إصداراتنا > أبحاث


العربية لغة تعلّم وتعليم

العربية لغة تعلّم وتعليم

 

العربيّــة
لغة
علم وتعلّم وتعليم
 
 
 
 
 
مطالعة في سطور تتناول اللغة العربيّة وقدرتها على تلبية حاجة المتلاغين بها، وتغطية ما يتطلّبه تبنّيها لغةَ علمٍ، وتعلّم وتعليم...
 
 
 
ــــــــــــــــــــــ أسعد نصرالله السكاف ــــــ
العربيّة لغة علمٍ وتعلّمٍ وتعليم.
(الموجز)
 
لا تطرح هذه الدراسة إشكاليّة جديدة، إنّما تطالب وبإلحاح بإعادة النظر، ومن ثمّ بالعمل، في إشكاليّة قديمة جديدة وهي: الزَّعْم بأنَّ اللغة العربيَّة ليست لغة علمٍ إنّما هي لغة أدبٍ وإنشاء. وبالتالي فتعليمنا العلوم الذي بدأناه في العالم العربي باللغات الأجنبيّة مع بَدء النهضة سيبقى بهذه اللّغات إلى ما شاء الله. ولدحض هذه المقولة، تأتي هذه الدراسة لتركّز على النقاط الآتية:
1 - اللّغة نشاط اجتماعيّ حيّ وليست توقيفًا.
2 - العلاقة بين اللغة والفكر علاقة جدليّة؛ اللغة تولّد فكراً والفكر يولّد لغة.
3 – العربيّة ليست بدعاً بين اللغات وقد أثبتت قدرتها على استيعاب ما أنجبه الفكر العالمي قديماً، وعلى تمحيصه وتصحيحه والإضافة إليه، يوم كان الفكر العربي متحفّزاً متوثّباً. وهي بعد قادرة على مثل ذلك وأكثر إذا استعاد الفكر العربي طاقاته الابتكاريّة والإبداعيّة.
4 - تعليم العلوم باللّغة الأم أجدى في الفهم والتفاعل من تعلّمها بغير اللّغة الأم.
5 - الدعوة الجادّة إلى نهوض المجامع اللغويّة العربيّة بهذه المهمّة التربويّة القوميّة الحضاريّة. والحرص على الاستعداد لها استعدادًا كاملاً مجتنبين الارتجال.
والله وليّ التوفيق
أسعد نصرالله السكاف
14/6/2008


العربيّة لغة علمٍ وتعلّمٍ وتعليم.
 
تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:
1 - تظهير العلاقة الجدليّة بين اللّغة والفكر، فكلّ منهما مؤثّر في الآخر ومتأثّر به، ومولّد للآخر ومولود منه في آن.
2 - التأكيد على أن اللغة نشاط فكريّ اجتماعيّ تلبّي حاجة العقل الإنسانيّ، وتبرز نشاطاته في الحقول كافّة، العلميّة والاجتماعيّة والدينيّة... فما من لغة وضعت لتكون لغة علم، وأخرى لغير العلم، وما من لغة إلاّ وهي أداة طيّعة للفكر يصرّفها كيف يشاء...
3 - التأكيد على أنّ العربيّة كغيرها من اللغات، قابلة أن تكون لغة علم وإبداع – وقد أثبتت نجاحها في الماضي – ما دام العقل العربيّ عقلاً عالِمًا ومبدِعًا.
4 - التأكيد على أنّ التعليم باللّغة الأمّ أيسر، وأجدى، وأعلق بالنفس حتّى ولو بلغت مهاراتنا باللغات الأجنبيّة درجة الكمال.
5 - الإقرار بأنّ لا حركة علميّة عربيّة معاصرة ما لم نعلّم العلوم على اختلافها بالعربيّة، وما لم ننتج علمًاً وندوّنه بالعربيّة.
6 - التنبيه إلى اجتناب الارتجال والتسرّع في هذا المجال لئلاً نجهض المحاولة ويوأد المشروع وهو بعد جنين.
 
ولكي نحقّق هذه الأهداف، أو بعضًا منها، في الأقلّ، سنمضي وفاق الخطّة الآتية:
1 - نمهّد بمقدّمة وجيزة؛ تحدّد جنبات الإشكاليّة وهي: تراجع مستوى التحصيل اللّغويّ، وتداني مهارات الإبداع والتواصل باللغة العربيّة عند الناشئة من أبنائنا، وانعكاساته على المستوى الفكريّ والثقافيّ ومن ثمّ الإبداعيّ عند الإنسان العربيّ، نتج عنهما افتقارنا إلى حركة علميّة عربيّة تسهم في هذا التفجّر المعرفيّ التكنولوجيّ الذي يتّسم به العصر، فندخل حلبة الإنتاج والمنتجين رافضين البقاء على رصيف الاستهلاك والمستهلكين.
وتبيّن المقدّمة إلى ذلك، الفرضيّة التي نسعى إلى التثبّت من صحّتها وهي: إنّ التقهقر الفكريّ/الإبداعيّ، وتداني المستوى اللّغويّ في عالمنا العربيّ، مردّهما عَزْلُنا أنفسَنا ولغتَنا العربيّة عن العصر، واحتجازها في سراديب الأمس، بعيدًا عن تحدّيات الحاضر، وتطلّعات الإنسان المعاصر نحو مستقبل أكثر إسعادًا لبني البشر. ولا سبيل إلى الخروج من العزلة التي حكمنا بها على أنفسنا وعلى لغتنا، إلاّ بإعادة اللغة العربيّة إلى العصر. ولن يتمّ ذلك إلاّ بالعودة بها إلى حياض العلم عن طريق اعتمادها لغة علم، وتعلّم، وتعليم...
2 - نعرض موجزين كذلك، الأفكار والآراء مدعّمة بالشواهد والأسانيد نستقيها من واقع الركود والمراوحة اللذين تعيشهما اللغة العربيّة، وانعكاساتهما على الحضارة العربيّة في هذه الحقبة من تاريخنا، مستشرفين في ضوئهما ما يخبّئه لنا المستقبل، ما لم نتدارك الخلل، ونستأصل الداء.
3 - وننتهي إلى الخاتمة التي من طبيعتها أن تكون خلاصة مركّزة لما انتهى إليه العرض والمناقشة، والتي نتوقّع أن تكون إثباتًا لما جاء في الفرضيّة وتأكيدًا عليه.


 
- 1 –
 
إنّها لظاهرة غير مطمئنة، نصادفها جميعًا، ويعاني منها بخاصّة، معلّمو اللغة العربيّة، والأهلون الذين يرافقون أبناءهم في مراحل التعليم ما قبل الجامعيّ، كما يعاني منها التلاميذ أنفسهم، وهي الإقبال على تعلّم العربيّة المشوب بكثير من الوجل والتأفّف كي لا نقول الامتعاض! وانعكاساتها السلبيّة على مستوى التحصيل اللغويّ والعلميّ بشكل عامّ.
وقد حاول العديد من التربويّين والمربّين دراسة هذه الظاهرة، التي لا تبعث على الارتياح، بالوقوف على أسبابها، ومن ثمّ بوضع ما يمكن أن يكون علاجًا لها، بغية الشفاء منها، والتخلّص من انعكاساتها السلبيّة التي أخذت أخطارها تتفاقم، إن على مستوى التحصيل اللغويّ وامتلاك المهارات اللغويّة تواصلاً وإبداعًا، أم على مستوى التحصيل المعرفيّ العامّ، والإنتاج الثقافيّ الحضاريّ في شتّى حقول المعرفة والإبداع.
ومنهم من عاد بها إلى اللغة العربيّة نفسها وإلى طبيعة الحياة التي عاشتها الجماعة العربيّة في بداوتها، وإلى اختلاف المستويات واللهجات فيها([i]).
ومنهم من يعود بها إلى المناهج التعليميّة البعيدة بأهدافها وبمحتواها وبطرائقها عن روح العصر، وعن هموم المتعلّمين وتطلّعاتهم([ii]).
ومنهم من يعود بها إلى الكتاب المدرسيّ غير المشوّق، محتوًى وتأليفًا وإخراجًا، ناهيك بالسماح للقطاع الخاصّ بإصداره، فبات سلعة يطغى عليها الروح التجاريّ لا التربويّ([iii]).
ومنهم من يعود بها إلى معلّم اللغة العربيّة الذي رأوه يفتقر إلى ثلاثة أركان أساسيّة؛ محبّة العربيّة، امتلاك مهاراتها، والإعداد التربويّ على المستوى الجامعيّ إعدادًا مستمرًّا([iv])...
ومنهم من نظر إلى الإشكاليّة بعمق أكثر، فرأى الأسباب في طبيعة النظام السياسيّ الاقتصاديّ الحرّ المهيمن، الذي يروّج لبعض المعارف والعلوم، وهي التي تخدم استراتيجيّاته وتحقّق أهدافه؛ كعلوم الطبيعة، والرياضيّات، فيقبل عليها المتعلّمون طمعًا بالمنْزلة والمكافآت، وَيُخْمل بعض المعارف والموادّ المتعلّمة التي لا تتلاقى مع تلك الاستراتيجيّات، والتي لا دور لها في تحقيق تلك الأهداف، فتهمل ويكون الإقبال على تعلّمها مشوبًا بالكثير من التذمّر والتأفّف كما هي الحال في اللغة العربيّة اليوم، وفي ما تعانيه([v])...
ومع تسليمنا بما في وجهات النظر التي ذكرناها من إصابة، وبما تنطوي عليه تفصيلاتها من دقّة تشخيص، فإنّنا في مطالعتنا هذه وتَوخّيًا للإيجاز، وحصرًا للبحث، سنمضي إلى رأي نراه الأهمّ والأكثر صحّة؛ وهو عزل اللغة العربيّة، وإقصاؤها عن مواكبة العصر، فنفصّل فيه، دون إغفال الآراء التي أوردناها، بل ستكون لنا عودة إلى بعضٍ منها نقتبس وندعّم، وإحالات إلى بعضها الآخر، اجتنابًا للتكرار والترجيع.
 
- 2 -
"سُئل الحكيم الصينيّ "كونفوشيوس": ما أوّلُ عمل تباشره إذا أتيح لك أن تحكم بلدًا من البلدان؟ قال: أصلح لغة القوم! قالوا: وما العلاقة بين إصلاح اللغة والإدارة؟ قال: إذا كانت لغة الناس غير سليمة فإنّ ما يُقال غير الذي يُفهم، وإذا كان ذلك كذلك تبلبلت العقول وفسدت الأحكام، وسادت شريعة الغاب"!
ونحن الراغبين في إصلاح شؤوننا كافّة، ما أحرانا أن نعمل بوحي من مقولة كونفوشيوس، ونبدأ مشروعنا الكبير حيث يجب أن نبدأ، بالإصلاح اللغويّ متّخذينه بابًا إلى كلّ صلاح وإصلاح...
ونشرع بالتقويض، وهو المرحلة الأساسيّة كي نبني إذا ما بنينا على الثابت المكين. وأوّل ما نبدأ به هو دحض المقولة المسيطرة على العقول وقد أوشكت أن تكون عقيدة ثابتة، وهي أن هناك لغاتٍ وجدت أو وضعت لتكون لغات علم، وأخرى من اللغات ما وضعت لتكون لغة علم. وعبثًا نحاول التغيير أو التعديل...
ومثل هذه المقولة باتت مرفوضة، وبات الأخذ بها ضربًا من التعنّت والانغلاق اللذين هما آفة العقل العلميّ القائم على المرونة والمنطق والانفتاح. والذي يؤكّد على بطلان تلك المقولة الأخذ بآراء اللغويّين والإنثروبولوجيّين، وقد انتهوا إلى أنّ اللغة ليست توقيفًا؛ أي لم توضع دفعة واحدة، كاملة مكتملة، في حقبة بعينها لتفي بحاجات شعب بعينه في إطارَي حياته الزمانيّ والمكانيّ، فاستوت معالمها لا يعروها تعديل أو تبديل! إنّما اللغة نشاط اجتماعيّ إنسانيّ حيّ، يتّصف بكلّ ما يتميّز به الأحياء من صفات وقابليّات، في رأسها القدرة على التطوّر والتجدّد ملاءمة لما تمرّ به الأمّة، التي تتلاغى تلك اللغة، من تقلّبات وتطوّرات([vi]).
كما انتهوا إلى إثبات العلاقة الجدليّة القائمة بين الفكر واللغة، وإلى القانون الطبيعيّ الذي يحكم تلك العلاقة؛ فالفكر المولّد المبدع يولّد، في ما يولّد، لغة ناشطة تحفز الإنسان المفطور على الإبداع، وتلبّي حاجاته إلى تسمية الأشياء بما يدلّ على طبيعتها، وجوهر تكوينها، في شتّى المجالات والحقول.
وكذلك اللغة الناشطة الحيّة تولّد فكراً وثّابًا يسعى إلى إشباع فضول الإنسان إلى المعرفة وإلى اكتناه الوجود، وإلى اكتشاف القوانين التي تسيّر الموجودات. ومثل هذه العلاقة الجدليّة تنتفي معها مقولة أنّ اللغة توقيفيّة، وأنّ من اللغات ما هي لغة علم ومنها ما ليست لغة علم([vii]).
واللغة العربيّة ليست بِدْعًا بين اللغات، إنّما يسري عليها ما يسري على سواها من النظريّات والقوانين. فهي لغة علم إذا أوتيت عقلاً عربيًّا يؤمن بالعلم ويسعى إليه، وتكون لغة بعيدة عن العلم ما دام العقل العربيّ راضيًا مسترخيًا، مكتفيًا بقدرته على استهلاك ما يبتكره الآخرون... فالعقم إذًا ليس في اللغة العربيّة، إنّما هو في العقل العربيّ!! فمتى حفّزناه، فبات عقلاً عالِمًا منتجًا غير مستهلك فَحَسب، ولّد لغة عربيّة علميّة ناشطة تلبّي حاجته في شتّى حقول العلوم والمعارف. وتحفيزه هذا لن يكون إلاّ عن طريق اللغة كما سنكتشف بعد قليل.
وممّا هو من التقويض أو شبهه، تعديل المقولة التي بالغ فيها أصحابها فحصروا وظيفة اللغة بجانب واحد فحسب، عندما قالوا بأنّها وسيلة تواصل، ليس أكثر! وغالوا في التركيز على هذا الجانب، حتّى باتت اللغة في رأيهم وكأنْ ليس لها سوى هذه الوظيفة التواصليّة، مهملين غيرها؛ وهي أنّ اللغة مرآة حضارة، ومشعل هداية، ومصدر وجود وعلّة كينونة([viii]). وإنّ الأخذ بالجانب الوظيفيّ التواصليّ وحده عمليّة إخصاء نمارسها على اللغة وقد تنتهي بنا إلى هجرها والالتحاق بسواها، ما دامت التواصليّة محقّقة؛ متناسين أنّنا نحن باللغة وجدنا، وأنّنا خارج اللغة مَحْوٌ وعدم!! "سُبْحَانَهُ إذا قَضَى أَمْرًا فَإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون"  {مريم: 35}. فاللغة علّة خلق وأوّل ما خلق الله سبحانه "الكاف" و"النون"...
فإذا كان دور اللغة محصورًا، كما يزعمون، في تأمين التواصل بين المتلاغين بها... فكلّ لغة في ذلك مثل كلّ لغة! إذا ما قامت كلّ منهما بهذا الدور على وجه التساوي! وإذا بزّت لغةٌ لغةً في هذا المجال، وجب أخذ المتفوّقة وهجر المقصِّرة!! وعليه، فتكون الدعوة إلى ترك العربيّة لغةَ تعليم، وتبنّي سواها دعوة لها ما يسوّغها! ومعاذ الله أن يكون!
وإذا ما اقترنت هذه الأطروحة غير الصحيحة، بذلك الادّعاء الباطل الذي يتّهم العربيّة بأنّها ليست لغة علم، كما ليست لغة تعلّم وتعليم، وتوافر لها من يروّج ويسوّق، قُلْ على العربيّة وعلينا ألف رحمة وألف سلام!...
وهنا ينجم السؤال: هل لنا حيال هذا الذي يواجه العربيّة، من أمل بالعودة بها إلى غابر عزّها؛ لغةً طيّعةً لبّت حاجات بنيها، فازدهرت حضارتهم وبلغت أنوارها مشارق الأرض ومغاربَها، وحملت اللغة العربيّة مشاعل تلك الحضارة زهاء خمسة قرون ويزيد. ولم تقصّر في جانب، ولم تتوانَ؟ فأخذت أوروبا والعالم، فلسفة ابن سينا وابن رشد، والفارابي، كما أخذت رياضيّات الخوارزمي والقلصادي، وبصريّات ابن الهيثم وكيمياء جابر بن حيّان، وطبّ آل بختيشوع، وابن سينا، والرازي، وصيدلة ابن التلميذ، وابن البيطار، وحيل "ميكانيك" ابن شاكر، والرزّاز، وفلك سَنَد بن عليّ، والبتَّاني والبديع الاسطرلابي، والبيروني([ix])... وكلّ ذلك بلغة عربيّة صحيحة استوعبت ما كانت الحضارات الأخرى، كاليونانيّة، والهنديّة، والفارسيّة، وحضارة ما بين النهرين، ومصر القديمة قد توصّلت إليه، ونقّحته وصحّحته وأضافت إليه، ثمّ أوصلته إلى أوروبا فنقلته إلى لغات أخرى فأثمر وأينع. فهل من مجال إلى استرجاع ذلك الدور للّغة العربيّة؟ وهل هي بعد قادرة على النهوض بمثله؟ وكيف السبيل إلى ذلك؟
والإجابة عن هذه التساؤلات بنعم، ليست بالأمر السهل، وهي كذلك ليست بالأمر المستحيل، والسبيل إلى عودة العربيّة لغة علم، هو في إعادتها إلى العصر الذي نحن فيه، بعد أن ساهمنا في إقصائها عنه. أمّا كيف؟ فهاك الجواب:
إقصاء العربيّة بتأثير من النظام السياسيّ / الاقتصاديّ الحرّ، الذي لا يروّج إلاّ لما يخدم مآربه ويحقّق أهدافه، لا نستطيع مواجهته أو الردّ عليه بالشعارات والخطب، إنّما الردّ الأجدى يكون بالعمل على إعادة اللغة العربيّة إلى العصر، بجعلها لغة إنتاج علميّ تسهم عن طريقه في تحقيق أهداف النظام السياسيّ / الاقتصاديّ، فتزيد من الإنتاجيّة، كما تفتح أمامه الأسواق الاستهلاكيّة، وتكسبه القدرة التنافسيّة التي تحميه وتحقّق له قصب السبق([x]). وهذا لن يكون مستطاعًا إلاّ إذا علّمنا العلوم كلّها بالعربيّة، ودوّنّا إنتاجنا العلميّ، متى أنتجنا، بالعربيّة، وقدّمناه إلى مَن يحتاجه بالعربيّة. ومن غير المعقول أن تكون لنا حركة علميّة عربيّة ونحن ندرس العلوم بلغة غير لغتنا الأمّ، ونبدع علمًا بغير لغتنا الأمّ. وقد لا نفتقر إلى الشواهد والأسانيد التي تدعم هذه الأطروحة؛ فروسيّا القيصريّة قبل الثورة البولشفيّة كانت تعلّم العلوم بالفرنسيّة، وظلّت مثلنا عالة على الحركة العلميّة العالميّة، حتّى كانت الثورة. وصدر القرار بتعليم العلوم بالروسيّة وحدها، دون الانقطاع عن متابعة كلّ جديد بالاطّلاع عليه باللغة التي وُضع فيها أو منقولاً إلى اللغة الروسيّة. وكان من نتيجة ذلك أن كانت أوّل مركبة حطّت على سطح القمر من نتاج الحركة العلميّة الروسيّة / السوفياتيّة.
وفي تاريخنا شاهد ثانٍ أَلْمَحْتُ إليه، ولا أكرّر خشية الاتّهام بأنّنا ما زلنا نلوذ بالأمس وبأمجاده كلّما عضّتنا الحاجة أو أدركتنا مرارة الفاقة! إنّما أكتفي بالإشارة إليه شاهدًا على أنّ اللغة العربيّة التي نهضت بذلك الدور الحضاريّ، قادرة على خدمة العلم كما في الأمس، وعلى أن تحمل ثمار العقول المنتجة علمًا إلى العالم كما حملت بالأمس.
والذي أتمنّاه، وأصرّ عليه، هو ألاّ يُفهم من الأطروحة هذه أنّنا ندعو إلى الانقطاع عن العالم وإلى الوقوف في وجه هذا النظام الجديد الذي يجتاحنا كالقدر وهو "العولَمَة". إنّما على العكس من ذلك فإنّ نجاح هذا المشروع، تعليم العلوم بالعربيّة، يتطلّب إقبالاً على تعلّم اللغات الأجنبيّة مضاعفًا نوعًا وكمًّا، لنظلّ على صلة بالعالم ولنظلّ مواكبين الحركة العلميّة العالميّة نأخذ منها ونعطيها، ومراكز الأبحاث العلميّة في العالم نغتذي بثمارها، ونثريها.
ويتطلّب النجاح في هذا المشروع، الاستعداد الكامل، فلا نُقْدم عليه بحماسة واندفاع دون أن نعدّ له "ما استطعنا من قوّة...". ويكون هذا الاستعداد:
أوّلاً: بوضع المناهج التعليميّة وبنائها على أسس تربويّة سليمة مراعين فيها خدمة الإنسان العربيّ ومساعدته على تحقيق هذا الهدف الحضاريّ الكبير... إلى جانب ما للتربية والتعليم من أهداف...
ثانيًا: بتأليف الكتاب المدرسيّ المشوّق الذي تتوافر فيه كلّ العناصر والصفات التي تحبّب القراءة للتلاميذ والطلاّب، كما تسهّل عليهم السبل إلى تحصيل المادّة المتعلَّمة وتَمَثُّلِها، ومن ثمّ دمجها بالمخزون المعرفيّ السابق فتتحوّل إلى عافية فكريّة لدى المتعلّم يتصدّى بها لكلّ ما قد يواجهه من مشكلات.
ثالثاً: بإعداد المعلّمين إعدادًا تربويًّا على المستوى الجامعيّ، بعد التثبّت من توافر مقوّمات عدّة فيهم، أوّلها: الاقتناع بصوابيّة هذا المشروع، وثانيها: إدراك ما للعربيّة من ميزات تمكّنها من النهوض بهذه المهمّة، شرط أن نحسن توظيفها والتعامل معها. وثالثها: القدرة على التكيّف مع متطلّبات التعليم بالعربيّة ومع ما يتطلّبه النجاح فيه من مرونة وخبرة واستعداد.
رابعاً: السير على خطّين:
-      وضع المناهج بالعربيّة في ضوء المناهج التعليميّة العالميّة، وتطبيقها.
-      تشكيل لجنة مهمّتها الاطّلاع الدائم على كلّ جديد في حقل العلوم ومواكبة كلّ الاختراعات والاكتشافات في العالم، وتطوير المناهج التعليميّة العربيّة في ضوئها.
خامساً: التدرّج في التطبيق، والسير المتأنّي فيه، كأن نبدأ بالحلقات الأولى، سنة سنة حتّى نهاية التعليم الجامعيّ، مع إعادة النظر في كلّ خطوة لتحسين الأداء.
سادساً: التأكيد على تعلّم اللغات الأجنبيّة، الإنجليزيّة، الفرنسيّة، لغتين إلزاميّتين، والبدء بتعليمهما في مرحلة رياض الأطفال، من غير أن نخاف تأثيرًا سلبيًّا على تعلّم العربيّة؛ فالمهارات اللغويّة تترافد، ولا تستطيع لغة أخرى أن تنافس اللُّغَةَ الأُمَّ، وبخاصّة إذا كانت في الوقت نفسه لُغَةَ الأُمِّ. فلا خشية إذًا من أن نبدأ تعليم أطفالنا اللغات الأجنبيّة مع بدء دخولهم المدرسة... ففي إتقانِهم لغةً أجنبيّةً أو أكثر إلى جانب لغتهم الأمّ، سلاح يمكّنهم من الإطلالة على التراث العالميّ للاقتباس والتطعيم، وللبقاء على صلة بكلّ جديد. وقديماً قيل: "من عرف لغة قوم أمن شرّهم".
سابعًا: إنشاء مركز للأبحاث العلميّة، ومجمع لغويّ تتولاّهما السلطة السياسيّة، مهمّتهما التشجيع على البحث العلميّ ورعايته، ووضع المصطلحات العلميّة الجديدة وتعميمها، تلبية لحاجات الباحثين والمتعلّمين، وحضور المؤتمرات والندوات، والدعوة إليها للوقوف على كلّ جديد، وتحقيقًا لوحدة المجتمع البشريّ التي لن تكون إلاّ عن طريق العلم، لأنّ الحقيقة العلميّة هي حقيقة واحدة لدى كلّ الشعوب على اختلاف أعراقها ومعتقداتها...
 
- 3 -
وهكذا يتّضح لنا أنّ نجاح هذا المشروع يخدم أهدافنا من ناحيتين: الأولى: يسهّل على أبنائنا استيعاب العلوم وتمثّلها وتطبيقها في حياتهم اليوميّة، عندما نقدّمها لهم بلغتهم الأمّ التي هي الأقرب إلى أفهام بنيها والأعذب في آذانهم، والأسهل على ألسنتهم، وبالتالي هي الأقدر على إبلاغهم وتبليغهم.
الثانية: يعيد اللغة العربيّة إلى العصر، بجعلها لغة إنتاج علميّ فكريّ حضاريّ، تتطوّر وتتجدّد مفرداتٍ، ومصطلحاتٍ، وأساليبَ تعبير، فتخرج من عزلتها، وتعود بأبنائها المتلاغين بها إلى حلبات العلم والإبداع، فلا يظلّون عيالاً على سواهم، يستهلكون ما يتفضّل به عليهم الآخرون!
وختاماً، نكرّر التأكيد على ضرورة الاستعداد، والتأنّي في تنفيذ هذا المشروع التربويّ القوميّ، وعلى ضرورة اجتناب التسرّع والارتجال، لئلاّ نخفق، ويجهض المشروع على أيدينا، فنكتب على أنفسنا، إذا ما أخفقنا، أن نبقى عيالاً متطفّلين على موائد العلم والإبداع فيه، إلى أن "يقضي اللهُ أمرًا كانَ مَفْعولاً". وليس منّا من يرضى لأمّته أو للغته هذا المصير.
أسعد السكاف

اله



([i])     السكاف، أسعد نصرالله، مشكلات تدريس قواعد العربيّة في المرحلة الابتدائيّة، دار نظير عبود، 1993، ص13-21.
([ii])    - صيّاح، أنطوان، وأنطون، جوزف، تعلّم اللغات، ولغات التعلّم، ورقة عمل قُدّمت لندوة الخميس – كليّة التربية – الجامعة اللبنانية، 1993، ص 3 وص 11-15.
        - الياس، جوزف، دفاعًا عن العربيّة، دار العلم للملايين، 2002، ص 20-70.
([iii])   السكاف، أسعد نصرالله، مرجع سابق، ص 35-45.
([iv])   المرجع نفسه، ص 65-73.
([v])    فضل، صلاح، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع 164، ص 13.
([vi])   -  خليل، ياسين، اللغة والوجود القومي، ندوة اللغة العربية والوعي القومي، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، 1984، ص 343.
-        أنيس، ابراهيم، دلالة الألفاظ، مكتبة الانجلو المصريّة، 1958، ص 7:
"ويكتسب الإنسان ألفاظ اللغة ودلالاتها من تجارب كثيرة من تجارب الحياة معها تتشكّل الدلالات وتتلوَّن وتظلَّل بظلال متباينة، ثم تستقرّ على حال، عندها يتبنَّى المرء لكل لفظ دلالة معيّنة هي جزء من عقله ومن نفسه".
([vii])   أدهم، سامي، فلسفة اللغة، تفكيك العقلي اللغوي، المؤسسة الجامعيّة للدراسات، بيروت، 1993، ص 153:
        "فعل الفكر ليس فعلاً بدون لغة ورموز. واللغة هي التي تنتج وسائلها وطرائقها وتصوّراتها فتجوهر الأشياء".
        "إنّ العمليّة اللغويّة هي عمليّة اجتماعيّة تخضع للتطبيع الاجتماعي حيث يخضع الفرد فيها للغة، فهو يوجد داخل اللغة، يتلفّظ بها ويفكّر بها ويدين لها بالولاء... فهي التي توجّه الفرد إلى الطريق المستقيم، وهي التي تعبّر عن العدالة والأخلاق والسياسة وهي المؤمن والمتصوّف وهي المجتمع بكل مؤسّساته".
([viii]الفيّاض، محمّد جابر، أهميّة اللغة في الحياة الإنسانيّة، ندوة اللغة العربيّة والوعي القومي، مرجع سابق، ص 281:
        "اللغة العربيّة ليست كأيّة لغة أخرى ندرسها، وإنّما هي القلب في قوميّتنا العربيّة فهي أهمّ رابطة من روابطها".
([ix])       Kennedy, E. S., Studies in the Islamic Exact Sciences, American University of Beirut, 1983, pp. 5-47,
                                                                                                                                                                                             51-235
([x])    فضل، صلاح، مرجع سابق، ص 13 و26.
 
ـــــــــــ

الكاتب: الدكتور أسعد سكاف

تاريخ الإضافة: 2008/7/23 - تحميل:



مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2018، المجلس العالمي للغة العربية.