إصداراتنا > أبحاث


اللغة العربية بين العولمة وغياب المشروع الحضاري العربي

اللغة العربية بين العولمة وغياب المشروع الحضاري العربي

 

اللغة العربية بين العولمة وغياب المشروع الحضاري العربي
                                                              أ.د. هادي نهر
عميد كلية الآداب- جامعة جدارا
       إنّ أوّل العولمات وأقدمها في تاريخ الحضارات هي (عولمة اللغة)، لكونها نقطة النهاية في طبيعة الحياة الإنسانية القائمة على صراع الأفكار، والمصالح، وسيادة الـ(أنا) على حساب الآخرين، فتصادم الحضارات أو (حوار الحضارات) عبر التاريخ لم يكن دائماً بدوافع اقتصادية، أو دينية، أو قومية، وإنّما كانت اللغة بوصفها كالدين روح الأمّة الناطقة بها، وهويتها، ومكمن تاريخها، وحضارتها، وثقافتها، ومبادئها، وأفكارها، وقيمها أساساً حاسماً في الصراع، أو الحوار بين البشر، والانتصار في صراع اللغات إنّما يمثّل بداية لتاريخ الغالب، وإنجازاً لرحلته الحضارية كلّها، وتمكّنه من فرض نفسه سيداً في العالم، وعلى الجميع الاعتراف به، بتفوّقه، واكتماله، ونهاية لتاريخ المغلوب وجوداً، وهوية، وثقافة، وحضارة، وقيماً، ومعتقداً.
       إنّ عولمة اللغة عملية تاريخية جارية ومستمرّة منذ أن امتلك الإنسان لغة، ووطناً، وتاريخاً يختلف بها عن غيره ممّن امتلكوا اللغة، والوطن، والتاريخ؛ لأنَّ هذا الواقع الحتمي موكول أمره بإرادة الله سبحانه öqs9ur]uä!$x©y7•/u‘Ÿ@yèpgm:}¨$¨Z9$#Zp¨Bé&Zoy‰Ïnºur(Ÿwurtbqä9#t“tƒ[šúüÏÿÎ=tGøƒèC([1]).
       ومثلما نحن مختلفون- بأمر الله- أشكالاً، وألواناً، وقدرات، وجهوداً([2])   وعقائد([3])، ومواقع اجتماعية([4])، ودرجات التلقي([5])، اختلفنا بأمره سبحانه أيضاً ألسنة، `ÏBur]¾ÏmÏG»tƒ#uäß,ù=yzÏNºuq»yJ¡¡9$#ÇÚö‘F{$#urß#»n=ÏG÷z$#uröNà6ÏGoYÅ¡ø9r&[ö/ä3ÏRºuqø9r&ur([6]) ولأنّنا مختلفون ألسنة؛ ولأنّ الأشياء، والأحداث بما فيها الحضارات والثقافات والعقائد، والمفاهيم، والأفكار، والقيم تدور في أفلاك طبيعية وبشرية نؤثّر فيها، ونتأثر، ومن بين أهم هذه الأفلاك تتصدر اللغة لا بوصفها وسيلة اتصال وتواصل بين الناطقين بها فحسب، وإنّما بوصفها هي الحاملة للفكر، والعقائد، والدين، والثقافة، والحضارة، والقيم.
       أقول: لكوننا مختلفين ألسنة كان هناك عبر التاريخ الإنساني ما يمكن أن تسمّية (عولمة اللغة) متخذة أشكالاً متعدّدة، وأساليب متنوّعة، حاملةً في أعماقها أهدافاً بيّنة حيناً، وخفيّة أحياناً تتجاوز اللغة نفسها إلى الأمّة كلّها، ولكنّها على تعدّد أشكالها، وتنوّع أساليبها، وطبيعة أهدافها انحصرت في مسارب أربعة:
الأوّل:
       يتمثل في حرص كلّ أمّة من الأُمم منذ القديم على كسب النصر في أيّ صراع لغوي قد يحكم به التاريخ عليها أن تخوضه ضدّ غيرها.
 
الثاني:
       يتمثّل في حرص كلّ أمّة على أن يكون لسانها سيّداً على ساحة الصراع الثقافي والحضاري والمعرفي. فبذلت بعض الأمم جهوداً ضخمة، وصرفت أموالاً طائلة لنشر لغاتها على أوسع رقعة جغرافية ممكنة مستخدمة أساليب شتى، وطرائق مستجدة، ومخابر لغوية، وأفلاماً وكتباً، وأشرطة ومسلسلات تلفازية وإذاعية وإرشادات، وتوجيهات للقائمين بالتعليم([7]).
       كلّ ذلك من أجل مدّ الرقعة الجغرافية للغة المعنية بما يفيد في نشر الثقافة القومية لأصحابها، والتعريف بحضارتهم، وإنجازاتهم العلمية والمعرفية والأدبية والفنية، وبما يسهم بدوره في اطلاع العالم كلّه على الصروح الحضارية لأصحاب هذه اللغة، وقد برز في هذا ميدان علم جديد يعرف بـ(علم اللسانيات الأنثروبولوجية Anthtopological Lingunisties) الذي يُعنى بدراسة ثقافة المجتمعات الإنسانية واللغة أحد فروع الأنثروبولوجيا بل أكثرها أهمية؛ لأنّ اللغة أداة فعالة لفهم طبائع المجتمعات الإنسانية من ناحية، ومعتقداته وحضارته وثقافته من ناحية أخرى.
       وكذلك برز (علم اللغة الاجتماعي) (Sociolinguistics) الذي يُعنى بدراسة العلاقة بين اللغة ومحيطها الاجتماعي والثقافي، وتعدّد المستويات اللغوية في المجتمع الواحد، وسياقات اللغة اجتماعياً، وغير ذلك([8]).
 
والثالث:
       ولقدسية اللغة،- أيّة لغة- عند الناطقين بها، ادّعت كلُّ أمّة أنَّ لغتها هي اللغة الأولى الملهمة من الله إلى البشر جميعهم، وهي لغة الخلود في العالم الآخر([9]).
والرابع:
       ولأنّ اللغة قاسم مشترك بين الناس جميعهم تمكّنوا بفضلها من مناقشة الظواهر التي لم يكشف العلم بعدُ غوامضها وأسرارها، وتمكنوا بوساطتها أيضاً من نقل المعلومات، والتعبير عن آرائهم في الحياة، وأنشطتها المتعددة ولأنّ العالم امتدت أطرافه، وتعدّدت لغاته حتى ناهزت الخمسة آلاف لغة ظهرت دعوات كثيرة لإيجاد لغة واحدة للبشر كافةً، فكانت الدعوة إلى لغات (فولا بوك) ومبتكرها (شلييار)، الذي تمثّلت فكرته في إقامة هذه اللغة على محاولته وضع أبجدية عالمية قادرة على ترجمة أصوات كلّ لغات العالم، وكان هذا اللغوي مسيحياً كاثوليكياً فقدّم مشروعه مدّلاً على أهميته بقوله: "تحتاج أوروبا المسيحية إلى أبجدية موحّدة مثلما هي بحاجة إلى عقيدة موحّدة"([10])، وحتى عام (1899م) كان هناك (283) جمعية مختلفة عاكفة على دراسة لغة (فولا بوك) زيادة على (25) صحيفة تصدر باسمها، وأكثر من ألف معلّم يعملون بجد ومثابرة للترويج لهذه اللغة التي صدر فيها مئات الكتب والنشرات([11]).
       وقد خابت كلّ المساعي لذيوع هذه اللغة وانتشارها بسبب أنَّ كلّ الآداب والعلوم مكتوبة بلغات عالمية راسخة كالإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والروسية، والعربية، وليست بلغة (فولا بوك) أو لغة (الاسبرانتو) أو لغة (لوك لوك) أو غيرها من اللغات المقترحة زد على ذلك أن القوانين الصارمة لعلم (السوسيولوجيا اللغوية) أو علم اللغة الاجتماعية تشكّل عائقاً يحول دون استعمال لغة وضعية واحدة لكلّ البشر، ونذكّر هنا بالإعتبارات القومية والدينية والوطنية والحضارية لكل أمّة([12]).
       لقد عاشت اللغة العربية منذ القديم صراعاً مريراً مفروضاً عليها من غيرها من اللغات، وكان هذا الصراع أبرز وجوه الصراعات التي خاضها العرب ضد الغزاة والطامعين، والمستعمرين، وما تعرضوا له عبر التاريخ من تحديات عسكرية، وثقافية، وفكرية وحضارية، وقد كتب للغة العربية الانتصار في هذا الصراع دائماً لقوّة أهلها وحصانتهم.
       أمّا في زمن السلم فقد استطاعت اللغة العربية منذ القرن السابع الميلادي أن ترافق مسيرة الناطقين بها عبر شمال أفريقيا، وشبه الجزيرة الأيبرية، وشرقاً إلى أواسط آسيا، وشبه القارة الهندية، وجنوب شرقي آسيا، تقوى بقوتهم، وتضعف بضعفهم واستطاعت أن تحمل حضارة من ما عرفت الإنسانية من حضارات، وكان لها القدرة الكاملة على تمثّل القضايا الفكرية والفلسفية والعقائدية للأمم التي احتكت بها، بل أنّها زادت عليها "وما كان يمكن أن تتمّ هذه المزاوجة المدهشة إلاّ بفضل الدقّة التي عليها اللغة العربية ألفاظاً، وعبارات، وتراكيب، ودلالات"([13]).
       وقد بدأ تأثير اللغة العربية بوصفها لغة علم وأدب وفن واضحاً في كثير من اللغات التي احتكت بها كالإسبانية، والبرتغالية، والإيطالية، والألمانية، والإنجليزية وغيرها من اللغات الحيّة منذ القرون الوسطى وفي هذا الصدد يؤكدّ المؤرخ الفرنسي الكبير (غوستاف لوبون) أنّ اللغة العربية "تركت أثراً مهماً في فرنسا نفسها"، وعزّز باحث آخر ما أكدّه (غوستاف) بقوله: "إنّ اللهجات السائدة لولاية (أوفرن) وولاية (ليموزان) الفرنسيتين، محشوة بالكلمات العربية، ومن الطبيعي أن تقتبس فرنسا وإيطاليا من العرب الذين كانوا سادة البحر المتوسط منذ القرن الثامن أكثر المصطلحات البحرية"([14]).
       ولم يتمّ للغة العربية ما ينبغي أن تقوم عليه "فكرة اللغة العالمية من شروط وأوضاع"([15]) إلاّ بعد أن تحقق للعرب بناء علومهم ومعارفهم باللغة العربية التي أطلقت لهم طاقاتها الاشتقاقية والتعبيرية ومكّنتهم من نشر علومهم وآدابهم وفنونهم بها، وأن ينقلوا، ويترجموا، ويعرّبوا ما شاء لهم من علوم غيرهم عقلية نظرية أو تطبيقية تجريبية "فأصبحت العربية لغة العلم والحضارة قروناً وتركت ميسمها فيما خلّفت في اللغات الحيّة الأخرى"([16]).
       وقد اعتمد اللغة العربية في البحث والدراسة علماء من شتى بقاع الأرض، آسيويون وأفريقيون، ومن أهل أوروبا في صقلية والأندلس، وغيرهم من أجناس شتى بهرتهم الثقافة العربية والعلوم العربية، فعكفوا على طلب العلم العربي، والثقافة العربية باللغة العربية التي أتقنوا تعلّمها، ومن ثمّ "كتبوا فيها أدباً وسياسة وعلوماً ومعارف شتى مما حرصت اللغات اللاتينية التي كانت سائدة آنذاك حيّة ومنتشرة على أن تتغذّى من العربية علوماً، ومعارف وآداباً، وفنّاً، وفلسفة على مدى أكثر من قرنين من الزمان.
       إنّ الغرب "بدأ- حقاً- في الشرق" على أيّ وجه من وجوه التاريخ، فإذا كان الغرب وريث الحضارة الإغريقية، فإن هذه الحضارة نفسها تلقّت تعليمها الأوّل على أيدي العرب الفراعنة في مصر، إنّ العرب هم المعلم الأول للإغريق، هكذا قال المؤرّخ الأوّل (هيردوت)([17]) وإذا نظرنا إلى دين أوروبا المسيحي وجدنا جذوراً شرقية لهذا الدين، فالمسيحية ولدت في فلسطين والجليل والناصرة. وقد صار العرب في القرون الوسطى مركز العالم المتمدّن والمتحضّر، وبدا لبعض العلماء القدامى أن يقرّر أنّ أمم الأرض في تلك القرون تقسم على قسمين: أُمم ذات معارف وعلوم، وأمم جاهلة، وعلى رأس القسم الأوّل العرب فاليونان فالرومان، فالهنود، ومن الأمم الجاهلة آنذاك الأُمم الأوروبية([18]).
       إنّ اللغة والأمّة الناطقة بها مجموعة من الثنائيات الجدلية المتلازمة والمتعادلة:
-    فهناك ثنائية الحياة الاجتماعية واللغة بوصفها صانعة هذه الحياة.
-    وهناك ثنائية النشاط الإنساني واللغة بوصفها أصل لهذا النشاط.
-    وهناك ثنائية الحضارة واللغة بوصفها حاملة للحضارة وأميناً عليها، "فالحضارات شاملة لا يمكن فهم أيّ عنصر من عناصرها، أو مقوم من مقوماتها بدون الرجوع إلى هذه العناصر جميعها"([19]) ومن أبرز عناصر الحضارة هي اللغة.
-    وثنائية الدين واللغة، ولا انفصام بينهما.
-    وثنائية الفكر واللغة، فحين يكون الوعي باللغة متحركاً في كيان الإنسان، في دمه، وعقله، وثقافته تكون اللغة هي الحياة نفسها والهوية نفسها([20]).
-    وثنائية الثقافة واللغة بوصفها وعاء الثقافة.
-    وثنائية الوحدة واللغة بوصفها العامل الحاسم في تحقيق وحدة الأمّة، فالوحدة الألمانية، ومن بعدها الوحدة الإيطالية قد قامتا أساس وحدة اللغة، وعلى أساسها أيضاً قامت الوحدة البولونية، والوحدة البلغارية، والوحدة اليونانية، أمّا وحدتنا نحن العرب فليس منها شيء متحقق إلاّ وحدة اللغة بين أبنائها.
 
       وليس ببعيد عنا إخفاق الدولة العثمانية في عدم استخدام اللغة العربية لغة رسمية لجميع البلاد الإسلامية التي وقعت تحت حكمها ممّا ساعد على بثّ النعرات الطائفية بين العرب والتراك، ممّا كان له أكبر الأثر في سقوط الدولة العثمانية وانهيارها([21]) إنّ الأمّة المجزأة لغوياً أمّة فقيرة، علماً، وأدباً، وثقافة، وحضارة.
 


العولمة وما بعد العولمة:
       بدأت (العولمة) بمفهومها المعاصر منذ أن دخلت، أو أنتجت أوروبا الحداثة في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وتسارعت مع الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، وأصبحت واقعاً ملموساً في القرن العشرين يشمل النشاط الإنساني كلّه: الاقتصاد، والسياسة، والإعلام، والثقافة، بل عولمة التخمة والغنى والترف، على حساب الخبز والفقر، وعولمة العلم على حساب الجهل والأميّة وفي ظل العولمة المعاصرة لم تعد الفروق بين الشعوب فروقاً اقتصادية أو تقنية، أو علمية، أو سياسية، أو عسكرية فحسب، وإنما امتدّت إلى ما يُسمّى (صراع الحضارات) أو (صدام الحضارات) حيناً، و(حوار الحضارات) حيناً آخر، حيث ألفينا أنفسنا في (عولمة الثقافة واللغة والهوية).
       وفي عالم البحث عن الهوية وتأصيلها تستند اليوم كلّ الشعوب الحيّة إلى اللغة للدفاع عن انتسابها الحضاري، وماضيها، ومصالحها، وبناء مستقبلها، ونهوضها.
       إنّ لأيّة لغة حيّة دوراً أساسياً استراتيجياً في حركة المجتمع نحو المستقبل وذلك بمقتضى وظيفة اللغة التواصلية بين أفراد الأمّة الحيّة، وبمقتضى وظيفتها التعبيرية عن الفكر، وإمكانية خلقها لفرص النمو الشامل اقتصادياً، ومعرفياً، وعلمياً، وفنيّاً، واجتماعياً، ولخطورة الوظائف التي تقوم بها اللغة في الأمّة المعينة تتلاحق الأسئلة:
-    ما العولمة اللغوية؟
-    وهل هناك لغات تفككّت، أو ستتفكك تحت ضغط هذه العولمة؟
-    وهل هناك لغات انتقلت من (المحلية) إلى الإقليمية أو العالمية؟
-    وماذا بعد العولمة.
 
       أمّا عولمة اللغة، فهي ليست "عنواناً لكتاب لا نعرف عنوانه" على حدّ تعبير أحد الفضلاء([22])، ولا هي عنوان لا يحمل مضمونه وخفاياه، إنّها الجانب المهم من (عولمة الثقافة) التي يحتدم اليوم فيها الصراع، وهذه العولمة- باختصار- تدعو إلى "بناء ثقافة كونية ذات عناصر عالمية مشتركة، تتضمّن نسقاً معيناً من القيم والمعايير التي يراد فرضها على شعوب العالم، ممّا قد يؤثّر بالسلب على الخصوصية الثقافية لهذه الشعوب"([23])، وليس بخاف أنّ من أبرز مظاهر هذه الخصوصية الثقافية، والحضارية والدينية لأيّ أمّة لغته.
       إن (عولمة الثقافة) تدعو إلى إيجاد ثقافة واحدة، في لغة واحدة تسيطر، وتسود، وتهيمن على الثقافات الأخرى وذلك عن طريق نشر مضامينها، وأساليب تفكيرها، بل أساليب التعبير، والذوق وأنماط السلوك، والقيم، والتقاليد، والأعراف، والنظر إلى الحياة والوجود، في محاولة منها للحلول محلّ الثقافات الأخرى، ومن ثمّ الحلول محلَّ اللغات الأممية جميعها([24]).
       إنّ هناك في ظل العولمة ثقافة عالمية آخذة في التشكّل والنضج بل الاكتمال، تتجاوز كافة الحدود الثقافية القومية والمحلية الأخرى، قد يقال فيها إنّها ثقافة سطحية، أو استهلاكية، أو مادية أو غير ذلك من النعوت([25]). التي لا يمكنها نفي الحقيقة القائمة وهي أنّ هذه الثقافة (غزو فكري) ينتشر بوسائل كثيرة وفي لغة واحدة بغية السيادة على حساب ثقافات أممية أخرى إنّها تذهب إلى الجذور المعرفية لتراث الأمّة المعينة ثقافياً، وفكرياً وحضارياً، ولغوياً، وليس بجديد إذا قلنا: إنّ عولمة الثقافة، وسيادة اللغة الإنجليزية- مثلاً- على حساب اللغة العربية- كما يريد أكثر من طرف داخلي أو خارجي. أن تسود- أشدّ خطورة وضرراً على العرب من الاستعمار الذي ذاقوا مرارته؛ لأنّ عولمة لغة أجنبية على حساب اللغة العربية الأُم من أخطر العولمات فتكاً واستلاباً للثقافة العربية والحضارة العربية، والمستقبل العربي؛ لأنّ هذه العولمة ستؤدّي إلى قطع صلة أبناء الأمّة بكل شيء يمتلكونه من الإرث الحضاري، والثقافي.
       إن هناك أكثر من لغة من لغات العالم لم تصمد أمام تحديات اللغات الأخرى، سواء أكانت هذه اللغات، أو اللهجات داخل الأمّة المعينة أو من خارجها، فكم من اللغات الهندية، أو الصينية سادت على حساب غيرها من اللغات داخل الرقعة الجغرافية للهند، أو الصين. وكم من اللغات المحلية قد اندثرت بعد أن كانت لغات كاملة الحقوق، فاكتسحتها لغات هجينة أخرى، وتشير الإحصاءات إلى انحسار نطاق عدد غير قليل من اللغات، بل اندثارها، فهناك أكثر من (234) لغة أصلية معاصرة قد اختفت، وأنّ (90%) من اللغات المحلية ستختفي في القرن الحادي والعشرين، والخطير في الأمر أنَّ (32%) من هذه اللغات المحلية موجودة في قارة آسيا، وأنّ      (30%) منها في أفريقيا، و(19%) في منطقة المحيط الهادي، و(15%) في القارة الأمريكية، و(3%) فقط في أوروبا.
       وتشير الإحصاءات الدولية إلى أنّ في (غينيا الجديدة) حوالي (847) لغة محلية، وفي أندونيسيا (655) لغة، وفي نيجيريا (376)، وفي الهند (309)، وفي استراليا (261)، وفي المكسيك (230) لغة، وفي الكاميرون (201)، وفي البرازيل   (185)، وفي الكونغو الديمقراطية (158)، وفي الفليبين (153)([26])، وأكثر هذه اللغات مهدّدة بالاكتساح، والزوال.
       وقد مرَّ القطر السوداني الشقيق بتجربة لغوية مريرة أبان الاستعمار البريطاني للسودان، فقد اختارت الإدارة البريطانية ست لغات محلية وسيلة للتعليم في الصفوف الأولى والثانية من الدراسة الإبتدائية في جنوب السودان لكي تصبح وسيلة التعليم هي اللغة الإنجليزية إبتداءً من الصف الثالث، وبما أنّ عدد لغات الجنوب السوداني يناهز الخمسين، فالذي حدث هو أنّ أطفال القبائل خارج هذه اللغات يضطرون لتعلّم إحدى هذه اللغات بوصفها (لغة أجنبية) لكي يتعلموا بها مدة عامين، وفي الوقت نفسه يتعلمون لغة أجنبية (هي الإنجليزية)، ليستمروا في التعلّم بها فيما بعد، وهذا يعني أنّ الطفل السوداني كان يجب عليه أن يتعلّم لغتين (أجنبيتين) في آن واحد، وعندما تحوّلت لغة التعليم إلى العربية فضّلت المجموعات القبلية أن يكون بالعربية منذ الصف الأوّل، بدلاً من بدء التعليم بلغة عربية لا يستمر التعليم بها سوى سنتين كما أراد الاستعمار([27]).
       إنّ جهوداً كبيرة تبذل اليوم من أجل نشر لغة معينة على حساب لغات أخرى، كما الحال في اللغة الإنجليزية التي يراد لها أن تكون لغة عالمية بلا منازع وأداة الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والإعلامية الأمريكية خصوصاً، والأوروبية الناطقة بالإنجليزية عموماً، على أن يتضاعف انتشار هذه اللغة على أكبر مساحة من العالم، ويعمل (الأنترنيت) على توسيع نطاق هذه اللغة من خلال استخدام كلمات، وعبارات انجليزية كثيرة دون غيرها، تفرض وجودها على كلّ اللغات الأُخرى معبّرة عن ثقافة وقيم استهلاكية قد لا تتناسب مع قيم الأمم العريقة، كالعرب، والصينيين، والألمان، والفرنسيين، والروس، والإيطاليين وغيرهم.
 
ما بعد العولمة:
       لم يتوقف الصراع الأممي اليوم عند حدود العولمة اللغوية، أو الثقافية أو الاقتصادية، أو الإعلامية، أو السياسية، أو غير ذلك من الأحداث، والأشياء، والعقائد، والابتكارات، والمكتشفات، وغيرها من العمليات (المعولمة)، والجارية والمستمرة باستمرار الحياة، بل تجاوز إلى ما هو أنكى على الشعوب، والأُمم حيث برزت الدعوة إلى (نهاية التاريخ والإنسان الآخر)([28])، وهو آخر بيان على الصعيد الفكري الآيديولوجي في الغرب بعد تفكّك الاتحاد السوفيتي، وزوال المعسكر الاشتراكي، وتمكّن أمريكا، وحلفائها من بعض أرض العرب، وبعد أن وجدت أمريكا نفسها على الساحة الاقتصادية، والتقنية، والعسكرية، والسياسية، والإعلامية من غير منازع.
       وقد استند (فوكو ياما) في صيغة هذا البيان على ما تروج له أمريكا من أنّ "لكل شيء بديلاً جاهزاً"، والتاريخ إنّما ينتهي في أمريكا عند انتصار الرأس الغربي (الأمريكي)، المثبّت على جسد هو (إقنوم ياباني) متجسّد بدوره أمريكياً، وماهية هذا الرأس (فكر وتكنولوجيا) حيث الاقتصاد واحد، والثقافة الواحدة متمثلة بالنظام الليبرالي (الأمريكي تحديداً) وحيث الجنة الموعودة (نهاية التاريخ) دنيا "للقبيلة البيضاء والشقراء وحدها، وربّما الصفراء كذلك! في مجتمع النمور النيتشوي. أمّا الآخرون (معظم الإنسانية، فلم يعد تصنيفهم في خانة المتخلفين يكفي للتعبير عن رحلة التصفية الأخيرة"([29]).
       وفي هذه الدعوات والأهداف يجد الجميع نفسه أمام اغتصاب جديد لمفهوم التاريخ وحركته ونهايته، وأمام حركة تريد الاستحواذ على كليّة التاريخ فتخضع كلَّ شيء بما فيه الإنسان، واللغة، والثقافة، والحضارة، بل المعتقد والدين لتشخيصها الممهور بالطابع الغربي الذي يعمل على وأد الزمن الثقافي والحضاري للأمم الأخرى، هذه الأمم التي لا تزال أسيرة التاريخ غير قادرة على التحرّر منه، إنّها الأمم (الميئوس منها) على رأي هؤلاء، والحياة للأمة التي انجزت رحلة التاريخ كلَّها، وفكّت قيودها من أيّ ارتباط لها بالماضي، وتجاوزت صراع: الواقع والمفهوم، وحقّقت جوهر الاكتفاء الذاتي، وهي بذلك جديرة بأن تفرض نفسها أولاً على العالم، وعلى الآخرين الاعتراف بالسيادة والتفوّق والاكتمال.
       بهذا (التعليل الاطلاقي)، ومن غير تقديم براهين مقنعة على حتمية انتصار (الرأس الغربي الأمريكي) تنقلب (نهاية التاريخ) على العولمة، وتتخطاها لتتجاهل أي دور لأيّة أمّة غير أمريكا، فتنقلب الموازنة في النظر العلمي الصحيح إذ تصير الوقائع الاقتصادية والتقنية والعسكرية والسياسية هي الأساس في إثبات صحّة الواقع ووصفهْ، فكان الوقائع وليدة المفاهيم والنظريات مهما كان وصفها وصنيعتها على الرغم من أنها- أعني ال

الكاتب: الدكتور هادي نهر

تاريخ الإضافة: 2008/7/7 - تحميل:



مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2018، المجلس العالمي للغة العربية.