إصداراتنا > أبحاث


اللغة وإعلام العولمة

اللغة وإعلام العولمة

 

اللغة وإعلام العولمة
د . محمد مقدادي
                                                                   الأردن
                                                                  جامعة الباسيفيك الأمريكية
 
تمثل اللغة – أية لغة – وعاءً جامعاً للثقافة وطريقة ً للتعبير ووسيلةً للحلم والتفكير الذي تتحدّد بناءً عليه رؤية أهل اللغة للعالم ولأنفسهم وللطريقة التي يعبُرون بها إلى مجاهل العالم أخذاً وعطاءً في عملية تبادلية فاعلة ومنفعلة .
وهي، أي اللغة ، بهذه الصفة تعتبر معقلا من معاقل الدفاع عن الهوية الوطنية والقومية كونها تعبِّر تعبيراً دقيقاً وأميناً عن ذات الأمة وشخصية الشعوب المنتمية لها ، والتي تنفرد بما يميِّزها عن الشعوب الأخرى التي تتحدّث بلغة غيرها، فتمارس بها طقوسها ، وتشتمل عليها مفرداتُ علومها ومنجزاتها التاريخية والحضارية ، مما جعل من اللغة  إفرازاً  خاصاً تمايزت به الشعوب فيما بينها ، وتعاملت معه بقدسيّة عالية ، حتى بات المساسُ به مساساً بمُكّوِّن أساسي من مكوّنات الأمة التي تفخر بامتلاكها له ، حتى اعتبر البعض أن اللغة هي الأساس الصّلد الذي تقوم عليه قصةُ الأمّة ، وباتت اللغة والهوية صنوان يصعب الفصل بينهما إن لم يكن مستحيلاً ، وبعضهم شدّد على " فهم الهوية" باعتبارها ظاهرة لغوية وخاصيّةً من خصائص اللغة ، ووظيفةً من وظائفها الأساسية (1)
فهل بالإمكان – مثلاً – الفصل بين الأمة العربية ولغتها ؟ بل ماذا يتبقّى من العروبة أصلاً لو أنها تخلّت عن " عربيَّتها " واتّخذت من اللغة الصينية أو الإسبانية أو التركية ، لغة للتداول الرسمي والشعبي في أوساطها .. ثم ألم يكن السّعي بكافة الوسائل ، من قبل قوى الإستعمار التي تربعت على أديم المغرب والمشرق العربيين ، لسلخ هذه الشعوب عن أهم عنصر من عناصر وحدتها ألا وهو اللغة بفرض لغة المستعمرين في الشوارع والمؤسسات ومناهج التعليم على شعوب المنطقة ، وفتح أبواب الجامعات والمعاهد الغربية لنفر أُريد له أن يعود محمَّلاً باللغة والأفكار المكرّسة لخدمة مشروع " الإذابة التدريجية " في بوتقة الحضارة الغربية التي ترى في تغيير اللغة إيذاناً ببدء التغيير الكلّي للمجتمعات ، تمهيداً لسلخها عن تاريخها الإنساني ومنجزها
 
(1) جون جوزيف ، اللغة والهوية ، سلسلة عالم المعرفة ، 342 ، آب 2007
الحضاري ، ووضع حدٍّ للمقاومة والثورة التي تمارسها تلك الشعوب
 على قوى الإحتلال الغازية ، والتي لو أفلحت في تغريب الشعوب العربية عن لغتها لجعلت منها تابعاً أزلياً لهذا الغرب الذي تفرّد باستعمار شعوب الأرض طمعاً في خيرات بلادها وعرق أبنائها .
إن الذين يجرّدون اللغة من محتواها الإنساني ، إنما يريدون الإبقاء عليها رهناً لنزعات علماء اللغة الذين يعيثون بها فساداً وهم يجعلون جلًّ أبحاثهم متركِّزَةً على أنماط التحليلات البنائية  السطحية للغة ، وعلى الأنماط الصّوتية فيها ، وهو ما يقلل من شأن اللغة ، ولا يساعد على تحسين مستوى علومها ونظرياتها إذ لا بدّ من ردّ الكثير من ظواهر اللّغة إلى بعدها الإجتماعي الذي تعمل العولمة على أساسه ، وتستند إليه، وهي تبتكر وسائلها الفريدة للإنقضاض على الشعوب المستهدفة في عمليات التغيير الشامل التي تلبّي رغبة قوى العولمة الإستعمارية ، في تحقيق هيمنتها المطلقة على مقدّرات الأمم المستضعفة ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
إن الذي جرى للهنود الحمر إبّان الغزو الأروروبي للقارة الأمريكية على يد المتطهرين ، هو خير مثال يستدلُّ به على أهمية اللغة ودورها في صون هوية الأمة والحفاظ على معالمها الإنسانية ، فقد تحول هؤلاء الهنود – بمرور الوقت - إلى مجموعات " بشرية " لايحقّ لها أن تستعمل لغاتها البدائية إلا في داخل الأسيجة المسوّرة بها معازلُها التي مازالت تفوح منها رائحة الموت ، والإهانة التاريخية ، بعد أن حُرِّم عليها مجرد التخاطب بلغاتها " الأم " أو أن يُسمِّيَ أحدُ أفرادها مولوده  بغير الأسماء الأمريكية التي يتداولها ذوو الرّقاب الحمراء من حملة مشاعل الحرية والديمقراطية ، وإذا ماسوّلت لأحدٍ نفسُهُ الأمّارة بالسّوء أن يفعل غير ما تُمليه عليه القوانين الطاغوتية الصّارمة ، فإنه سيُحرَمُ من تسجيل أبنائه في السّجلاّت الرسمية ، وستُحجب عنه  الخدماتُ  الشحيحةُ  التي  ينالها  من  " مجالس شؤون الهنود الحمر " هذه المجالس  التي يديرها  بعضٌ من أبناء جلدته المتورِّطين في خدمة الحكومة الفيدرالية المُمعنة في إذلال من تبقّّى من السكان الأصليين  على قيد العيش ، دون فعلٍ أو انفعال ، لأن كلا الأمرين محظورعليهم في تلك الزرائب الخَرِبَة ، تمادياً في مصادرة الوعي وتشويه الذّاكرة الجمعيّة التي جرى تفريغها من كل ماهو جوهري مُبَجَّل ، وإعادة ملئها بسيل من الخرافات والأباطيل ، وأكاذيب الحضارة والتمدّن ،التي وجدت من بين الهنود الحمرأنفسهم من يتبنّاها ويدافع عنها بما يستطيع .
مثلما أن القارة الإفريقية التي انقسمت شعوبها إلى فسطاطين وفقاً للغة التي يتداولها كلٌّ منهما ، واحدٌ تابع لفرنسا " إفريقيا الفرانكفونية " وآخر تابع لإنكلترا " إفريقيا الإنجليزية " وهي شعوب تمتلك ذخائرها اللغوية الخاصة بها ، قبل أن تحرمها الحقبة الإستعمارية من التواصل من خلالها ، وهي – أي اللّغة -  ليست مفردات مجردة وخاملة ، بل هي كائنات ذات محتوى ثقافي وفكري وتراثي جامع ٍ لكل المُركَّبات والعناصر التي أنجزتها الشعوب خلال تاريخها الكفاحي الطّويل ، وما رافق الرحلة من عرقٍ مالحٍ ، ودمٍ ودموع .
إن الواقع المعاش – في عصر العولمة وما يشتمل عليه من حقوقٍ للقوة وتكريس ٍ للإستكبار - يحتّمُ العودة إلى القانون اللغوي الذي أورده      " ابن خلدون " والقائل بأن غلبة َاللغة بغلبة أهلها ، وبأن منزلتها بين اللغات تعبّر عن منزلة دولتها بين الأمم "
وهو امر دفع عالم النحو الإسباني " أنطونيو نيبرِخا " للإفصاح عن غايات ثلاث يبتغيها بتعظيم اللغة الإسبانية وهي : تعظيم الأمة ، واستخدام أفضل لعقول الناس ، ومنع اللغة من التحول (1)
وفي رسالته التي وجهها للملكة " إيزابيلا " يقول فيها :
" وبما أن صاحبة الجلالة وضعت تحت سيطرتها شعوباً همجيةً عديدة ، وأمماً ذات لغات غريبة ، وبالإنتصار عليهم ، أُرغِموا على تقبُّل القوانين التي يفرضها الفاتح إلى جانب لغتنا " (2)
فباللغة ستتمكن الإمبراطورية الإسبانية من فرض وجودها ، وتأدية وظائفها وستتوسّع هذه الامبراطورية ما توسّعت " رفيقتها " اللغة الإسبانية 
واللغة باعتبارها حاضنة للفكر وللعلوم وللثقافة بمفهومها الشامل ، حَرِيّةٌ بالتصدّي لكلّ مامِن شأنه أن يمسَّها بمكروه ٍ أوأن يُلحِقَ بها شيئاً من الأذى ، أو يجبرها على التقهقر والإنحسار ، ولا بدّ من الإعتراف بأن إجراءات العولمة وقوانينها الصارمة ، وشروطها الفوقية التي انصاع لها الكثير من السّاسة ، وأغرت بمظاهرها الزّائفة بعضٌ من المفكرين وقصيري النّظر، لا يمكن التّطلّع إليها باعتبارها إجراءات بريئة تتناول الجوانب الاقتصادية والسياسية ، وتحمل  - زوراً وبُهتاناً -  مشروعاً إصلاحيّاً  فحسب ، بل تتعدّاها لتنقضّ على المكوِّنات الجوهرية للأمّة ، فالحدود المفتوحة ، والجغرافيا المهشّمة والسيادات الوطنية المبتورة ....
 
(1 ، 2)  أنطونيو نيبرخا ، كتاب النحو الإسباني ، المقدمة  ص 9، 11
والمُتجَاوَزَة ، والشركات العابرة للقارات والأفئدة والجيوب ، والفضاء الكونيّ الذي يزخر بمنتجات إعلامية وثقافية مريبة ، تهطل على مدار الساعة ، مخترقة على الآمنين سكونهم وطمأنينتهم ، إنما تؤدّي دوراً اختراقياً لكافة الدُّشَم القوميةِ المتخندِق على أطرافها العارفون بالتفاصيل الموجعة ، والقابضون على جمر وحقيقة حلم الأمة في الحفاظ على عناصر تشكُّلها ، ومقومّاتِ وجودها ، وحيثيات بقائها على قيد الفعل والإضافة ، من لغةٍ ، وميراثٍ ثقافيّ يمكِّناها من الإسهام في بناء المُشتَرك الإنسانيّ الرّفيع ، بما ينفع الناس ويمكث في الأرض .
إن مشكلة العولمة ، وهي تتصدّى لقيادة زمام الأمور لشعوب الكون وفي مقدّمتها أمتنا على وجه الخصوص ، تكمن في تبنيها فكرة الخلاص من الآخر الذي يواجه مشروعاتها الرامية لتوحيد العالم وفقاً لثقافتها ورؤاها ، بتعميم أنماط السلوك الغربي "السامي" حيث أوكل الرّبُّ  لهذا الغرب المتفوّق عرقيّاً ، مهمة قيادة العالم المتخلف الذي لا يمتلك غير الجهل والمرض ، ولن يتحقق للغرب مبتغاه إلاّ بتعميم النموذج الليبرالي الغربي الذي أكّد انتصاره على سواه من النماذج المعاصرة له مما دفع ببعض مفكري الغرب الرأسمالي إلى وضع نظرياتهم حول نهاية التاريخ (1) وصراع الحضارات (2) الذي بات أمراً لا رادَّ له ولا خلاصَ من تبعاته ، إلاّ بشنِّ الحروب الإستباقية على الشعوب الحاملة لحضارات وثقافات مرشّحة لممانعة المشروع الإستعماري الجديد والمتجدّد .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
(1) فرانسيس فوكوياما ، المفكر الأمريكي ، صاحب نظرية نهاية التاريخ .
(2) صومئيل هنتنغتون ، صاحب نظرية صدام الحضارات .  
 
   
الإعلام واللغة:
 
     للمصادرة الثقافية شرطان أساسيّان،وفق رؤية "العولمة" يعملان على تهيئة الظروف المتّفقة معها:
الأول: ينطلق من مقولة " إن كلّ ثقافة إنسانية - شأن كل لغة - هي كلٌّ لا يتجزّأ،فإذا كان لا بدّ من تغيير الأفراد والجماعات البشرية(ولا بدّ من تغييرهم) فيجب أن يتمّ تحويلهم من نمطٍ كلّي متكاملٍ ، إلى نمط جديد كلي ومتكامل أيضاً، بإعادة التشكيل الثقافي للمجتمع بعد ضياع ملامحه،وتماهي قيمه واضمحلال ثوابته التاريخية والإنسانية".
والثاني: ينطلق من قاعدة "إن من أهم عوامل النقض الشامل لثوابت المجتمعات يكمن في تداخل وتشابك العلاقات الاقتصادية والسياسية لتصبح جميعَها في دائرة النشاط المغناطيسي القادرة على تحويلها إلى عناصر طيِّعةٍ،ومكوناتٍ قابلة لامتصاص كلَّ ما يَفِدُ إليها،استجابة لشروطه،واستسلاماً لإرادته الجامحة . وهو ماتعمل على تحقيقه وسائل الإعلام بما تمتلكه من قدرات هائلة على التأثير والإتصال غير المنقطع .
   وإذا كانت عولمة السياسة والاقتصاد والأمن قد جعلت العالم يسير إلى غابات ضلاله،استجابةًً لطغيان منطق القوة،وإذعاناً لمشيئتها،فإن لقوة البغي مآربها التي لا تبلغ شيئاً منها،إلا باستكمال حلقة العولمة،لتشتمل على الإعلام واللغة، بغية الولوج إلى أقصى فجوات الروح،إمعاناً في اضطهاد الأمم ، وإعادة تشكيل نسيجها على النحو المطلوب.
 
عولمة الإعلام:
 
   إذنلا بد من إعلام معولم ينطلق خطابُه من قراءة دقيقة لواقع المجتمعات المستهدفة،مستنداً إلى قاعدة معلوماتية تحقق له هذه القراءة، وتقودُه إلى دراسة سبل امتداد مؤثراته، ووسائل انتشارها وإمكانية تطوير العوامل المساعدة على تغلغلها في نسيج الواقع، لتصبح جزءاً من جوهره،وخاصيَّة من خصائصه.
   والإعلام في هذا السياق،ليس فعلاً مجرداً من الأهداف ،أو عملاً لا ضابط له،وليس علماً منفرداً بذاته،بل هو علم مستند إلى جملة من العلوم والفنون التي تخاطب الحواسَّ وتواجه النفس البشرية بعد أن تكون قد رصدت المجتمعات الموضوعة في دائرة الاهتمام الإعلامي،وجمعت البيانات وعملت على تبويبها،وحددت غاياتها،وخلصت إلى تجهيز أدواتها واستخدمت وسائلها الكفيلة بتحقيق الاستراتيجية الإعلامية التي وضعت خدمة للغايات التي يعلن السياسيون والاقتصاديون عن بعضها ويبقون على أهمها في صدورهم وملفات أجهزتهم إمعاناً في التآمر على مصالح الشعوب ومقدراتها.
   إن أهمية الإعلام تكمن في إنتاج المعرفة التي تقود إلى صناعة الأفكار، والترويج للسياسات والثقافات والسلع والسلوك، من خلال قنوات إعلامية تساهم في إعادة تشكيل الرأي العام، الذي ينساق انسياقاً أعمى خلف أبواق الدعاية السوداء، بعد أن يكون الناس قد تخلّصوا من أحمالهم من القيم والثوابت ، وباتوا مجرد كائنات تستهلك كل ما يقدّمه الآخرون لها على مائدة جوعها الفكري، وحرمانها السياسي، ويأسها الاجتماعي والاقتصادي، وليس أمامها، وقد تشوهت قيمُها التي كانت تحكم الواقع،إلاّ أن تكون تابعة لملّة ٍأحكمت عليها دائرةِ السوء، وعاثت بها فساداً وإفساداً.
    والمحصّلة التي أشرنا إليها - هنا - لا تتأتّى على هذا النحو والشاكلة، بحكم فعالية الخطاب الإعلامي الغازي،فحسب،بل يضاف إليها عامل داخلي مساند، يتمثل في سذاجة الإعلام الوطني ، وانحسار خطابه ، وتدني مستوى تأثيره ، وتمركز أنشطته في البؤر التي لا تقود إلى تنشيط الوعي وبنائه،بل غالباً ما تشهد الساحات الإعلامية تسابقاً بين وسائل الإعلام الوطني ، والإعلام الوافد على الإبداع في فعل" التهشيم" القيمي والروحي ،لأن الإعلام الوطني - في أفضل حالاته - ليس إلا إعلاماً ممجوجاً وغثّاً إلى حدّ بعث القشعريرة ، لفرط رتابته ، وضحالة خطابه الذي يظل موازياً للتخلف ومكرّساً لمظاهره،ولا يمتلك فكراً تنويرياً يقود إلى تحفيز الطاقات المجتمعية الكامنة لدى الأفراد والمؤسسات، وإيقاظ المجتمع من سباته،وإخراج الأرواح المسكونة بالعتمة والرّماد ، إلى بؤر الضوء والحياة،لتعمل بشكل متناغمٍ مع ما يسود العالم من تقدم وابتكار.
بالمقابل ، فإن الإعلام الذي يسوّق بضاعة العولمة،هو إعلام مؤهل للغزو،أما الإعلام المحلي،فهو ليس غير مؤهل للمواجهة،فحسب،بل غير قادر على مواصلة اتكائه،على أعمدة تهدمت قواعدها،ووهن بنيانها إلى حدٍّ تميّع معه الخطاب،وغامت الرؤى،وتبدّد الوعي ، أمام إعلام قادم بكل ما يمتلك من قدرات مادية ونفسية،وقد أعدّ عُدَّته،وبرمج وسائله،وسدّد رميه،ووجّه خطابه إلى منطقة الوعي في المجتمعات التي لا يواصل إعلامها،غير التطبيل والتزمير لمظاهر الهشاشة والتردّي ،التي تجتاح الأمة وتهيِّئ لسقوطها واندحارها.
    ويكفي أن نعلم بأن الولايات المتحدة الأمريكية تنتج وحدها ما يربو على (80%)من إجمالي الإنتاج الإعلامي العالمي ، وتسيطر على (65%) من المواد الثقافية التي تبثها وسائل الإعلام، ومع إلغاء السياسة الإغلاقية باتت نوافذ العالم مشرعة لكل ما تبثّه وسائطُ الإعلام الذي يعرف لمن يوجّه سهام غيّه،وعلى أي تربة يستنبت بذور أفكاره،وفي أي فضاء ينفث تعاليمه التي لا يمكن لها أن تتصور سياسة معارضة،أو اقتصاداً مشاكساً،أو ثقافة مغايرة،أو أدباً مقاوماَ لمشاريعها ، أو تعليماً غير مذعنٍ لرياحها العاتية وتوجهاتها.
 
الاعلام الثقافي للعولمة
 
- في واقع الامر-
 
هل نحن إزاء إعلام معني بثقافة ترفع من سوية الشأن الانساني وتتكيء على منجرة لبناء حاضره ومستقبله على هذا الكوكب؟ أم نحن ازاء إعلام يحط من قدر الانسان ويصادر منجزه ويتبنى ثقافة منحازة لحرب ضروس تقتفي أثر الروح وتغتالها، وتحول الجسد الآدمي الى ترس في آلة الانتاج والاستهلاك وفق معادلات رأس المال التي تؤمن بالجدوى الاقتصادية بصرف النظر عن الضريبة التي تدفعها الانسانية من دم وحزن ودموع وآهات تنبعث من صدور محشوة بآلام، رحلة العمر التي ذهبت بها رياح الاقتصاد والسياسة الى كل الاتجاهات باستثناء الاتجاه المؤدي الى عناق الحلم و الحياة بشكل دافئ وحميم .
 
أستذكر في هذا السياق واحدة من وصايا أبي حين قال:
" يا بني .... الحق الصامت يبني دولة لباطل مقيم"
 
وأتساءل هنا بلسان العالم المأزوم .. أي حق لا يقوى على مقاومة الفجيعة .. و أي باطل يعلي بنيان مجده معلنا اقامته الدائمة على أجداث الأحياء و الموتى من بني البشر الذين جُعلوا شعوبا و قبائل و علّمهم ربهم الأسماء كلها لإعمار كوكبهم إعمارا مشتركا ... هادفا إلى تعميم الخير و الفضيلة باقصى درجات السَّعَة و السّعي .
فماذا عن جعجعة الباطل المتصاعدة، وصوت الحق المنكمش الى داخله مثل "حلزون" تحاصره تلال من الملح؟ فضاقت به الحيلة فلا بوسعه الجنوح و الجموح و لا يقوى على اللجوء إلى ذاته و قد تهشم داخله و بدأت أعضاؤه بالتحلل و الانكسار كل هذا يجري و نحن ازاء تيار إعلامي جارف يسير باتجاه واحد، وتتدفق مكوناته وعناصره عبر قنوات تطرق أبواب البيوت والكهوف والمضارب، مفسدة على الانسان سكونه، ومصادرة خصوصيته وقابضة على أحلامه، ومدمرة لكل أشكال المناعة المتشكلة في داخله عبر آلاف السنين من (تاريخ) يجري تزويره وتجييره ومحاسبة صناعه من الاسلاف بدعوى الحداثة والتحديث ، والعصرنة والتجديد ، وهي دعوة حق أريد بها باطل لا لبس فيه، تصاحبها جوقة إعلاميه، وتديرها مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية، وتؤدي "واجبها التدميري" متناغمة مع ما يجري في هذا العالم من تشويه وخلخلة للثوابت الانسانية، وتهشيم للبنى المقاومة للمد الاعلامي الذي يعمم ثقافة التبعية والاستجداء ، ثقافة الخنوع و العبودية و الضراعة لسادة العالم المتوحدين – فقط - في تصديهم لصرخات من تبقى من الرافضين لسياسات العدوان و الهيمنة .
إذن ...،
و كما أن لكل رسالة وسائل إعلامها و أدوات تعميمها من بشر و تقنيات ، و سلطة مادية و معنوية فإن لكل إعلام رسالة ثقافيه، قد تكون رسالة حقْ تريد له أن يسود ويحقق حباً وعدالة وسلاماً وحواراً ومراجعة للذاتْ واحتراماً لخصوصية الآخر الذي يجري التعامل معه في معادلة الحضارة الانسانية كطرف رديف وليس طرفاً نقيضاً حتى وان امتلك مشروعاً مناقضاً - لأن في النقائض مسوغات للتلاقي، اذا سادت مفردات الحوار وتابت الأرواح الى طهرها، والأنفس الى رشدها، قبل أن يغيض الماء بالتنور، ولا يستوي احد على الجوديْ ولا من عاصم من هذا الطوفان.
وقد تكون رسالة الاعلام رسالة باطل وصلف ، واستكبار وتسلط واحتكام لمنطق القوة وحقها، خروجاً على مبدأ قوة الحق ومنطقه. ولسوء الطالع فان الرسالة التي "يؤديها إعلام العولمة" – و التي نحن بصددها - هي رسالة قهر للشعوب الصغيرة وترويضها لتنخرط (درفات وأفراداً) في معادلة العقيدة الامبريالية من غير أن تسوّل لها نفسها أن ترفض أمراً لوحيد القرن الذي بوسع منظومته النووية أن تطلق (01400) شحنة نووية في طلقة واحدة ، بالاضافة الى ما يربو على ألفي رأس نووي وبمقدوره ان يدمر العالم سبع مرات (فقط) وهو يجلس على كرسي متحرك، ضاغطاً باصابعه الغليظة الملساء على بضعة ازرار مثبتة على لوحة سوداء قاتمة، تعلوها شاشة عملاقة تنقل اليها الاقمار الاصطناعية كل أشكال الدمار والموت الذي تلحقه بهذا العالم قنابلها الغبية وصواريخها العابرة للقارات.
ولكي تضع المؤسسة العسكرية والسياسية و القوى الاقتصادية المهيمنة ، الاعلام في خدمة قضاياها ، لا بد من تعميم ثقافة مساندة لها، وتشكيل رأي عام الذي يتفق مع تطلعاتها، وهي في هذا السياق تعمل على جبهتين وان تباينت أهمية كل منهما أو تباينت مفردات لغة الخطاب الموجه اليهما.
 
أولاً: جبهة الداخل الأمريكي نفسه ذلك ان ثقافة العدوان حتى عند الشعوب التي تمارسه تستوجب استحضار مبررات تبدو أخلاقية في ظاهرها، لأن (العدوان) يمثل في أول الأمر وآخره امتهاناً لشعوب أخرى تشكل موضوعاً للعدوان الهادف إلى مصادرة كرامتها، واستباحة مقدساتها وتذويب ثقافاتها، وإحلال ثقافة المعتدي بكل ما تنطوي عليه من مخاطر الاقصاء والاجتثاث ، انطلاقا من عقد التعصب و الشوفينية العمياء .
إذن ... لا بد من تشكيل تيار وعي اجتماعي يقود الدهماء الى غايته، هذا التيار يأتي محملاً بإفرازات مركزة لثقافة (العدوان الصارخ) ومعبأً تماماً بتوجهاتها، كي يطل من نوافذ الإعلام بمختلف وسائله، ويلقي حمولاته التبريرية لتصنيع الموافقة الجماهيرية على القرارات السياسية والعسكرية التي يتم اتخاذها تباعاً، وتنبري زمرة من (مارينز الثقافة) مدافعة عن هذه التوجهات، واعتبارها جزءا لا يتجزأ ، من فصول الرسالة السامية التي يقوم بها الشعب الأمريكي الحر، لتحقيق روح الديمقراطية وترسيخ مبادئ الحرية وحقوق الانسان.
واذا سأل سائل من أهلهم عن مسوغات شن الحرب على شعب يكابد فقره وفاقته وجهله وأوبئته، تنطّعت وسائل الاعلام المتبني لثقافة العدوان، وأسهبت في تناول الشعوب المستهدفة باعتبارها عقبة كاداء في طريق التقدم واشاعة قيم التسامح والعدالة، وتمثل بؤراً لظلام يفرخ إرهاباً و عنفا ، يهددان أمن العالم وسلامة الشعوب الحرة المسترخية في ظلال الديمقراطية والمنادية بتحقيق الحرية والعدالة على هذا الكوكب.
 
نعم ...
إن هذه الشعوب المستهدفة بالعدوان ، كما يقدمها اعلام الثقافة الصارمة – تمثل خطراً كامناً يتهددكم يا جنود السلام العالمي، ويا حملة رسالة الرّب الذي بعث أجدادكم (المتطهرين) ليخلصوا هذه البلاد من رجس سكانها من الهنود الحمر، ولم يكن ما دفع ثمناً للديمقراطية، ومَهْراً لرسالة الحضارة الإنسانية، سوى بضعة ملايين من كائنات رديئة اسمها الهنود الحمر ، لم يكونوا يستحقون العيش على هذه الارض المقدسة بعد ان اهتدى اليهم الرب الانجليزي وقد اعتقدوا أنهم بمنأى عن بطشِه، فحمل أسلافكم مَهَمة معاقبتهم جزاء بما اقترفته أيديهم من طغيان وآثام لا تغسل إلا بدمائهم.
 
إذن ...
     نحن إزاء ثقافة أباحت لنفسها اغتيال ملايين الأبرياء ولم تستحوذ على هذه العلوّ في الأرض إلاّ فوق تلال من جماجم البشر في مختلف أصقاع الإرض... تساندها امبراطورية إعلام ضخمة، تتولى مهمة بثّ سموم الشك والريبة في نسيج المجتمع الامريكي، وتلقي عليه بظلال الخوف والقلق من اعداء يدقون أبواب منازلهم و هم فيها آمنين مطمئنين أو يقفون على مداخل قارتهم التي يشع من أطرافها العدل و السلام ، اللذين يفتقدهما العالم بفضل أولئك الأوغاد الذين لا يمتلكون أياً من أدوات الحضارة والمدنية وبالتالي فانهم ارهابيون وغير ديمقراطيين وليسوا أعداء للشعب الأمريكي فحسب، بل هم اعداء مباشرون لقيم العدل والسلام والتسامح في هذا العالم، الذي يتوجب عليه التوحد لمواجهة هؤلاء البرابرة الذين لا يؤمنون الا بلغة القهر والدم والخراب ، و الفوضى .
لقد تطوعت أجهزة الاعلام الصهيونية اثر احداث ايلول المفبركة في امريكا ضمن مهمتها في تشكيل رأي عام أمريكي مؤازر لتوجهات القيادة السياسية، وراح الكتّاب والمحلّلون السياسيون والدارسون من المستشرقين يسخرون اقلامهم ويستخدمون أسنة رماحهم ويتداولون الاسلام والمسلمين على موائدهم المستديرة، ويقدمون الشهادات الباطلة على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة ويصورون العرب والمسلمين على أنهم بشر قادمون من وراء التاريخ، متعطشون للدماء، يقاومون بكل ما استطاعوا حركة التقدم والنهوض، ويجهضون كل توجه مدني وحضاري يتبناه العالم المتحضر الذي تقوده الولايات المتحدة باعتبارها الوصي الشرعي على قيم العالم الحر ، و ممثلة لإرادة رسالته السامية .
واتخذت امريكا من انظمة فاسدة، وجماعات خارجة عن الاسلام، مثالاً عليه، تلك الانظمة والجماعات كانت حظيت بدعم أمريكي ابان الحرب الباردة، لأنها ظلت تمثل احتياطياً ضرورياً لأمريكا في مواجهة الغول الشيوعي آنذاك، فتحولت هي ذاتها الى (عدو) للانسانية وصارت تشكل (خطراً) يداهم العالم المتحضر و يهاجمه بضراوة في عقر داره ، اذا لم تُقْدِم أمريكا على شن حروب وقائية استباقية على أوكاره، و تجفف منابع تمويله ، قبل أن تطالَ أظافره الجسدَ الامريكي، وتنهشَ ما استطاعَت منه، وتنالَ من مصالحه وهيبته.
إذن على الساسة ومن خلال وسائل الاعلام أن يجدوا مبرراً لزيادة حصة الحروب الجديدة من الناتج القومي للبلاد، وأن يدفعوا بالمواطن الأمريكي للتسليم بمواصلة المشاركة في دفع فاتورة الاتفاق العسكري والرضى بتفعيل قوانين الطوارئ الذي تقضي بتفتيش عابري الطرق والدخول الى المنازل والتجسس على المكالمات الهاتفية والرسائل المتبادلة والحبس الاحترازي لمجرد الشك والريبة، بدعوى أن الولايات المتحدة تواجه أعداء الإنسان والحرية.
لا بد أن يشترك السياسي والإعلامي و المثقف المنحاز للموت على حساب الحياة ، في مطبخ واحد، ليُعِدُّوا وجبات سريعة قادرة على توليد صدمة مؤثرة في البنية الذهنية للجمهور الذي لا يمتلك غير ثقافة اللحظة الخاطفة وليجعلوا المواطن مستعداً للإنخراط في الحرب المقدسة التي يشنها قادته على (محاور الشر) التي تهدِّد أمن بلاده ومصالحها وثقافتها الديمقراطية و تعمل على تقويض عوامل استقرار العالم الحرّ ، وسلامة شعوبه.
تلك الثقافة المؤسسة على عقدة التميز وعقيدة الاستكبار و الغلظة ترسخ مفرداتها من خلال امبراطورية اعلام ضخمة تمتلك (6700) محطة اذاعة تجارية، (1500) محطة تلفزيونية ، و مثلها من الصحف اليومية صحيفة يومية وتنتج كل عام(200) فيلماً سينمائياً بكلفة عشرة مليارات دولار سنوياً وتخصص مليار دولار لطباعة المفسدات من كتب ومجلات. ويغذي امبراطورية الاعلام هذه المال اليهودي وترفدها العنصرية الصهيونية بجملة من المسلمات المستندة الى اساطير توراتية وتلمودية مزعومة تتيح للشعوب المختارة ان تمارس أقصى درجات البطش والقهر والتسلط حيال الشعوب التي عليها أن تواصل قطيعيتها واستجداءها وصمتها المريع.
 
ثانياُ: جبهة الخارج:
وهي جبهة ذات محورين، الأول منهما محور الدول الحليفة لوحيد القرن وهي حكومات الدول الغربية التي ترى الولايات المتحدة الامريكية ان مشتركاً حضارياً (ماضويا) ومستقبلاً (حداثوياً) يجمع بين هذه الاعراق التي تحتل شمال الكوكب في مواجهة المحور الثاني واعني به محور الجنوب ، حيث يمتاز المحور الأول بامتلاكه لأكبر تجمع رأسمالي صناعي وتقني، ويمثل مجتمع المعرفة، في حين يمتاز المحور الثاني بكثافة عالية على مستوى السكان والجهل والتخلف والأمية والفقر.
 امتيازات المعسكر الأول وفقا لرؤى ساسته و نخبه الاعلامية و الثقافية تؤهله حضارياً وتقنياً ليكون وصياً على عالم متخلف عنه دهوراً ضوئية، لأسباب ذات علاقة بطبيعة الكائنات المتخلفة التي تدب على أرض الجنوب الغنية بالموارد والثروات وهي اضافة للموارد البشرية يجب أن تسخر بكامل طاقاتها خدمة للسيد الغربي المتفوق عرقياً على غيره من الأجناس البشرية حنى ذهب بعض الاقتصاديين الغربيين الى تبني فكرة الحروب للحد من التزايد السكاني الذي يعاني الجنوب من آثاره وهي دعوة تمثل مفصلاً من مفاصل الثقافة العنصرية الراسخة في ذهنية ساسة المجتمعات الرأسمالية ومنظري الاقتصاد والثقافة والإعلام فيها.
ولذلك نلمح مفردات عنصرية صارخة في الخطاب الإعلامي الموجه من الداخل واليه، مع الدعوة الظاهرة الة ادارة حوار للحضارات، واحياء مؤتمرات تتناول قضايا الشمال والجنوب ولا يحضر الجنوب اليها الا لتكتمل الطاولة استدارتها، وليواصل السيد الغربي املاءاته وشروط الاصطفاف خلفه، ويتكفل الاعلام باستكمال لعبة الخداع والتلفيق، وهي اللعبة التي ما انفك يمارسها بمهنية عالية المستوى، وتؤتي أكلها كما يراد لها لأنها مكرسة أصلاً لخدمة ثقافة الهيمنة وتحقيق امتداد التفوق الاستعماري وتوطينه على شكل خبراء وسفارات ومستشارين وأنظمة وأقلام محلية مأجورة ومؤسسات مجتمعية تتلقى عوناً ماليا و اعلاميا متصاعداً كلما اشتد عودها وتأكد دورها في اختراق الرشم الثقافية وخلخلة الثوابت ونسف البديهيات وتجاوز مكونات الهوية وعناصرها وهي من شروط الآخر في قبولنا ضيوفاً طارئين على مائدته العامرة بصنوف شتى من (جزر) الترغيب حيناً (وعصي) التأنيب والترهيب احياناً.
إنه يوجه للمحور الثاني في جبهته الخارجية نصوصاً ثقافية واضحة تمام الوضوح تقول سالتها: أنتم أقوام كتبت عليكم الذلة والفقر والمسكنة والجهل والتخلف الى يوم غير معلوم بلادكم التي تحفل بكل هذه الموارد والخيرات ليست لكم، الحرية والديمقراطية التي نتبناها لا تليق بكم، الانسان الذي نتحدث عن حقه في العيش حراً... كريماً... آمنا لستم من سلالته انه انساننا الذي نبت في بيئة حرة وديمقراطية... له الحق في التحدث والسؤال والأمر (عليكم) (واجب) الاصغاء والاجابة والانصياع، واذا حدث وأن فكَّ لجامَهُ أحد وشق عصا طاعتنا فاننا وقوى السلام التي نتزعمها، ستشن عليكم حرباً تبيد نسلكم وتهلك حرثكم، وتحرق اخضركم ويابسكم.. وسيلاحق غضبنا أطفالكم وشيوخكم من كهف لكهف ومن خيمة الى خيمة حتى آخر حلم وآخر أمنية.
 فاذا كان بوسعكم ان تولدوا بعيداً عن رقابةٍ تلوِّث أصابعَنا بحبالكم السرية، فليس بامكانكم ان تعيشوا او ان تلقوا حتفكم كما تشتهون، عليكم ان تظلوا جيوشاً من الجوعى، وطوابيراً من الأميين والمرتزقة، واياكم ان يهذي احد بقومية مجنونة ، أو أن يتبنىعقيدة بائدة الا وفقاً لرؤيتنا وخدمة لقضايانا وحماية لمصالحنا التي نعرف حدودها ونضع الاستراتيجيات المناسبة لصون منحة "الرب" التي منحنا اياها، وجعلنا فوق كل ما خلق من طين وماء.
وبعد ... هل ثمة كآبة اكثر مما نحن فيه؟
تلك هي السياسة العنصرية التي يتبناها اعلامٌ يروِّجُ لثقافة عنصرية مستبدة تدفع بغيرها من الثقافات الى الحائط في محاولة دؤوبة لالغاء الآخر وتهشيم حصونه والانقضاض على هويته واقتلاعه وتسوية نتوءاته الطبوغرافية وترويضه ووضع حجاب على قلبه وسمعه وبصره ليلج في نفق يؤدي الى كائن العنف والجنس والرذيلة و الانحراف.
إعلام يريد لنا اأن ننام ونحلم وننهض ونلهث ونتشاطر ونتكوم في الزوايا المهجورة مثلما يفعلون .. إعلام لا يقدم إلاّ مشهداً واحداً يحتل فيه "الراعي" أقصى الزاوية العليا في الإطار، بينما يعبُّ القطيع من مستنقعات ثقافته الضحلة مشغلاً واجهة اللوحة فيما يبدو على خلفية الصورة شارع أمريكي مثالي فيه :
 رجال يبيعون كتبهم لشراء الكحول والمخدرات، نساء مترنحات يبحثن عن مأوى في آخر الليل، طالبات يتعرضن للاغتصاب من قبل زملاء لهن أثناء الاستراحة في حدائق المدارس الثانوية، معلمات يمتنعن عن تقديم الدروس الليلية لأنهن يغتصبن، أكفٌٌ يجري بترها في عرض الشارع للاستيلاء على ما تحمله الايدي من حلّي، اطفال يتضورون جوعاً، وآخرون يتعرضون للاختطاف والبيع والمتاجرة بأعضاء من أجسادهم النحيله، مراهقون و قاصرون يبيعون المخدرات على النواصي بأمر ورعاية من رجال الشرطة، دكاكين للمتعة الرخيصة، نواد للرذيلة، صناديق للتعري، شواطئ للعراة وجمعيات للواطين والسحاقيات، زنوج يضاجعون سعالهم في الانفاق، وآخرون يتدلون من فوهات حاويات القمامة بحثاً في احشائها عما يسد الرمق.. اطار الصورة مزخرف باشارات كثيرة للتعجب والاستهجان !!
فهل يوقف إعلام العولمة وثقافتها دهشة التعجب ويطفيءُ وحشة الإستهجان؟ أم تنهض الشعوب والأمم المستهدفة بمشروع أمركة الثقافة وتعزف فاصلاً من موسيقاها ، وتقدِّم مشهدها الخاص خالياً من عفن العنف والجريمة، ومتوِّجاً لقيم العدل والحرية والحياة الأجمل لكل من يدبُّ على هذا الكوكب بعيداً عن اعتبارات اللون والعرق والمذهب والطائفة ؟؟
هل هو حلم مارتن لوثر كينج؟ أم هي حقيقة ملجأ العامرية وسجن أبي غريب وجبال تورابورا و أكواخ الفلوجة المتكومة فوق الأشلاء ؟
أم هي جوقة الإعلام الممهد و المساند لثقافة التدمير المبرمج والفوضى الخلاقة التي يراد بها توليد خرائط جديدة حاملة فسيفساء الطوائف و الأعراق و المذاهب تحقيقا لحلم تاريخي يتلخص في قهر الشعوب و احتلال أوطانها و نهب ثرواتها و اخراجها من معادلة المشترَك الانساني بتهشيم بناها الثقافية و نسف ثوابتها و الغاء معاييرها الانسانية و القيمية و تعميم ثقافة القطيع الذاهب إلى مائه و كلئه و حتفه المنتظر من غير أن يسأل جلاد عن سبب مقنع لهذا الموت المجاني الذي بات مشهدا يوميا عاديا تماما و يمثل ملمحا من ملامح حقبة تبدو غارقة في الغموض و الترقب حتى كأن لا نهاية لهذا الكابوس المقيم .

الكاتب: الدكتور محمد مقدادي

تاريخ الإضافة: 2008/7/7 - تحميل:



مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2018، المجلس العالمي للغة العربية.