إصداراتنا > أبحاث


واقع اللغة العربية عند أدعياء الحداثة العرب

واقع اللغة العربية عند أدعياء الحداثة العرب

 

الدكتور: مصطفى البشير قط
مكان العمل : جامعة محمد بوضياف بالمسيلة / الجمهورية الجزائرية
 الجنسية: جزائري
الرتبة الأكاديمية: أستاذ محاضر/ تخصص أدب عربي
الهاتف النقال: 21374087068 00                                              
البريد الالكتروني:bachir_ga07@yahoo.fr                  
فاكس: 30-96-55- 35(00213)                                       
 أو : 86-21 -55- 35(00213)                 
 
نص المداخلة في المؤتمر الخامس للمجلس العالمي للغة العربية
"اللغة العربية – الواقع- ومشروع الأمة الحضاري"
 
 
عنوان المداخلة
واقع اللغة العربية عند أدعياء الحداثة العرب
 
 
 تعرضت اللغة العربية عبر تاريخها الطويل لكثير من محاولات الهدم والتشويه والمنافسة من اللغات الأجنبية الوافدة، ولكنها ظلت شامخة عصية عن النيل منها لأنها لغة القرآن تبقى ما بقي، وقد تعهد الله ببقائه فقال عز وجل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) ، فحفظ القرآن هو حفظ للغة العربية لغة القرآن.
وفي العصر الحديث واجهت اللغة العربية كثيرا من التحديات، وكان أخطرها على الإطلاق دعوات بعض الحداثيين العرب ممن يتخذون الحداثة ستارا لدعواتهم المشبوهة في الكيد للغة العربية بغرض هدمها والقضاء عليها خدمة لمشاريع غربية هدفها السيطرة والهيمنة على هذه الأمة بالقضاء على مقوم من أهم مقوماتها وهو اللغة، وهكذا أفرزت لنا الحداثة العربية في نسختها الغربية كثيرا من الأفكار الهدامة تحت حجة التقدم وضغوط العولمة؛ كالدعوة إلى العامية، وكتابة العربية بحروف لاتينية ، والتخلي عن القواعد النحوية باسم تيسير النحو بحجة صعوبته، والابتعاد عن البلاغة والعروض، والتخلي عن كل ما هو موروث، بما في ذلك القرآن ولغة القرآن.. وما إلى ذلك من الشبهات التي يروج لها باسم الحداثة أدعياء الحداثة.
ولا بد من الإشارة بداية إلى أن مصطلح الحداثة يعد من المصطلحات المائعة التي يصعب الإمساك بتلابيب تعريف محدد لها، وهي من المصطلحات التي تشيع في نقدنا الأدبي الحديث، فضلا عن حقول معرفية أخرى، والتي يلهث وراءها مفكرونا ونقادنا المحدثون ،ولا ينفكون يستعملونها - مع ما تفرزه من أفكار هدامة على اللغة والأدب والفكر- في ممارساتهم الفكرية والنقدية عن علم وفهم في بعض الأحيان، وعن جهل وسوء فهم في أحيان أخرى، فماذا يقصد بالحداثة؟
إذا تتبعنا المفهوم اللغوي للفظ " الحداثة " في المعجمات العربية نجد معناها يدور حول الشيء المستحدث ،الجديد، ففي الصحاح مادة " حدث " يقول الجوهري: " الحديث: نقيض القديم.. والحدوث : كون شيء لم يكن .. واستحدثت خبرا،  أي : وجدت خبرا جديدا ، قال ذو الرمة:
استحدث الركب عن أشياعهم خبرا        أم راجع القلب من أطرابه طرب1 )(
وفي القاموس المحيط المادة نفسها يقول الفيروزآيادي:" حدث حدوثا وحداثة نقيض: قدم... والحديث الجديد" 2 )(.
وانتقل هذا المصطلح في تراثنا من المجال اللغوي إلى المجال النقدي ليستعمل في إطار قضية الصراع بين الشعر القديم والشعر المحدث،معبرا عن الحركة الشعرية الجديدة التي عرفت في العصر العباسي بفعل التطور الحضاري الحاصل ،وانتقال العرب من طور البداوة إلى طور الحضارة ، والذي كان من إفرازاته ظهور تيار جديد في الشعر استحدث أشياء لم يعرفها السابقون ، وغير في بناء القصيدة العربية ، وفي موضوعاتها، وفي لغتها وأفكارها ، ولكنه كان تطويرا من داخلها ، ولم يفرض عليها هذا التطوير من الخارج فرضا كما هو حاصل الأمر بالنسبة للشعر العربي المعاصر، وبالتالي فلم تكن الأسئلة المطروحة على الحداثة أنذاك بالحدة نفسها وبالريبة والشكوك ذاتها المطروحة على حداثة العصر الراهن ، إذ لا أحد في ذلك العصر كان يشكك في صحة النسخة العربية من الحداثة الشعرية ، بما في ذلك المتعصبون ضدها من علماء اللغة والنحو والرواة الذين كانوا يتعصبون للشعر القديم، ويرون فيه المثل الأعلى ويرفضون كل ما عداه،ومع ذلك لم يطرحوا أسئلة تشكيكية في "هوية" الشعر المحدث.
أما حداثتنا اليوم فهي محل شك ،ومحل تساؤلات في هويتها وانتمائها " ولا نجافي الصواب إذا قلنا إن المشروع الحداثي الذي يتبناه نقادنا المعاصرون يختلف عن سابقيه، لا لشيء إلا لأنه يحمل في طياته خصوصيات فكرية وفلسفية لحضارة مغايرة، بل معادية للحضارة الإسلامية" )3 (.
وإذا عدنا  إلى لفظ "الحداثة"  لنحدد مفهومه كمصطلح نقدي معاصر دخل ساحة اللغة العربية بقوة، فإننا نجد تضاربا كبيرا في تحديد هذا المفهوم بين النقاد والدارسين، مما يصعب على الباحث الخروج بمفهوم محدد ودقيق لهذا المصطلح النقدي ،إذ يجد نفسه في دوامة من التساؤلات: هل الحداثة هي قطع الصلة بالموروث القديم والخروج عنه؟ هل هي مرتبطة بالتحول أم بالثبات ؟ هل هي التزام بقواعد معينة،أم هي خروج على كل القواعد والأشكال الفنية في محاولة للتمييز والتفرد؟
إن الدعوة إلى الحداثة عند الأدباء والنقاد العرب المعاصرين كانت عن تأثر بالأدب والنقد الغربيين ، ولم تكن تطويرا لتراثنا الأدبي والنقدي -  وكعادتنا في ولعنا بكل ما هو غربي -لهث كثير من نقادنا وراء الإفرازات الأدبية والنقدية لهذا المصطلح،وبينما كان الناقد الانجليزي"ت.س.إليوت" رائد التجديد في الأدب الحديث يعتد بالموروث الشعري ، راح نقادنا المنبهرون بالحداثة يضربون عرض الحائط بكل ما هو موروث قديم في تراثنا باسم " الحداثة ".
ولقد انطلقت الدعوات التنظيرية للحداثة من لبنان،لأنها الأكثر انفتاحا على مناهل الثقافة العالمية، وفي ذلك يقول جهاد فاضل: " في موضوع الحداثة تبدو مدينة بيروت شبيهة بمدينة ما ذكرها الفارابي في مدينته الفاضلة، مدينة تمضي الوقت في التنظير للحداثة، أكثر مما تمضيه في إبداع الحداثة، مدينة تتقن كل النظريات التي تدور حول الحداثة، ولكن نادرا ما مارست الحداثة والريادة والابتكار والخلق...منذ الخمسينات دأبت بعض الشلل الأدبية في بيروت وعن عمد على استخدام كلمة الحداثة...وكانت الحداثة التي مارسوها في بيروت خلال أكثر من ربع قرن نقمة عارمة على التراث"  )4 (.  
ويعتبر " أدونيس" علي أحمد سعيد أول رائد للحداثة على الساحة العربية،وقد تبنت فكرته حول الحداثة مجلات عربية مثل مجلة "حوار" و " شعر" و "آداب".
هذه إشكالية أولى بالنسبة للحداثة ؛ إشكالية تحديد مفهوم دقيق لهذا المصطلح،وهي إشكالية تنسحب على الكثير من المصطلحات النقدية المعاصرة التي دخلت اللغة العربية.
الإشكالية الأخرى بالنسبة للحداثة هو أننا نقرأ الكثير من الكتابات النقدية التنظيرية للحداثة، ولكننا لا نلمس شيئا من هذه الحداثة في شعرنا العربي المعاصر، فهل بالتنظير وحده تتم الحداثة؟!
إن هناك صدعا كبيرا بين الشعر العربي المعاصر، وبين الحياة العربية المعاصرة ؛ أصبح الشاعر العربي المعاصر يحلق في فضاءات لا تمت إلى الواقع العربي بصلة ، فضاءات خرافية أسطورية تعود إلى العصور اليونانية، متبنيا فلسفات غربية هي وليدة ظروف حضارية لا تعيشها الأمة العربية ، وبذلك " لم يعد هذا الشعر ديوان العرب كما كان الشعر القديم")5(.
لقد أغرق الشعر العربي المعاصر في حداثته إلى درجة الخروج عن كل القواعد اللغوية والفنية عبر ما سمي بقصيدة النثر،وهو مصطلح ظهر لأول مرة على صفحات مجلة " شعر" سنة 1958)6(، ونظر لها أدونيس من خلال مقال له بالمجلة نفسها أعلن فيه عن ميلاد حركة شعرية جديدة تعصف بالمفاهيم الشعرية القديمة أو بالأحرى تعصف بمقومات الشعرية العربية التي تأسست على مدى عدة قرون، ثم أخذ المصطلح بعد ذلك تسميات متعددة ؛ فهو طورا قصيدة النثر ، وطورا الشعر المنثور ، وطورا آخر النثر الشعري ...الخ .
 وقد تميز هذا النوع من الشعر بالضبابية والغموض والإلغاز، والإسفاف، والضعف اللغوي، والخرق لقواعد النحو والصرف والبلاغة والعروض ، نتيجة للقصور في الرؤية ، والعجز في الأدوات الفنية.
ويحمل عبد الوهاب البياتي مسؤولية ذلك لأدونيس لأنه في محاولاته في مجلة مواقف يشجع مثل هذه الاتجاهات، ويقول: "إن أغلب ما ينشر في "مواقف" خاصة الشعر، تافه ورديء وصدى لقراءات ناقصة مشوهة، يعكس صورة للإمراض النفسية والقلق والضياع والفراغ والعقم الذي يعيشه من يكتبون فيها، فهي إذن أشبه "بمارستان" يعج بالمعتوهين والمرضى والثرثارين" )7(، ويقول عن محاولات أدونيس كتابة قصيدة النثر خاصة في كتابه "مفرد بصيغة الجمع" : "لم أستطع قراءته،فقد قرأت منه سطرين ورميته جانبا، لأنه ليس بشعر ولا بنثر بل هو جنس ثالث هجين مفكك ليس فيه صورة أو فكرة أو تجربة، ويدل على أن كاتبه مصاب بمرض يستعصي شفاؤه، كما أن اللغة في هذا الكتاب من خلال السطرين الذين قرأتهما فيه تدل على إفلاس كاتبه وهبوطه الشعري الشنيع، ولجوئه إلى مثل هذا النثر السقيم")8(
وهكذا نلاحظ كيف ارتبطت دعوات الحداثة عندنا بأفكار مشبوهة باعتراف الغربيين أنفسهم، ففي دراسة مطولة موثقة نشرتها الباحثة البريطانية " فرانسيس سوندرز" بعنوان: "من الذي دفع أجر العازف؟ دور المخابرات الأمريكية في الثورة الثقافية"، كشفت هذه الدراسة دور المخابرات الأمريكية في تمويل أنشطة ثقافية مختلفة، ومن بينها مدارس الحداثة في دول عديدة من العالم، كما كشفت عن أن جزءا كبيرا من ميزانيات أقسام " اللغويات" في الجامعات الأمريكية الكبرى التي يؤمها الطلاب من مختلف أنحاء العالم ومنهم العرب للتحضير لأطروحات الماجستير والدكتوراه ، كانت تأتي من المخابرات الأمريكية عن طريق مؤسسات ثقافية مرموقة، أو مؤسسات وهمية كانت تؤسس لهذا الغرض)9(،  وطبعا قد يندهش البعض من تدخل المخابرات الأمريكية في "درس  اللغويات" ولكن هذه الدهشة سوف تزول حينما نعلم أهمية " اللغويات"  في الحداثة الأدبية والنقدية.
و في هذا المجال شن كثير من الحداثيين العرب الحرب على اللغة العربية بقصد هدمها والقضاء عليها، لأن في ذلك قضاء على التراث وعلى القرآن تمهيدا للانسلاخ من الهوية ومن الذات (الشرق المتخلف) والارتماء في أحضان الآخر (الغرب المتقدم)، بعد أن مهد لهم الطريق محاولات للمستشرقين في الدعوة إلى العامية والابتعاد عن الفصحى؛ مثل القاضي الإنجليزي سلدن ولمور الذي صدر له كتاب عام 1901 بعنوان "العربية المحلية في مصر" دعا فيه إلى نبذ الفصحى وهجرها وإلغاء الحرف العربي واستبدال اللاتيني به والسماح للعامية بالانتشار)10(، ووليم ولكوكس الذي ألقى محاضرة عام 1893بعنوان" لم لاتوجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن؟" وقد رد السبب إلى العربية الفصحى متهما إياها بالجمود والتخلف، وزاعما أنها تعوق العرب عن التقدم والحضارة متناسيا أنها " استطاعت في العصر العباسي أن تستوعب حصيلة ما وصل إليه الإنسان إ> >اك من المعارف والعلوم، فأرست قواعد وأصولاواضحة في اختيار الألفاظ اللغوية الدالة على تلك المعاني والمصطلحات العلمية")11(، وتسلم المشعل منهم تلاميذهم من المستغربين أمثال قاسم أمين ولطفي السيد وعبد العزيز فهمي الذي نادى في المجمع اللغوي سنة 1943 بكتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية وإلغاء الحروف العربية)12(،  وقد استمرت "هذه الحرب اللغوية في لبنان على يد سعيد عقل الذي يؤمن بوجود لغة لبنانية محكية تستمد عناصرها من الفينيقية والآرامية والسريانية وحتى من اللاتينية وغيرها" )13(، وقد طالب سعيد عقل بكتابة العربية بالحروف اللاتينية، كما طالب بإدخال تعديلات جوهرية على الكتابة العربية بحيث يقتصر على كتابة الحروف المنطوقة فقط ويرى أن "الكتابة العربية لا تخضع لقواعد عقلية دقيقة، بل تقوم عل قواعد لامعقولة " )14(،وهو بذلك يريد إلغاء الإعراب جملة لهدم أساس اللغة العربية التي هي مقوم من أهم مقومات وحدة الأمة،و"بهذه الفكرة يطعن وظيفة اللغة العربية الفصحى في الصميم")15(.
وجاء من بعده يوسف الخال صاحب شعار (اختراق جدار اللغة) وطالب بإلغاء الإعراب ، والاستغناء على عدد من الضمائر،والاكتفاء باسم واحد من أسماء الموصول وهو " اللي"، وقام في شعره بمحاولات لهدم اللغة العربية واستحداث قواعد جديدة مثل إدخال "ال" التعريف على الفعل المضارع على نحو ما نجده في قصيدته "الوحدة" من ديوانه(البئر المهجورة) :
   بلى، وكنا الشاطىء اليشده
   شاطىء طموحنا الرهيب، المغارة اليقبع
   فيها ألسباد، الشرفة اليطل
   منها قيصر وهنيبعل، الموكب اليشق
   دربه الصليب
 وما إلى ذلك من الخزعبلات التي يهدف من ورائها إلى هدم اللغة العربية الفصحى، وقد تصدى يوسف الخال للمدافعين عن اللغة العربية القائلين بأن الفصحى لغة القرآن الكريم وأنها عامل من عوامل وحدة العرب قائلا:"...ثم إنه باستطاعة العربي أن يدرس الفصحى كموضوع دراسي، ويقرأ التراث والقرآن ، وهناك شعوب إسلامية تقرأ القرآن وتصلي به وهي لا تعرف العربية ..." ، وقال رادا على أن الفصحى عامل من عوامل وحدة العرب: "... فماذا تفيد وحدة العرب إن هي قامت على أسس مزيفة ومصطنعة (يقصد العربية الفصحى لأنها ليست لغة الكلام اليومي)... وهناك من يقولون : إن الأخذ بلغة الكلام هو من وحي المستعمرين، والحقيقة هي أن عدم الأخذ بها هو الذي من وحي المستعمرين وإسرائيل في الطليعة ، فهم يشجعون على التعلق بالفصحى لتعميق الازدواجية في الفكر العربي من جهة ،ولإبقاء العربي مشدودا إلى حقائق لا صلة لها بواقعه من جهة أخرى" )16(، وللترويج لأفكاره الشعوبية هذه أنشأ يوسف الخال مجلة " شعر" سنة1957 ، وقد " كشف العدد الأول من المجلة عن توجه نحو تبني العامية وإعطائها دورا مجاورا للغة الفصحى في الشعرية العربية... وجاء في العدد نفسه دعوة المجامع اللغوية العربية إلى اتخاذ موقف أكثر حزما من قضية تطوير اللغة وتيسيرها ... ويبدو أن الخال أراد النهوض بالدور المفترض للمجامع اللغوية" )17(.
وفي زعم يوسف الخال فإن أهم الصعوبات التي تحول دون تحديث العقل العربي تتمثل في اللغة التي نستعملها على مستويات ثلاثة: لأننا نفكر بلغة ، ونتكلم بلغة، ونكتب بلغة ، وقد دعا الخال كحل لهذه المشكلة إلى الكتابة بلغة الشعب لغة الحياة "وتجاوز كل الحرص الذي يبديه التقليديون على المحافظة على تجميد اللغة في قواعدها القديمة المتوارثة،لأن هذا الحرص يؤكد حقيقة راسخة وهي أن العقل العربي ليس حديثا بعد" والحل " الحداثي" الذي يقترحه الخال هو استعمال " لغة الكلام / اللغة المحكية " المتطورة على ألسنة شعوبها، فهذه هي لغة الحاضر والمستقبل واستخدامها في الكتابة كما في الحديث أمر محتوم في اعتقاده)18(، ذلك بعض مما يشن من حرب شعواء على اللغة العربية باسم الحداثة من أبناء جلدتنا للأسف الشديد بأقلامهم المأجورة من أعدائنا.
إن أدعياء الحداثة عندنا يعتقدون أنهم يتحركون بإرادتهم ،ولكنهم في الحقيقة ليسوا كذلك لأنهم مثل رقعة الشطرنج تحركهم أيد خفية على علم منهم، أو عن غير علم.
ولا يعني ما سبق قوله أنني أدعو إلى الانغلاق على ثقافة الذات، وعدم الانفتاح على ثقافة الآخر، فذلك لا يمكن أن يحقق لنا نهضة بقدر ما يسجننا بين جدران الماضي ، ويحرمنا من " ميزة المقارنة وميزة التجديد ، والوقوف على الأساليب الجديدة للتنقيب في الفكر والمعرفة والثقافة" )19(، ولكنني أدعو إلى الانفتاح الواعي بخصوصيتنا الثقافية والحضارية، وأن نعرف كيف نفيد من اتصالنا الثقافي بالآخر بدون أن نحدث قطيعة معرفية مع تراثنا ،كما يفعل أغلب النقاد والباحثين الذين تبنوا مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة الغربية بكل ما تحمله من تراكمات معرفية وإيديولوجية .  
ليس من وكدي في هذه المداخلة أن أزرع اليأس و التشاؤم ، ولكن الصورة تبدو أشد قتامة مما رسمته، فقد أودت بنا حداثة الآخر - التي نتبناها بدون تطويع لها لتنسجم مع هويتنا وخصوصيتنا الثقافية - إلى حالة من التخلف والانحطاط والاستلاب ، وأدخلتنا في نفق مظلم ما أخالنا ندرك بصيص نور الخروج منه في المستقبل القريب.
 
الهوامش :
)1(الصحاح: للجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، بيروت، دار العلم للملايين،1974،مادة(حدث).
2 ) (القاموس المحيط : للفيروز آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1999 ، مادة(حدث).
) 3 (إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر:عبد الغني باره ،الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،2005، ص5
 ) 4 (قضايا الشعر الحديث: جهاد فاضل ،دار الشروق، بيروت، ط1 ، 1984، ص 71- 72.
)5 (الإبهام في شعر الحداثة : د/عبد الرحمان محمد القعود ، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2002، ص296.
)6 (قصيدة النثر من التأسيس إلى المرجعية:عبد العزيز موافي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،2006، ص135.
)7 ( قضايا الشعر الحديث: جهاد فاضل، ص212.
)8  (المرجع السابق، ص213.
)9 ( ينظر المرجع السابق،ص:35،73-75 .
)10( ينظر اللغة العربية نظامها وأدبها وقضاياها المعاصرة:د/محمود أحمد أبو عجمية،دار الهلال،عمان،الأردن،ط3، 1990، ص:114
)11 ( المرجع السابق، ص:116
)12( ينظر أدباء ومواقف: رجاء النقاش، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ص63-65
 )13 ( من الوجود العربي:د/عمر موسى باشا،دار المعارف للطباعة والنشر، تونس،د.ت،ص72.
)14(أدباء ومواقف: رجاء النقاش، ص56.
)15  (المرجع السابق، ص69.
)16(ينظر مقال تجديد القديم وتقويم الجديد، مجلة الأمة ، الدوحة، قطر، العدد 53، السنة الخامسة، شباط"فبراير"1985 ، ص23.
)17(قضايا النقد والحداثة: ساندي سالم أبو سيف،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1،2005 ، ص186.
)18(المرجع السابق ، ص188.
)19 ( مشكلات الحداثة في النقد العربي: د/سمير سعيد،الدار الثقافية للنشر، القاهرة، ط1، 2002، ص:10.

الكاتب: الدكتور: مصطفى البشير قط

تاريخ الإضافة: 2008/7/7 - تحميل:



مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2018، المجلس العالمي للغة العربية.