إصداراتنا > أبحاث


النحو العربي رمزا للحضارة أوعاملا للتخلف!

النحو العربي رمزا للحضارة أوعاملا للتخلف!

 

النحو العربي رمزا للحضارة أوعاملا للتخلف!
(قرائة نقدية لمشروع التيسير والتجديد للنحو العربي)
محمد شيرين تشكار·
عبدالهادي تمورتاش·
من المسلم أن الدراسات العلمية حول اللغة العربية قد قطعت مسافة كبيرة مع إنتشار الإسلام. وذلك بإسهام الباحثين العرب وغير العرب، وأدى ما وصلت إليه هذه الدراسات من المستوى الرفيع في مدة قصيرة جدا إلى تساؤل إستفهامي أو إنكاري حول مصدر هذه الدراسات[1]. لكن رغم هذه الإستفهامات المشككة نجد بعض المستشرقين أعربوا عن إعجابهم الكبير بهذه الدراسات وأكدوا أصالتها وموضوعيتها وادعوا بناء على ذلك أن الحضارة الإسلامية هي حضارة لغوية
          ومن المعلوم أن أول مصدر دراسي كتب عن النحو العربي هو "الكتاب" لسيبويه إلا أن هناك دراسات تراكمت خلال مدة طويلة[2] مما كونت هذا التراكم المعرفي ومهدت لكتابة هذا الكتاب. حيث أن المواضيع التي كانت تناقش وتتباحث في مجالس العلم شفاهيا وبالطريقة الحوارية بدأت تأخذ مكانها بين الثقافة المدونة.
ولقد تبلور النحو العربي ونضج في فترة ما بين سيبويه والسيرافي من خلال المناظرات العلمية في مجالس عالية المستوى التي كانت تترأسها مدرستا البصرة والكوفة وذلك من حيث إكتمال ما نقص منه وإزالة ما هو غريب عنه. وإذا نظرنا إلى النحو العربي في عهد السيرافي وجدنا أن اللغة التي تشكل مصدرا لهذا العلم قد تحددت معالمها وأخذت حيزها من بين مصادر هذا العلم واستبانت الأراء حول جل مباحثه وبدأت الجهود تتكثف حول أصوله ومبادئه.[3]
وإن كان النحو العربي يعد من بين علوم الألة واعتبر ألة لتيسير فهم المعاني الصحيحة من الجمل العربية المفيدة إلا أن التوجه الذي لقيه هذا العلم يثبت نقيض هذا الإعتبار، حيث نرى الذين يتعلمون مبادئ هذا العلم بقدر الكفاية لا يتوجهون إلى العلوم الأصلية المقصودة بالذات مولين ظهورهم عن هذا العلم، بالعكس تماما نرى الكثرة الكاثرة منهم ضحوا عمرا كاملا في بناء صرح هذا العلم وتطويره وتزيينه وألبسوه لباس العروس في خدرها وتلقبوا بلقب النحوي بكل شرف وافتخار. لذا فإن الفئة التي تشكلت ممن تلقبوا بهذا اللقب أثبتت وجودها وعلى مدى الأزمان ولقيت القبول والتأييد عبر القرون من الولاة  والسلاطين والخلفاء وأخذت مكانتها المتميزة في المجتمع مع سائر أصناف العلوم الدينية والعقلية على حد سواء.
بالإضافة إلى أن المنطق الذي عرف.بأنه صناعة تعطي جملة القوانين التي شأنها أن تقوم العقل و تسدد الانسان نحو طريق الصواب.[4] قد دخل العالم الإسلامي وانتشر في الأوساط العلمية عبر عملية الترجمة ولقي توجها عظيما وقبولا تاما في مدة قصيرة منقطعة النظير.[5]
إن المنطق الذي نال إعجاب الفلاسفة قد أسهم في الفكر الإسلامي إسهاما بالغ الأهمية، حتى ان تأثير علم المنطق في العلوم الدينية وخاصة في علم النحو أصبح موضوع نقاش حاد مدة طويلة في الأوساط الأكادمية.
وقد ظهر في بداية الأمر دعاوى كان يقودها علماء الكلام معارضة للمنطق إلا أن هذا العلم قد بدأ يبحث له عن مجال شرعي بُعيد المناظرة المشهورة التي جرت بين السيرافي ومتًى حيث أن الفارابي ويحيى بن عدي اللذين تتلمذا على يد متًى قد كثفا جهودهما في إبعاد النظرة السلبية التي نجمت من هذه المناظرة وتهيئة الجولتحديد مجال خاص لكل من المنطق والنحو غير التي لأختها. على أن هذه الجهود قد آتت أكلها في زمن قصير وافترق الإثنان كي يتبارزا في ميادين خاصة للاسهام في الفكر والعلوم.
 وقد شخص النحو العربي مشاكله وأكمل مرحلة التدوين وأصبح يتعمق في مناقشة مواضيعه المختلف فيه وإنشاء أصوله ووصل إلى مرحلة الدفاع عن الحضارة المنتسبة إليها كما سيتضح من هذه المناظرة.
إن المناظرة التي جرت بين متًى والسيرافي في عام 320 الهجري الموافق لعام 932 الميلادي ثابتة الوقوع ولا شك في صحة جريانها ولا في صحة محتواها. ذلك لأن أبا حيان التوحيدي الذي سجل هذه المناظرة التاريخية[6] ونقلها إلينا قد أسندها إلى السيرافي الذي هو أحد قطبي هذه المناظرة وإلى الرماني الذي حضرها وشاهدها بالذات. بالإضافة إلى أن التوحيدي كان عارفا بأهمية هذه المناظرة وبالتالي كان يبذل جهدا كبيرا في نقلها كما هي محاولا قدر الإمكان الإجتناب عن الخطأ في ذلك. وسرده أسماء الحاضرين في هذه المناظرة بالتفصيل وبلا تردد إن دل على شيئ فهو يدل على ثقته بنفسه وبصحة ما ينقله من المعلومات، وكأنه يقول من خلال هذه التفاصيل: بإمكانكم أن تستوثقوا من صحة هذه المناظرة وصدق محتواها عن طريق هؤلاء. على أن هناك شواهد أخرى تثبت صحة وقوع هذه المناظرة وصدق محتواها مثل عدم تكذيب المنطقيين لهذه الحادثة وعدم إعتراضهم على مدعيها ومثل الجهود التي بذلها الفارابي ويحيى بن عدي من تلاميذ متًى لإنقاذ شيخهم من تورطه في هذا الخطأ الفادح وحمايته من عاقبته الوخيمة.
كما نفهم من الكلمة الإفتتاحية التي القاها منظم هذه المناظرة الوزير إبن فرات أنه كان هناك نقاشات حادة ومناظرات كثيرة بين علمي المنطق والنحو، وأن متًى قد أعرب عن أفكاره في بياض النهار وعلى رؤوس الأشهاد وبالأحرى نفهم من كلمته الإفتتاحية تحدي متًى لجميع العلوم الدينية. وقد انزعج الوزير من هذا التحدي الذي أبداه متًى فقام يسأل ويستفسر الموضوع من العلماء. ذلك لأن متًى كان يدعي أن لا سبيل الى معرفة الحق من الباطل و الصدق من الكذب والخير من الشر والحجة من الشبهة و الشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق.[7]
في الحقيقة إن الوظائف الكبيرة التي حملها متًى علم المنطق وتشبيهه علم المنطق بالميزان قد غيرت مجرى المناظرة لأن ذلك قد قوى جانب السيرافي إلى حد غير متوقع. فهو يرى أن المنطق لا يصلح أن يكون منهجا عاما صالحا يسع جميع المجالات العلمية، ذلك لأن اللفظ إذا لم يعرف محتواه لا يمكن تمييز الصواب من الخطأ، وهذه الحقيقة تختلف من لغة إلى لغة. وبما أن علم المنطق قد وضع على أسس وقواعد اللغة اليونانية وألفاظها فإنه لا يلزم ما سوى اليونانية من اللغات.
في حين يدعي متًى أن علم المنطق يحتوي قواعد سارية المفعول في عموم الأحكام فهو بما يحتويه من القواعد علم عالمي إلا أن السيرافي يجيب عن ذلك بأن علم المنطق لا يحتوي قواعد ثابتة مقبولة من كل الجهات بحيث لا يقبل النقاش مثل الرياضيات كما يدعيه متًى، ولا يمكن الوصول إلى الإصطلاحات العقلية والدلالية إلا بواسطة الفاظ اللغة التي كتبت بها تلك الإصطلاحات. لذلك فإن السيرافي يرى أن علم المنطق الذي تكون من الألفاظ اليونانية والعقلية اليونانية لا يلزم من سوى اليونانيين من الأمم أصحاب لغات خاصة بها.
فمتًى الذي بُهت أمام هذا الجواب العلمي والمنطقي حاول التخلص من الخطأ الذي تورط فيه لكنه تورط في خطأ أفدح من سابقه حيث ادعى أن اليونان لهم فضل وراثي على سائر الأمم عقليا. وقد أجاب السيرافي عن هذا الرأي الفاحش الواضح خطأه بأن العلوم لا تظهر فجأة كالمعجزة وإنما تظهر وتتبلور على مرور الأزمان وبالإستفادة من تجارب مختلف الأمم والشعوب، وأضاف بأن ولادة العلوم واكتمالها قد تستغرق عصورا وأحقابا طويلة.
وبينما كانت المناظرة تجري بين هذين الفحلين من أقطاب الفكر في أوجها إتفق أن وجه السيرافي إلى متًى سؤالا مستعملا فيه صيغة الإستفهام المنفي (أليس) وحينما أجاب متًى عن سؤاله بحرف الجواب (نعم) تبين له واضحا عدم معرفة متًى باللغة العربية وبأبسط مبادئه. على أن السيرافي ذهب إلى أكثر من هذا حيث ادعى بأن متًى لا يدعو الناس إلى علم المنطق وإنما يدعو إلى اللغة اليونانية التي لا يعرفها أصلا وإنما يقرأ من الكتب المترجمة إلى السريانية. ويقول السيرافي إن كيان اللغة وثراء معاني ألفاظها يغيبان أثناء الترجمة ويدعي بأنه لم يبق من اليونانيين من يدافع عن هذا العلم ويدعو إليه إما لإيمانهم بعدم بقاء الحاجة إليه أو لإنقراضهم.
ثم بعد أن علم السيرافي قلة بضاعة متًى في اللغة العربية أراد أن يحرجه ويفضحه على الملأ فسأله عن حالات إستعمال حرف الواو الذي يعتبر من أكثر الأحرف إستعمالا في اللغة العربية ويجيب متًى بأن هذا إنما يهم النحويين لذلك فالأحرى أن يوجه بهذا السؤال إليهم لا إلى أمثاله من المنطقيين الذين يعنيهم المعاني لا الألفاظ. إلا أن السيرافي أجابه إجابة الفيلسوف المتحكم في اللغة بأن اللفظ والمعنى أمران متلازمان لا ينفكان عن بعضهما أبدا وأن لكل معنى لفظا مناسبا للدلالة عليه، واستعمال الألفاظ في مواضعه شرط أساسي لفهم الكلام فهما صحيحا وتاما.
إن معرفة ألفاظ وقواعد لغة معينة معرفة جيدة ضرورية لفهم معاني ألفاظ وجمل تلك اللغة. كذلك الأمر بالنسبة للغة المترجمة إليها فمعرفة اللغة العربية وقواعدها معرفة جيدة أمر غير مستغن عنه لمتًى أيضا الذي ترجم المنطق اليوناني إلى اللغة العربية وكتب عليه الشروح.[8]
وعندما أصر متًى في موقفه من أن الإشتغال بالألفاظ هو من وظيفة النحويين وداخل في مجال بحثهم وأن هذا لا يعنيه كمنطقي أبدا ولا يدخل في مجال بحثه وتفكيره، وجه إليه السيرافي سؤالا متعلقا تماما بالمعنى حيث سأله أيهما صحيح؟ أ "زيد أفضل الإخوة" أم "زيد أفضل إخوته" أجاب متًى بأن لا فرق بين كلا الجملتين فكلاهما صحيحان.[9]
ثم اجاب السيرافي عن سؤاله هذا بأن الجملة الاولى فقط صحيحة و إتهم متى بانه افتى على غير بصيرة و لا استبانة. و دعاه الى الأشتراك في حلقة تدريس اللغة. وبهذا حاول السيرافي أن يثبت أن النحويين لا يعنون بالألفاظ فقط وإنما يعنون بالمعاني أيضا دون فرق.
وذهب السيرافي إلى أبعد من هذا حيث إدعي أن معرفة علم المنطق لا تبعد الإنسان من الوقوع في الخطأ والخلاف. وعقيدة التثليث عند النصارى خير شاهد على هذا كما يدعي أن متًى له شخصية ضعيفة غير مستقيمة وهو رجل غير موثوق به حيث أنه سكير يبيع العلم مقابل المال على حد تعبيره.
وقد ظهر في نتيجة هذه المناظرة النقاط التالية:
1-عرفنا من خلال الإصطلاحات التي استعملها السيرافي أنه يلم بعلم المنطق إلماما تاما وإن أخذ منه موقف المعارض المعادي له.
2-كذلك فإن السيرافي على علم بنقد الناشي لعلم المنطق ويؤيده في ذلك ويرى إجابات المنطقيين عن تلك الإنتقادات العلمية غير مقنعة وناقصة.
3-إن السيرافي على معرفة بكتب متًى حيث يحكم على كتبه بالفشل وعدم النجاح في عرض أفكاره وإثبات أرائه.
4-بالرغم من إلمام السيرافي بعلمي المنطق والفلسفة فإنه يعتبر قمة في علم النحو العربي. وكأني به قد دُعي إلى هذه الجلسة النقاشية بناء على خطة مرسومة واختيار حكيم ليكون ثانية الأثافي إذا اعتبرنا الحضور ثالثتها كما هو واضح من الكلمة الإفتتاحية التي ألقاها الوزير.
5-إن النحو العربي ظاهرة حضارية تحملت الذود عن الحضارة الإسلامية أكثر من أن يكون علم آلة يبتغى من ورائه فهم المعاني الصحيحة من الجمل المفيدة.
6-يرى السيرافي أن لا حاجة إلى علم المنطق وأن معرفة علم النحو يسد هذه الحاجة ويغني عنه إذا دعت إليه. إلا أنه يتضح أن رأي السيرافي هذا لا يتجاوز عن كونه رد فعل فقط.
7-إن الفلاسفة قد حاولوا توسيع المجال التطبيقي لعلم المنطق وإعطائه الأولوية من بين سائر العلوم إلا أن هذه المحاولة واجهت جبهة معارضة قوية الكلمة وندية الصوت مما دل على عدم وجود وسط مهيأ لقبول كل ما أتى به هذا العلم.
8-أن أعمال الترجمة التي كانت تُجرى في ذلك العهد لم تجد قبولا حسنا عند النحويين حيث عارضوا تلك الترجمات وأعلنوا عن كثرة أخطائها ونقصها وعدم الثقة بها.
9-يرفض النحويون دعوى أن لعلم المنطق قواعد كلية سارية المفعول في تحديد معاني ألفاظ كل اللغات. والذي أدى بالنحويين لاتخاذ هذا الموقف السلبي من علم المنطق هو موقف المنطقيين وبعض أعمالهم الإستفزازية حيث إنهم يدعون أن معرفة علم المنطق كافية لهم وتغنيهم عما سواه من العلوم. ولكن تبين من خلال هذه المناظرة –وكما هو واضح- أن من لا يحسن لغة معينة ببنيتها وقواعدها الأساسية لا يمكن له أن يستفيد من علم المنطق كما ينبغي فالنحوي حينما يضع القواعد للغة فهو بهذا يخدم علم المنطق إلى حد ما.
10-لا شك أن أعظم نتيجة ظهرت من ثنايا هذه المناظرة هو بروز المستوى الذي وصل إليه النحو والنحويون، فعلم النحو كان قد اكتمل وتجاوز مرحلة النضوج ليساهم مع سائر العلوم الإسلامية في تطوير الفكرة والعقلية الإسلامية بما يتماشى مع الحضارة الإسلامية العريقة، ووصل الأمر بالنحو العربي إلى محاولة إبراز المساعي لإيجاد منهج وأصول له. هذا وإن اللغة التي هي ظاهرة إجتماعية تحتاج إلى التطوير والتغيير كل حين يوجب نفس التطوير والتغيير والتجديد وبنفس الدرجة لعلم النحو كي يتماشيا معا على نفس الدرب.
على أن النحويين إستحسنوا هذه الظاهرة وآمنوا بضروريتها وكانوا دائما في تطوير وتجديد وتغيير. وكتب النحو التي تحمل ميزات عهدها وتهدف إلى حل مشاكل عصرها خير شاهد على هذه الحقيقة.
وقد انتهت هذه المناظرة بغلبة النحويين على المنطقيين كما هو معروف إلا أن النحويين مع ذلك لم يتحرجوا في إستعمال إصطلاحات المنطقيين أبدا حتى أنهم إنتهجوا نهجهم في إثبات وإنشاء قواعدهم وأصولهم، حيث أن الرماني الذي عمل بموجب علم المنطق وانهمرعليه النقد من كل الجهات لهذا السبب كان من بين من حضر هذه المناظرة. علما بأن الرماني ليس الوحيد من بين النحويين في الإستفادة من مبادئ علم المنطق بل إن معظم النحويين لجأوا إلى مبادئ هذا العلم وخاصة أثناء تعريف الإصطلاحات النحوية.
وبعد أن علم المنطقيون أن نتيجة المناظرة قد دارت عليهم، بدأوا بتكثيف جهودهم واستهلاك طاقاتهم في إثبات إستقلالية علمي المنطق والنحو بعضهما عن بعض وإيضاح أن كلا منهما يعتبر علم آلة لا يستغني عنهما أيُ باحث مهما كان. وقد لقي هذا الرأي قبولا في الأوساط العلمية وعُمل بمقتضاه وأدخل علم المنطق مع علم النحو في المواد الدراسية الضرورية في نظام المدارس واتبع هذا النظام إلى أواخر عهد المدارس.
ولكن النحو العربي الذي كان رمزا للحضارة وأقوى أداة للدفاع عنها كيف إنقلب إلى أهم عامل من عوامل التخلف الحضاري؟ هل هناك مسند موثوق به لهذا الإتهام أم أنه رجم بالغيب؟ هل يمكن أن يكون النحو العربي الذي يستوجب تغيير نفسه وتجديده أمام التغييرات التي تعتري المجتمع عقبة صلبة مستحيلة التجاوز أمام إمكانية تطوير المجتمع؟
وقد تزعم الغرب مع دخوله في عصر التنوير في مجال مشروع الدراسات اللغوية و الفكرية كما هو الامر في باقي المجالات و ما زال على ذلك.حيث أن الدراسات اللغوية دخلت مرحلة جديدة مع [10]Ferdinand De Saussure إلا ان القائمين على الدراسات اللغوية في العالم العربي و غيرها اكتفوا بمشاهدة ما يجري و فهم ما يبدع في العالم الغربي و مع التولي عن التراث و حتى إنكاره لم يبق لهم مسند يستندون إليه و لا اصل يعتمدون عليه.[11]
وإذا ما نظرنا بعين الإعتبار إلي وجود من يدعو بين فينة و أخرى إلى ضرورة تغيير الأبجدية العربية في العصر الحديث ممن يصنف نفسه ضمن الحركة التجددية فبامكاننا ان نفهم مدى خطورة الوضع عند بعض قادة الفكر في العالم العربي على ان الفئة التي نأمل عندها حسن القصد هي التي تدعو إلى قرائة النحو العربي قرائة جديدة بان يتركز على القواعد الاساسية مع رعاية درجة اهميتها و الإستفادة من إمكانيات و معطيات العصر و قد ساهمت في مثل هذه الدراسات بعض المجامع اللغوية و قدمت مشاريع و أطروحات معقولة إلا ان رجوع تلك المؤسسات عن بعض قراراتها ضعفت من قوتها و هزت من الثقة بها.
وحسب النظرية التوليدية للقواعد اللغوية ان اللغة لا تعتمد على الحفظ والتقليد فقط وإنما يجب أن تعتمد على نظام يولد البنية[12] كما أن هذه النظرية تعتبر اللغة مرآة للتصور والعقل والفكر وبناء على ذلك فإن المسلمين لما تخلفوا فكريا عكس هذا الوضع على الدراسات اللغويةأيضا فتجمدت.
وإذا نظرنا إلى مستوى الدراسات اللغوية في العالم العربي نجد الوضع أخطر بكثير مما نتوقع إذ لا شك أن المحادثة اليومية التي يستعملها الشعب في حياتهم اليومية هي التي تغذي الدراسات اللغوية وتوجب فتح مجالات عملية لها والحال أن اللغة التي يستعملها الشعوب العربية في حياتهم اليومية مستقلة تماما عن لغة الثقافة والكتابة ومتحررة من قيود القواعد النحوية التي وضعها النحويون للوقاية من الوقوع في الخطأ في فهم المعنى المراد لذلك فإن النحو العربي ليس له مجال عملي يثبت وجوده ويغذيه في الشارع العربي مما أكسبه هوية قواعد للغة غير مستعملة في البيت والشارع. لهذا السبب صعُب -إن لم نقل إستحال- على النحو العربي الإنفتاح والتجديد والإستجابة لحاجات العصر المتجددة.
وبغض النظر عن هذه الحقيقة وعدم الإلتفات إليها قد واجه النحو العربي وبالتالي التراث الضخم الذي تركه لنا الأسلاف على مر الأزمان إتهامات ظالمة لم يكن يستحقها أبدا. وللخروج من هذا المأزق طرح هؤلاء الذين شمروا عن ساعد الجد لحماية اللغة العربية والدفاع عنها أن يُشطب على التراث بأكمله ويُرمى به إلى سلة المهملات ويُحذف منه المواضيع التي يستصعب فهمها بحجة عدم إستعمالها في الحياة اليومية والشارع العربي!
ولكن جهلت هذه الفئة أن حذف بابي التنازع والإشتغال وامثالهما من الأبواب النحوية التي ترمز إلى عمق الدراسات اللغوية عند العرب والتي أبدعت كحل لبعض المشكلات اللغوية التي كان يواجهها أهل ذاك العصر جهلت هذه الفئة أن ذلك لا يعني الحل والتخلص من المأزق كما أنها جهلت أن هذه تخفض من مستوى النحو العربي الذي وصل إليه بفضل الدراسات العميقة التي شكلت تراثا ضخما عديم المثيل عند الأمم الأخرى.
فالنحاة بذلوا جهودا كبيرة في إبداع علم الوضع الذي لم ينتبه إليه أصحاب اللغات الأخرى إلى الآن ووصلوا بفضله إلى نتائج حسنة في إظهار حقائق لغوية كانت غائبة عن أنظار الكثير من الباحثين. واللغويون اليوم بدلا من أن يتفكروا ويتسائلوا عن سبب عدم وجود كلمة عربية تدخل في نطاق الوضع الخاص والموضوع له العام وطرح أفكار وبيان آراء في هذا الموضوع قاموا فشطبوا على هذا العلم وأخرجوه من قائمة المواد الدراسية. وهذه غلطة لا تغفر في نظرنا.
والخلاصة: ينبغي أن يحافظ على حيوية الدراسات اللغوية كي تجيب عن حاجات العصر المتجددة و أن يكون ذلك موازيا مع اللغة التي هي ظاهرة إجتماعة حية كما أكدنا سابقا. وإذا نظرنا من هذه الناحية لاحظنا حيوية الدراسات اللغوية عند العرب فيما سلف حيث نجد اللغويين لاحظوا في بعض العصور صعوبة في فهم بعض المواضيع النحوية وغموضا في بعضها فانكبوا عليها بالشروح والحواشي ولاحظوا في عصور أخرى حشو بعض المواضيع النحوية بتفاصيل زائدة لا حاجة لها فتوجهوا إليها كي يختصروها ويحذفوا الحشو الذي لا فائدة فيه حتى يسهل تعليمه وتعلمه. في حين قام بعض النحويين بوضع كتب منظومة ربما لم تحظ به  أية لغة أخرى غير العربية وذلك لهدف تيسير فهم تلك القواعد وحفظها. ونتيجة لكل هذه الدراسات المتسلسلة عبر القرون تكون تراث ضخم وغني لا مثيل له.
وفي عهد التخلف الحضاري الذي عاشه العالم الإسلامي توقفت الدراسات اللغوية كبقية أخواتها من الدراسات وأصبح الناس يستصعبون فهم الدراسات السابقة دعك من إضافة الجديد إليها. والذي أدى بالوضع إلى هذا المأزق في نظرنا هو التخلف الفكري الذي جاء متزامنا مع الإنحطاط الفكري حيث تقدمت الفئة التي أشرنا إليها سابقا لإيجاد حل للخروج بالنحو من هذا المأزق فبدلا من أن يبحثوا عن حل نهائي وواقعي طرحوا وصفات متفقة مع النزعة التي يدعون إليها والعقيدة التي يعتقدونها، وادعوا أن السبب الوحيد من وراء هذا المأزق إنما هو عدم إستحابة التراث الذي تركه لنا السلف لحاجات العصر التي تتجدد يوما فيومٍ .
فالذي ينبغي أن نعمله واضح جدا وهو العمل لرفع المستوى العلمي إلى أكثر مما وصلت إليه الدراسات اللغوية سابقا وذلك باستيعاب ما تركه لنا السلف من تلك الدراسات وهضمها جيدا مع الإستفادة من دراسات علم اللغة الحديثة والعمل على حسن الإنسجام بينهما. على أن أعمال بعض اللغويين العرب في الآونة الأخيرة يقوي آمالنا ويريح بالنا في هذا الخصوص.[13]


· أستاذ مشارك , بجامعة يوزونجي ييل كلية الإلهيات, تركيا
· أستاذ محاضر , بجامعة يوزونجي ييل كلية الإلهيات, تركيا
 [1]  لمزيد من التفاصيل انظر. Albert Merx, L’Origine de la Grammare Arabe, Bullettin de L’Istitut Egyptien, III, 2, 1989, Cairo, p. 13-26; Versteegh C. H. M., Grek Element in Arabic Linguistic Thinking, Leiden, 1977; M. G. Carter, Les Originer de la Grammaire Arabe, Revue de Etudes Islamiques, 40, Paris, 1970, p. 69-97; Richard Wolzer, Greer in to Arabic, Oxford, London, 1962.
[2] انظر, عبدالعال سالم مكرم, الحلقة المفقودة في تاريخ النحو العربي, مؤسسة الرسالة, بيروت,1993
[3]    حيث أننا نجد كتبا من هذا الطراز مثل كتب المبرد و ابن السراج فيما قبل عهد إبن جني.
[4]    أبو نصر الفرابي, إحصاء العلوم, تصحيح عثمان محمد امين, مكتبة الخانجي, مصر, 1925, ص. 11.
[5]    لسيرة علم المنطق انظر ,. Nicholas Rescher تطور المنطق العربي الصوري, ت, محمد مهران, دار المعارف, القاهرة. 1985.,.
[6]  ولمزيد من التفاصيل أنظر إلى المصدر الوحيد لهذه المناظرة, أبو حيان التوحيدي, الإمتاع و المؤانسة, تحقيق, أحمد أمين و أحمد الزين, المكتبة العصرية, بيروت و أيضا أنظر, ياقوت الحموي, معجم الأدباء, دار الكتب العلمية, بيروت, 1991, Gerhard Endress, المناظرات بين المنطق الفلسفي و النحو العربي في عصور الخلفاء, مجلة تاريخ العلوم العربية, I, 2 , سورية, 1977, ص. 106- 119, Muhsin Mahdi, Language and Logic in Classical Islam (ed. G. E. Grunebaum, Logic in Classical Islamic Culture), Wiesbaden, 1970, p. 51-83; D. S. Margoliouth, The Discussion Between Abu Bishr Matta and Abu Sa’d al-Sirafi on the Merids of Logic and Grammar, Journal of the Royal Asiatic Society of Great Britain and İrlan (JRAS), 1905, p. 79-129.
[7]   الإمتاع 1, 108
[8]   الإمتاع, 1, 116
[9]     الإمتاع, 1, 120
[10] أنظر محضرات في علم اللسان العام, ت. عبدالقادر القنيني, إفريقيا الشرق, دار البيضاء, 1987.
[11] أنظر مثلا إلى محمد كامل حسن, اللغة العرية المعاصرة, دار المعارف, مصر.
 [12] نعوم شومسكي, البنى النحوية, ت, يؤيل يوسف, منشورات عيون, دار البيضاء, 1987.
[13] و بعد تخلص العالم الإسلامي من التخبط الفكري الذي عانت منه زمنا طويلا بدأت مرحلة إنفتاح فكري و سياسي و ثقافي و اجتماعي و اقتصادي و بالأخص قامت بجمع التراث اللغوي و غربلتها على أحسن ما كان. و قد ظهر على ساحة الدراسات اللغوية أسماء بعض الباحيثين نعد من بينهم تمام حسان, عبدالسلام محمد هرون و عبد السلام المسدي و عبد القادر الفاسي الفهري, الخ.

الكاتب: الدكتور محمد شيرين تشكار- الدكتور عبد الهادي تمورتاش

تاريخ الإضافة: 2008/7/7 - تحميل:



مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2018، المجلس العالمي للغة العربية.