض والمآكل، ولعل النقل هذا كان نقلين؛ الأول نقل العلماء الذين واجهوا كتب اليونان فعربوا بعض أسماء النبات والحيوان ، وهذا التعريب أقرب إلى الأصل. والثاني نقل العرب الأميين الذين كان نقلهم متروكا لسليقتهم فالعربي يسمع اسم بلدة فارسية، أو شيئاً يونانياً فينطقه كما يسهل عليه حسبما اتفق له، وقد يسمع عربي آخر في ناحية أخرى اسما آخر فينطقه نطقا ليس على نمط الأول([12]).
 
إن المرونة التامة للعربية المتمثلة في الاشتقاق والمجاز والقلب والابدال هي التي جعلتها تستطيع أن تكون أداة لكل ما نقل من علوم الفرس والهند واليونان وغيرهم، وما كانت لتستطيع ذلك لولا ما بها من حياة ومرونة ورقي([13]) .
 
إذن فقد خرجت العربية من هذا التصادم سليمة قوية واسعة وصارت لغة العلم والفلسفة والحضارة وثقافات الأمم بالإضافة إلى أنها لغة الدين والأدب، وأصمحلت بجانبها كل لغات البلاد المفتوحة بل أن اللغة السريانية اضمحلت وتدهورت، وأصبحت اللغة الفارسية محصورة في التكلم العادي وفي أوساط الديانة المجوسية بينما صارت اللغة العربية هي لغة الفرس العلمية والأدبية فإذا الفوا أو سطروا أو كتبوا فإنما ذلك بها([14]).
 
لكن التحدي الكبير للغة العربية كان زمن الاستبداد التركي حينما وقعت الشعوب العربية تحت هذا الاستبداد القاسي الذي لا يعرف رحمة تُذكر، الاستبداد التركي من حكام الدولة العثمانية وقادتها الذين حاول معظمهم أن يطمس الهوية العربية، وأن يذل العرب ويترك بلادهم ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الأتراك، ولينسوا جذورهم وروحهم، وهذا الظلم الأكبر والأقسى من أخوة مسلمين – ونحن هنا لسنا بصدد التعرض للشعب التركي فقد وقع عليه ظلم وغطرسة كالذي كان يقع على العرب – وقد رأى هؤلاء الحكام والقادة أن أشد وسيلة يضرب بها العرب هي اللغة لأنها هي روح الأمة ورابطة العرق والدين، فقد ذكر الاستاذ سعيد الأفغاني، رحمه الله أن المدارس الحكومية آنذاك في البلاد العربية كانت لغتها التركية، وأكثر معلميها أتراك، ومن كان عربيا منهم ألقى دروسه بالتركية، وتجنب الكلام بالعربية مع من يخاطبهم من العرب ، وقد وضغوا رقباء على الكلام خارج غرف الدرس ليمنعوا أبناء العربية أن يتحاوروا في ما بينهم بالعربية وليضطروا الكلام بالتركية([15])، وقد ذكر الأمير مصطفى الشهابي أنه درس سنة واحدة في مدرسة تجهيز الحكومة العثمانية بدمشق، فكانت جميع الدروس تلقى بالتركية، وكان اللسان العربي يدرس أيضا باللسان التركي، وكان معلم العربية رجلا تركيا يتكلم لغة الضاد بلهجة تركية لا يفرق بين المذكر والمؤنث، ولا يفقه شيئا من أدوات اللغة الا مبادىء من الصرف والنحو مطبوعة في كتاب تركي "([16]) وقد رأى ساطع الحصري أن القدر الضئيل من الصرف والنحو المدرس باللغة التركية لم يوضع لمراعاة الولايات العربية، وإنما هو القدر اللازم لفهم قواعد اللغة التركية وآدابها وإلانشاء فيها، وهو القدر المقرر في مدارس الولايات التركية. ([17])
 
إن تجاهل حكام تركيا لمشاعر العرب والاستهتار بهم وبلغتهم وثقافتهم أدى إلى أن يبذلوا بالشيخ طاهر الجزائري معلما تركيا لتدريس العربية في ثانوية دمشق، وإلى أن يعينوا ارمينيا نصرانيا لتدريس الشريعة الاسلامية بالتركية في اعدادية بيروت، والغريب أن هذا الأرمني جهد في إقناعهم بأن هذا عمل فاضح، فلم يقنعوا وأجبروه على هذا التدريس، أما ما يلقى الطلاب العرب من سوء معاملة معلميهم الأتراك وشتمهم للعرب ولغتهم فحدث ولا حرج([18]).
 
وقد مرت العربية في القرون الأخيرة في العصر التركي بحالة من التردي وكانت أقلام خاصة الناس تكتب في أحيان كثيرة بالعامية متأثرة بالسنة العوام ، حتى وصف أحد الباحثين لغة كتاب مصر في ذلك الوقت بقوله :" فلم ينقض القرن الثامن عشر حتى صارت لغة الكتاب اشبه بلغة العامة لركاكة عباراتها على ما فيها من الألفاظ الأعجمية والعامية"([19])،
 وكان الاتجاه قد بدأ بأن تكون المحاكمات في المحاكم العربية باللغة التركية وإلى أن تكون التركية لغة الرسائل والبرقيات والقوانين، وصارت لغة الدواوين خليطا من اللغتين العربية والتركية ([20])، وكان خط العربية في العراق أسوا كثيرا مما كانت عليه، مصر والشام، إذ يقول موسى الآلوسي واصفا حال العربية قبيل الحرب العالمية الأولى :   ( ولا ريب أن من يمعن النظر في العربية الفصحى قبل الحرب لا يرى لها رسما ولا أثرا إلا بين أناس يعدون على الأصابع، إذ كان لسان التدريب وأغلب الجرائد باللغة التركية"([21]).
 
ومع ذلك فقد قيض الله للغة العربية من حرص عليها وذب عنها من ذلك مدارس الأوقاف الإسلامية التي انتشرت في حلب وحمص وحماة وطرابلس ودمشق والقدس التي أوقفها بعض السلاطين وأهل الخير على طلبة العلم الديني ورصدوا لها العقارات المدارة لينفق من ريعها على المدرسين والطلاب والموظفين، وكان لها الفضل الكبيرفي بقاء العربية إلى هذه الايام مع أنها كانت في غاية الازدهار قبل العهد التركي ثم تراجعت كماً وكيفاً في هذا العهد ولكنها بقيت ملاذا للغة العربية وعلومها([22]).
 
ومن ذلك المدارس الأهلية الخاصة التي أنشئت بدافع الغيرة من بعض الواعين لحسابهم أو لحساب جمعيات خيرية، من تلك المدرسة العثمانية التي أسسها الشيخ محمد كامل القصاب بدمشق، ومدارس جمعية المقاصد الخيرية في ساحل الشام، والكلية الأزهرية في بيروت للشيخ أحمد عباس وغيرها.
 
وأما المدارس الدينية القديمة المنتشرة في القطر الشامي فكانت العربية لغة التدريس في جميع حلقاتها، ولكن العناية فيها كانت مصروفة إلى الناحية النظرية مع أهمال كبير للناحية التطبيقية ومع ذلك فإن هذه المدارس القديمة حالت دون الإجهاز على ما تبقى من اللغة العربية حتى إذ آن أوان النهضة فإن المتنورين من خريجيها الذين طالعوا ما ألف وترجم من أساليب التدريس وبعض مبادىء العلوم الذين عهد إليهم بالتدريس في المدارس الرسمية في الحكم العربي – أخذوا على عاتقهم تنشئة الرعيل الأول من الشباب الذين اندفعوا يثبتون رسالة العربية في الأمة والأجيال الناشئة ([23]) .
 
ولعله من الضروري أن نشير هنا ثانية إلى المدارس الأهلية التي ذكرناها قبل قليل إلا أن هذه المدارس فعلت الخير الكثير، فإن خريجيها أو بعضا منهم ذهبوا فتخصصوا في أوروبا ورجعوا على المبادىء الطيبة المغروسة فيهم من تلك المدارس، فلما وُكل إليهم أو إلى بعضهم التدريس في الجامعة الناشئة أيام الحكم العربي أنفوا كل الأنفة أن يدرسوا إلا بالعربية التي نهضت من تحت الأنقاض، فدأبوا عملا ليل نهار حتى قدموا أحسن الخدمات إلى التعليم العالي، وهو تعريبه على الأسس الراسخة السليمة وكان الشيخ محمد كامل القصاب رحمه الله ومن عاونوه رحمهم الله حريصين على رسالة العربية ينشرونها بمختلف الوسائل، وكان من أحبها إلى الطلاب والشعب معا الخطب والأناشيد والحفلات فعكفوا ينتجون منها كل ما طاب روحا ومعنى وبياناً وكان أكثرها في تعريف الناشىء بأمته ووطنه ولغته وأمجاده واستنهاضه لإحيائها، وكان الاقبال على استظهارها وإنشادها في الأسواق والمجامع مما أولع به الصغار والكبار فبثت الروح المطلوبة وقطفت العربية أطيب الثمار.
 
إذن فعلى الرغم من التدهور والتراجع الحاد زمن الاستبداد بناء على ما وصفت فإن اللعة العربية وكما ذكرت قبل قليل لم يعدم الخلص الذين هبوا يدعون بالمقابل إلى أن تصبح العربية لغة العالم الاسلامي كله، وتنامت هذه الدعوة وتكونت في منتصف القرن التاسع عشر عوامل نهضة لغوية شاملة فبرع كتاب وشعراء وبلغاء وربط المتحمسون للغة العربية الفصحى بينها والحياة والقومية والدين وصوروا اللغة لشدة ارتباطهم بها الأم المربية الحانية، يقول مصطفى الغلاييني " ما العربية إلا أمنا التي غذتنا بلبانها، وأفاضت علينا من جمالها وعبقريتها ، واللغة عنوان القومية، وَعلَم مجد الأمة، ورمز شرفها، وما فرط قوم في لغتهم إلا ضربت عليهم الذلة والمسكنة".
 
وقد بدأت النهضة اللغوية وتمييز العامي من الفصيح، وتأليف المعجمات أول حركات فعلية لمقاومة العامية والمنافحة عن اللغة الأم فكان معجم "المحيط" لبطرس البستاني، ثم "محيط المحيط" سنة 1867، ثم معجم أقرب الموارد للشرتوني عام 1891م.
 
ولعل مقالات ابراهيم اليازجي في سنة 1906م بعنوان " لغة الجرائد" في مجلة الضياء كانت الشرارة التي أطلقت اللغة العربية من عقالها، إذ أنارت الكتاب والغيورين على اللغة فبدأوا يتنافسون على صفحات الجرائد ويتجادلون ويبصِّرون الناس بما هو صائب وما هو خطأ في اللغة المستعملة.
 
وخلاصة ما مضى حول التحدي أمام الاستبداد التركي فإن اللغة العربية بقيت صامدة شامخة في قلوب أهلها وعلى ألسنتهم لارتباطهم بها ارتباطا جذريا وروحيا، وباءت محاولات المستبدين الأتراك بالفشل الذريع..
 
وللأسف الشديد فإن العربية ما كادت تتعافى من محاولات الدولة التركية وتستنشق نسيم الحيوية والانطلاق حتى وقعت في تحد آخر أدهى وأمر وهو مؤامرات الدولة المستعمرة بريطانيا وفرنسا؛ إذ عملت كل واحدة منهما على سياسة واحدة هي القضاءُ على اللغة العربية بتغليب لغة المحتل، وكانت الخطة هي تغليب الانجليزية في مصر والأردن وفلسطين، وتغليب الفرنسية في سوريا ولبنان وتونس والجزائر على برامج التعليم واعتبارها اللغة الأولى التي يتم تعليم كل العلوم بها.
 
وكان المهندس وليم ولكوكس([24]) أول من حمل لواء الدعوة إلى العامية وقد مضى في دعوته فترجم الانجليزية باللغة العامية كما ترجم شكسبير والف كتبا أخرى في العامية ولكنها لم تلق أي قبول مما قضى على فكرته.
 
وجاء ولمور([25]) أحد قضاة محاكم الاستئناف بالقاهرة يدعو إلى استعمال العامية بدلا من الفصحى ودعا إلى ما أسماه لغة القاهرة، ووضع لها قواعد واقترح اتخاذها لغة التعليم والعلم والأدب، كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينية وقال: " لا معنى لأن توجد لغة للكتابة ولغة أخرى للكلام قائلا: إن ذلك حائل كبير دون ترقي الأمة ولو استعملت الأمة لغة واحدة للحديث والكتابة لنهضت نهضة كبرى" وكأن ولمور البريطاني حريص على مستقبل الأمة العربية ومستقبل لغتها.
 
وإنه لمن المؤسف حقا أن ينجر وراء هذه الدعوة الهدامة عرب كثيرون أمثال مارون غصن وأنيس فريحة، وسعيد عقل في بلاد الشام، فقد استعان الأول بالفكر الدارويني ليذهب إلى أن العربية صائرة إلى الزوال شأنها شأن كل الكائنات الحية، ورأى أن عجز العربية عن القيام بمهامها في مواكبة تطور الحياة يوحي باندثارها وبحيوية العامية وأن هذه الأخيرة مؤهلة لأن تكون لغة الحياة([26]).
 
ولعله من المؤسف جدا أن ينجز وراء هذه الدعوة أيضا بعض اعلام العصر الحديث مثل لطفي السيد الذي لقب بأستاذ الجيل وقاسم أمين الذي ارتبط اسمه بتحرير المرأة وهو عمل عظيم وجليل، فكانوا يدعون في مصر إلى تمصير اللغة العربية واقلمتها وتسكين أواخرها وتغيير طريقة كتابتها، فدعى لطفي السيد إلى التمسك بالأتومبيل والبسكليت والجزمة لأنها صارت تجري على اللسان ثم أجمل دعوته فقال: " نريد أن نرفع لغة العامة إلى الاستعمال الكتابي وننزل بالضروري من اللغة المكتوبة إلى ميدان التخاطب والتعامل فلا تكون النتيجة إلا أننا نكتب الكتاب مفهوما، ونتحدث الأحاديث عربية فصيحة ".([27])
وقد يكون هذان الاثنان لطفي السيد وقاسم أمين ذوي نية حسنة فاجتهد اجتهادا إلا أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفهم نية سلامة موسى على أنها من باب الحرص على العربية : هوية الأمة العربية وعنوانها؛ فقد بدا في كتاباته أنه شديد العداوة للفصحى يتكلم عنها داعيا إلى المصرية وكأنه أجنبي أو أشد عداوة، وكان يقول: لست أحمل على الفصحى إلا لسببين : صعوبة تعلمها، وعجزها عن تأدية أغراضنا الأدبية والعلمية؛ أما من حيث الصعوبة فإنه يكفي أن نقول إننا نتعلمها كما نتعلم لغة أجنبية وأن أحسن كتابنا يخطىء فيها ... وأننا مهما توخينا الصحة فإننا لعدم إشرابنا روحها، وبعدنا عن قياسها لا نزال نرتكب الهفوات فيها " ليس هذا فحسب وإنما بالغ في عداوته لها وللعرب الناطقين بها قائلا:" وما يمكن أن يحمل على اللغة الفصحى أيضا أنها تبعثر وطنيتنا المصرية، وتجعلها شائعة في القومية العربية، فالمتعمق في اللغة الفصحى يشرب روح العرب، ويعجب بأبطال بغداد بدلا من أن يشرب الروح المصرية، ويدرس تاريخ مصر، فنظره يتجه أبدا إلى الشرق وثقافته كلها عربية شرقية، ليس من مصلحة الأمة المصرية أن ينزع شبابها نحو الشرق، وأنه لا نفع للشرق أن ينزع إلينا... أرى بعد اختمار الرأي أن نهضتنا لا تقوم إلا باتباع آراء قاسم أمين ولطفي السيد ولكوكس بإتخاذ اللغة المصرية العامية أو بإيجاد ما يشبه التسوية بينها وبين اللغة الفصحى بحيث تتمصر هذه اللغة وتصبغ بالوان بلادنا.
 
فدعا سلامة موسى – من بين ما دعاه – إلى الغاء الألف والنون من المثنى، والواو والنون من جمع المذكر السالم، والغاء جمع التكسير كله والاكتفاء بالألف والتاء لغير المذكر السالم والغاء الاعراب والاكتفاء بتسكين أواخر الكلمات ، واستعمال جميع الألفاظ العامية.
 
لقد نفت سلامة موسى أفكاره في كتابه " البلاغة العصرية واللغة العربية " فدعا إلى لغة جديدة عامية فصيحة ، لأنه يجب ألا يكون للمجتمع لغتان إحداهما كلامية منطوقة وهي العامية، والأخرى فصحى خرساء تبدو كأنها لغة الكهان التي لا تتلى إلا في المعابد ([28]).
 
وقد تصدى لهذه المحاولات مخلصون متحمسون للعربية منهم مصطفى صادق الرافعي من مصر، ومحمد دروزة من فلسطين، ومنهم جرجي زيدان إذ قال في " الهلال" : " إن المسلمين لا يستغنون عن الفصحى لمطالعة القرآن والحديث وسائل كتب الدين، وأن العربية ليست غريبة على إفهام العامة، وأنه لا يجوز قياس العربية على اللاتينية لأن الفرق بين اللاتينية وفروعها أبعد كثيرا من الفرق بين العربية الفصحى وفروعها العامية، وأن الذاهبين إلى أن تتخذ كل أمة عربية لهجتها العامية هم القائلون بإنحلال العالم العربي وتشتيت شمل الناطقين بالعربية، فإن أمم أوروبا لم يهملوا اللغة اللاتينية ويستبدلوها بلغاتهم إلا بعد أن اصبحت كل أمة منهم دولة مستقلة يهمها الانفصال عن جيرانها أكثر مما يهمها الانضمام إليهم لما يقتضيه طلب الاستقلال من المنافسة ([29]).
 
ولقد قال الدكتور عبد الصبور شاهين كلمة صائبة تقول إن جل دعاة العامية هم من غير المتخصصين في الدراسات اللغوية، وقد أدى عدم معرفة هؤلاء بالتدريس اللغوي إلى أن وقعوا في أخطاء ساذجة تدل على الجهل([30]). والمهم هنا القول إن الدعوة إلى العامية على ضررها قد أحدثت إحياء لحركة البحث اللغوي عند الغيورين على العربية .
 
وإذا كان الخلص للغة العربية ينافحون في العصر التركي لتخليص الكتابة من ربقة العامية فقد صار الخلص لها في زمن الاستعمار البريطاني والفرنسي ينافحون من أجل تثبيت الفصحى وترسيخها في عقول الناس، وقد نجحوا في ذلك وفي إحباط الدعوة إلى سيطرة العامية على الفصحى.
 
ولا شك، أن العامية اليوم أرقى منها قبل اربعين سنة مثلا، ويتضاءل الفرق بينها وبين الفصحى وهذا ملموس في ساعتنا هذه وذلك لعوامل حضارية كثيرة كإنتشار الثقافة والعلم. وشمول التدريس مختلف فئات المجتمع ولانتشار وسائل الاعلام المختلفة من جرائد ومجلات وإذاعة وتلفزيون ومسرح ليس هذا فحسب وإنما تقاربت العاميات العربية الممتدة – كما ذكرت – على ساحة الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه بحيث صار من السهل أن يفهم أي مواطن عربي مهما نأت أرضه على أي مواطن عربي آخر أينما كان.
 
أما وقد ثبتت الفصحى ورسخت أما وقد تلاشت الدعوة إلى الكتابة بالعامية واللهجة المحلية فإن دعوتنا المخلصة القائمة اليوم تدعو إلى العمل للتخلص من العامية تماما في لغة الكلام المتداول بين الناس ولن يكون هذا إلا ببرنامج شمولي ممتد ومدروس.
 
وللأسف الشديد أيضا والمرير أنه ما كادت تتلاشى الدعوة إلى العامية واللهجة المحلية حتى خرجت في وقتنا هذا الذي نعيشه دعوات هدامة سيئة النية تنفث السموم من خلالها وتشم رائحة الكراهية والحقد، ولعل ما شجع هذه الدعوات وفتح لها المجال دعوات المخلصين الكثيرين لتسهيل النحو وتيسيره مثل ابراهيم مصطفى([31]) والدكتور شوقي ضيف([32]) والدكتور عبد المتعال الصعيدي([33]) وآخرون الفوا كتبا واقترحوا مقترحات عديدة لتيسير النحو وتسهيله وتخليصه من شوائب كبيرة في رأيهم ليجعلوه سائغا مقبولا ومفهوما من غير عناء ، ومن هذه الدعوات الهدامة كتاب السيد زكريا أوزون " جناية سيبويه "([34]) إذ يرفض أوزون فيه " الرفض التام لما في النحو من أوهام " وهو يريد أن يهدم النحو كله هدم ناقم وحاقد كما يبدو من ثنايا صفحاته ومن عنوانه بعد أن يرفضه رفضا تاما كما يقول ويعنون، وهو يقيم كتابه كله على قناعتين لديه :
الأولى: إن النحو جناية على المتكلمين بالعربية، وعلى أجيال العربية عبر القرون المتعاقبة من سيبويه حتى الآن وما سيبويه وأساتذته وتلاميذه الا جناة حقيقيون أورثوا الاجيال عبئا وعوائق تطورية وحضارية .
 
الثانية: أن النحو وأفكاره وقواعده ما هي إلا اوهام باطلة.
وبناءً على هاتين القناعتين فإنه يرى أنه يتوجب على المتكلمين بالعربية في كل الوطن العربي أن يتركوا قواعد النحو العربي وأن يتركوا الفصحى لأنها صارت شيئا قديما بالياً كبَّلت العقل العربي، وحالت بينه وبين مواكبه الحضارة وعصر الاكتشافات والاختراعات والغريب أنَّ هذا المؤلف ألف كتاب " جناية الشافعي " و " جناية البخاري" .
 
ومع أن هذا الكتاب لا يستحق الرد عليه لفكرته الضالة هذه، ولأن المؤلف يبدو أنه لا يفهم النحو، ولا يعي هذا العلم الشامخ الذي بناه النحاة صرحا محكما إلا أنني كتبت بحثا ألقيته في مؤتمر الخطاب الذي أقامته كلية الآداب في الجامعة الأردنية سنة 2007م.
 
ويعضد أوزون هذا شريف الشوباشي في كتابه " لتحيا اللغة العربية: يسقط سيبويه" وإن كان بأسلوب آخر فيه ذكاء ودهاء لاغباء إذ أن الأول دخل في قضايا نحوية بان أنه لا يفهم شيئا فيها، بينما بقي الثاني على شاطىء البحر يلقي احكاما عامة نظرية؛ من ذلك أن الطلاب وغير المتخصصين يتعذبون وهم يدرسون العربية بسبب تعقيدها فهي اشبه باللوغاريتمات المنغلقة على عقول غير المتخصصين([35]) ومنها أن قواعد اللغة العربية لم تعد تواكب العصر،([36]) ومن ذلك أن كل لغات العالم اتجهت إلى التطور ولكن أهل العربية يرفضون تطوير قواعدها الجامدة منذ 1500 سنة فهي لغة محنطة([37]).
 
ومع أن هذين الكتابين لا يستحقان الرد إلا أنهما يشكلان خطرا عند من لا يعون النحو، ولا يعون قيمة العربية الفصحى:
 إلا أن الخطر الأكبر في رأيي والتحدي الأعظم الذي يواجه العربية اليوم، إنما يأتي من المستوى المتدني جداً لطلبة اللغة العربية الذين سيصبحون اساتذة في القريب المنظور، فهم لا يعون النحو ولا يعرفونه فكيف سيدرسونه إذ كيف أتصور طالبا يتخرج من الجامعة وهو يقول إن " حار" في البيت :
كن للخليل نصيرا جارا أو عدلا               ولا تشح عليه جاد أو بخلا
حال منصوب
ويقول: إن " أجمِعوا أمرَكم وشركاءكم".
أجمعوا فيها فعل ماضٍ.
ويقول: إن " غير" في
" هل يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون".
 
نعت مجرور ، وكأنه سمع هذا الاعراب من جاره سمعا خاطئا ولكنه كيف يذهب إلى " نعب " وإن سمع سمعا خاطئاً.
 
إن اللغة العربية اليوم تواجه التحدي الأكبر، وهو الذي ذكرت حينما تصبح اللغة في أيد جاهلة تماما، ومعلمين ضعاف تماما، لا يقيمون جملة واحدة لا كتابة ولا نطقا ولا اعرابا ولا إملاء، وإنما يعود ذلك إلى أن هؤلاء حينما يتخصصون في اللغة العربية يتخصصون بطريقة خاطئة وأذكر أنني حينما كنت معلما في معهد المعلمين في حوارة اربد ، كان الطلبة يقدمون في المعهد للتخصص فمن كان لا يقبل في تخصص الانجليزي أو غيره يحول إلى العربية ، وكانت هذه الطريقة هي الطريقة نفسها في الجامعة الأردنية حينما كان القبول في الكلية الواحدة إذ أن طلبة كلية الآداب قبل خمس سنوات كانوا يقدمون للتخصص فمن كان لا يقبل في الانجليزي أو الانجليزي الألماني أو الانجليزي الفرنسي يحول إلى اللغة العربية . وأعرف اليوم أن طلبة قسم اللغة العربية – بعد أن صار التخصص يطلب مباشرة – أن معظمهم قد يكون إختياره للغة العربية الاختيار الثالث أو الرابع أو الخامس أو ما بعده فلم يقبل هنا أو هناك وقبل في العربية.
 
وفي آخر هذا البحث أريد أن أقول إنني قد أسفت جدا حينما كنت جالسا مع مجموعة من الزملاء في مكتبي في الجامعة الأردنية ونتحدث عن العربية، وإذا بأحدنا يقول مستهترا بتدريس العربية : نحن ماذا نفعل ندرس الطلاب: فاعل ومفعول به وحال وتمييز ماذا يعني؟ كلام في كلام بينما الطبيب يفعل للناس ويفعل والمهندس يفعل ويفعل ... فقلت له عجبا يا صديقي إننا نفعل أكثر من هؤلاء جميعا لأننا نغذي العقل والفكر ولأننا نحافظ على روح الأمة وكينونتها ووحدتها وبقائها أمام النافثين سموما، والمتآمرين على هويتنا وديننا... ولقد أحسست حينما قال الزميل قوله هذا أننا أمام الخطر الأعظم والتحدي الأكبر لكن هذه الانهزامية التي أحسست بها ستطويها الأيام وتبقى اللغة العربية صامدة كما صمدت أمام التحديات التي ذكرت.
 


مصادر البحث ومراجعه
 
1.          إحياء النحو- ابراهيم مصطفى – مطبعة لجنة التأليف والترجمة – القاهرة 1959م.
2.          تاريخ آداب اللغة العربية – جرجي زيدان- طبعة دار الهلال، ج1 ، ص38،39.
3.          تجديد النحو- د. شوقي ضيف – دار المعارف – القاهرة – 1991م.
4.          التطور النحوي للغة العربية العربية – برجستر اسر – ص212.
5.          البلاغة العصرية واللغة الفصحى – سلامة موسى ، ص 44.
6.          التهذيب: تحقيق علي حسن هلالي – مطبعة الدار المصرية للتأليف والنشر – 1/585.
7.          حوليات اللغة العربية – ساطع الحصري – ج1، ص9.
8.          دراسات في فقه اللغة- د. صبحي الصالح – الطبعة التاسعة – بيروت 1981م.
9.          جناية سيبويه – زكريا أوزون – الطبعة الأولى – 2002م.
10.    علم اللغة العام – د. عبد الصبور شاهين – ص 269.
11.    قاموس الفارسية – د. عبد النعيم محمد حسنين – المقدمة ، ص 12.
12.    القومية الفصحى – د. عمر فروخ ص 123.
13.    لتحيا اللغة العربية – يسقط سيبويه – شريف الشوباشي – الهيئة المصرية العامة للكتاب 2004 م، ص 11 ، 12.
14.    اللغة العربية بين حماتها وخصومها – أنور الجنيدي ، ص 44.
15.    اللغة العربية كائن حي – جرجي زيدان – ص 37 ، 38.
16.    اللغة الفارسية ، نحوها وأدبها وبلاغتها ، د. عفاف السيد زيدان وآخرون ، طبعة الأنجلو المصرية سنة 1398 هـ، ص5.
17.    من حاضر اللغة العربية –سعيد الأفغاني – دار الفكر – الطبعة الثانية ،1971 م، ص23.
18.    مشكلة العربية العصرية – د. مصطفى جواد – ص54، 55.
19.    المعرب والدخيل في اللغة العربية – د. عبد الرحيم عبد السبحان ، ص 45.
20.                      المعرب في القرآن الكريم ، د. محمد السيد علي بلاسي – الطبعة الأولى ، 2001م، ص91.
21.                      النحو الجديد – الدكتور عبد المتعال الصعيدي – دار الفكر العربي – المطبعة النموذجية.
 


([1]التهذيب 1/585 تحقيق على حسن هلالي مطبعة الدار المصرية للتأليف والترجمة.
([2]اللغة الفارسية نحوها وأدبها وبلاغتها – د. عفاف السيد زيدان وآخرون . ص 5 ط الانجلو المصرية سنة 1396هـ.
([3]قاموس الفارسية د. عبد النعيم محمد حسنين – المقدمة – ص 12.
([4]) اللغة الفارسية نحوها وأدابها وبلاغتها د. عفاف السيد زيدان وآخرون – المقدمة. 
([5])  المعرب في القرآن الكريم. د. محمد السيد علي بلاسي – الطبعة الأولى 2001م ،

الكاتب: الدكتور محمود مغالسة

تاريخ الإضافة: 2008/7/23 - تحميل:



مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2018، المجلس العالمي للغة العربية.