إصداراتنا > المؤتمر السابع


خطورة الأمية وضرورة الأمن اللغوي

خطورة الأمية وضرورة الأمن اللغوي

 

الدكتور حسين محمود العمري
خطورة الأمية وضرورة الأمن اللغوي
مقدمة
 
عندما نقدم على بحث مشكلة أية مشكلة نقف طويلاً أمامها ونحاول تفحصها بعيون مختلفة، هي في نهاية الأمر لها مخاطر قد تكون قريبة المدى أو بعيدة، وسواء كانت من الأولى أو الثانية لا بد للمجتمعات الحية أن تقف موقف المعالج لا موقف المتفرج، لأن الضرر سيلحق بالجميع حتى لو حاولنا تغطية رؤوسنا بصفائح نحاسية والباحث في هذا المقام سيحاول التركيز على مشكلة لها علاقة بمصير اللغة العربية إن لم يكن على مستوى البناء فهو على مستوى التكوين التاريخي للغة العربية كونها تمثل أعلى درجات الوجدان لدى الإنسان العربي، انطلاقاً من الأبعاد التالية:
1-   تمثل اللغة ذاكرة الإنسان وبعده التراثي والوجداني، فلا يمكن أن يكون للإنسان تاريخ أو قيمة فكرية إلا من خلال اللغة والتي نسبه إليها الإنسان منذ أقدم العصور، فبحث واجتهد بكل وسائله المتاحة حتى اتخذ له وسيلة للتخاطب أولاً. وصورة للذاكرة ثانياً، لأن وسيلة التخاطب محفوفة بخطر النسيان والخلط في معظم الحالات كما أن هذه اللغة لا تدوم إلا بعمر الإنسان إلا في حالات التوريث الشفاهي وهو ما أسموه بالرواية، أو النقل وغيرها من المسميات ولذا كان التاريخ المروي محفوف بمخاطر الدّسّ والسرقة والكذب في أحيان كثيرة.
2-   تمثل اللغة البعد الفكري: فلا يمكن أن نتصور العقل بدون وسيلة للتعبير، فاللغة هي الأثر الذي يتركه العقل البشري، فإن حاول التأثير من خلال تفكيره في أي أمر، فإنه سرعان ما يلجأ للتعبير بوسائل متعددة، مثل الإشارة، أو الرسم، أو سمات الجسد بأنواعه، إلى درجة أن الصمت أصبح يمثل لغة للتعبير، لكن الإنسان بفضوله لم يبق واقفاً وعاجزاً أمام هذه الحاجة الماسة إذ انطلق يبحث بقدراته التي منحه إياها الخالق، ليجعل وسيلة تعبير العقل من خلال التكوينات التعبيرية التي نعرفها كالرسم كما كان عند الفراعنة، واللغة المسمارية بأشكالها، ثم بداية تكوين الحرف لدى الأشوريين، والكنعانيين، والفنيقيين، والسريانية ثم الإغريقية والرومانية، والأنباط حتى وصل الخط إلى ما وصل إليه الآن، وما كان ذلك إلا للحاجة الماسة لمثل هذه الاختراعات، وهي حكمة الله من وجود الإنسان الذي خلقه ليعمّر الأرض ويكون فيها خليفة.
 
من هذه الأبعاد وغيرها تولدت مع مرور الزمن مشكلات اعترضت اللغة العربية وواجهتها إلى درجة أنها أصبحت غير قادرة على عملها ومن أهم هذه المشكلات، مشكلة المصطلح، ومشكلة سيطرت اللغات الأخرى على اللسان الإنساني، ومشكلة ضعف الإنسان العربي، ومشكلة الأمية بنوعيها أمية الحرف، وأمية الفكر والمعرفة، وسأتوجّه في هذا البحث للوقوف على مشكلة أمية الحرف كونها أصبحت الآن عاملاً مساعداً بل أساسياً في تراجع الإنسان العربي بكل أبعاده العلمية والفكرية وحتى في مستوى التفكير العقلي.
 
لماذا مشكلة الأمية؟
سؤال يطرحه بعض العامة من الناس ربما يدركون الإجابة وربما يتجاهلون وربما لا يعرفون، لقد أدرك القدماء خطورة هذه المشكلة منذ أقدم العصور، فيما رفع سكان وادي الرافدين شعار (لنتعلم الكتابة) وقد عثر على نموذج مستنسخ من الألواح الطينية في بابل يعود زمنه إلى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد يشجع التفوق في المعرفة وتضمن حكمة تنص على "أن من يتفوق في كتابة اللوحة سوف يسطع كالشمس"([1]) وهل يختلف مضمون هذه العبارة ععن مضمون الآية الكريمة (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) فالتقدير والتقديس لمن يتقن اللغة منذ أقدم العصور، لأن الإنسان أدرك بأن قيمته ووجوده، وكيانه وتاريخه لا يكون إلا من خلال هذه الوسيلة وكما تنبّه القدماء إلى هذه المشكلة فقد تنبّه إليها الإسلام منذ اللحظة الأولى، وأدرك الرسول (ص) بما أوحي إليه أنه لا يمكن أن يكون الدين إلا من خلال الكتابة وخاصة أن معجزة الدين الإسلامي تقوم على القرآن الكريم، فكيف سيتعامل المسلم مع الدين إن لم يتقن القراءة والكتابة فكانت الكلمة الأولى في الخطاب الإلهي للرسول أولاً وللمسلمين ثانياً (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق ......) ([2]) فالمسوغ للقراءة كما أشارة هذه الآية لكي يدرك الإنسان كيف وجد وكيف كان وكيف سيكون، فهي مصدر المعرفة الأولى، وهي الإشارة التي سيمر من خلال المسلم وبدونها لن يكون، لأن الإسلام أقرّ ثلاثة مراحل للاستدلال والوصول إلى الأشياء، وهي:
 
أولاً: الحقائق العلمية التي يمكن التوصل إليها من خلال التجربة والمشاهدة وتلمسها بحواس الإنسان كمكونات الماء، وحالة الطقس وغيرها، وهذه تحتاج إلى مناهج علمية للسير فيها والتوصل إليها.
ثانياً: الحقائق العقلية التي يمكن التوصل إليها بالمنطق العقلي والاستدلال المنطقي، كالرعد يتبعه البرق ثم المطر، والزواج يتبعه الحمل والولادة، وغيرها.
ثالثاً: وحقائق يمكن الوصول إليها بالتأمل والتفكير والإلهام.
 
وقد ركزّ الدين الإسلامي على هذه الحقائق كاملة ليتمكن المسلم من الوصول إلى سرّ الكون وما وراء الكون، وبعد ذلك إلى الإيمان بالله الذي لا نراه ولا نلمسه ولا نسمعه، بل من خلال ما تركه في هذا الكون من آيات دالة على وجوده. وهذا أيضاً يحتاج إلى القراءة والتأمل والتفكير العميق واللغة هي جزء مهم من هذا التفكير، إذ قال الله تعالى في سورة النمل (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) (3) .
وهذا ما أكدّه الدكتور عمر فروخ "إن الإنسان وُلد لا يعلم شيئاً ولكنه وُهب أسباب المعرفة" (4) مستدلاً بالآية السابقة.
فمن خلال هذا التجوال فهل يمكن أن نتصور الإنسان وهو لا يجيد القراءة والكتابة، وهل يمكن له أن يجيد الحياة أو التعامل معها إن كان ذلك على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو الروحي، أو الديني وقد ركز الإسلام على الجانب العقلي إلى درجة كبيرة من مواضع متعددة في القرآن الكريم إذ وصلت إلى أكثر من "خمسين آية"(5) مثل قوله (إن الله يحيى الأرض بعد موتها، قد بينّا لكم الآيات لعلكم تعقلون) وقوله (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) وقوله (إن شرّ الدواب عند الله الصم إليكم الذين لا يعقلون) وقوله (كذلك نفصّل الآيات لقوم يعقلون) صدق الله العظيم، وما التركيز على العقل إلا لأنه هو الأساس في الدين وبدونه الإنسان غير مكلف بأي واجب سواء ديني أو دنيوي، والعقل مادته اللغة، واللغة مادتها العقل فهما متكاملان متوافقان، ولذا ركزّ الإسلام على هذه الجوانب وبدونها لن ينجح الإسلام أو ينتشر كما هو الآن.
إذن فالأمية مشكلة تحول بين الإنسان والحياة، وتجعله لا يبرح مكانه تفكيراً وتغييراً وتنمية، ووجداناً، فكما العين مادتها البصر والأذن مادتها السمع واللسان مادته الذوق فكذلك العقل مادته القراءة والكتابة.
هذا على المستوى الديني، أما على المستوى الاقتصادي والحضاري والاجتماعي فتعتبر الأمية علامة بارزة من علامات التخلف فتشدّ المجتمع إلى الوراء ولذا ركزّ الاستعمار بكافة أشكاله على إفشاء الأمية كونها ظاهرة اجتماعية تدعو للتخلف وهي سبباً له، وهي تعدّ من أكبر المشاكل التي تواجه المجتمعات التي تسعى للتقدم وتكوين مجتمعات عصرية عنوانها العلم والمعرفة والتقدم التكنولوجي، ومجتمعاتنا العربية تعاني الآن من هذه الظاهرة التي باتت تؤرّق الأجيال القادمة وخاصة التي تتعرض للحروب والصراعات الطائفية أو السياسية.
أما هذه الظاهرة فقد عمّت كل العالم العربي من المحيط إلى الخليج وقد ساعد الاستعمار على تأصيل هذه الظاهرة إلى جانب القيم التي سادت المجتمعات العربية، وقد تنبّهت هذه المجتمعات وبمستويات مختلفة إلى خطورة هذه الظاهرة، فمنها من بدأ بمعالجتها مبكراً، ومنها من تأخّر، وعلى كافة المستويات تعتبر وسائل المعالجة قاصرة وغير كافية ولنأخذ أمثلة على ذلك على سبيل المثال:
 
أولاً: تجربة مصر:
لا شك أن مصر ومن خلال اتصالها بالغرب مبكراً ودخول الثقافات الغربية إليها، جعلت من بعض المفكرين المصريين يتنبّهون إلى خطورة هذه الظاهرة، فمن أعلام مصر مثل رفاعة الطهطاوي الذي "طالب بتطوير الأزهر الشريف وتعليم المرأة، وإليه يرجع الفضل في إنشاء أول مدرسة لتعليم البنات..."(6) وهي أول الخطوات التي بدأها الطهطاوي متنبّهاً إلى خطورة جهل المرأة في المجتمع وجاء بعده باشا مبارك، وباشا إبراهيم، والإمام محمد عبده، حيث كان يؤمن هذا الأخير بأن التعليم قادر على خلق طبقة واعية ومتنيرة تستطيع أن تحقق الحكم النيابي الصحيح، وأكد على أن الحكم النيابي أو الديمقراطي لا يمكن أن ينجح طالما الجهل هو السمة البارزة في المجتمع، ثم جاء أحمد لطفي السيد، والزعيم مصطفى كامل وقد كان الفضل أيضاً في جعل التعليم الابتدائي مجاني عام 1944 على يد أحمد نجيب الهلالي.
وقد كان أيضاً لطه حسين الفضل في استكمال مسيرة القضاء على الأميّة والجهل من خلال آرائه التي تسعى للاستقلال السياسي وحماية الشباب وتهيئتهم لحماية الوطن، ومن أبرز آرائه:
1-   التعليم حق للجميع.
2-   الديمقراطية لا تتفق مع الجهل.
3-   أكدّ على مبدأ تكافؤ الفرص بعد سن الرابعة عشرة.
 
ولتحقيق هذه الآراء أعلن مجانية التعليم عندما تولى وزارة المعارف المصرية سنة 1950 حتى المرحلة الثانوية، وقد توسع في بناء المدارس، واهتم برياض الأطفال وغيرها، وعلى الرغم من كل ذلك وإلى جانب الجهود المبذولة في الدولة المصرية إلا أن الظاهرة ما زالت موجودة وتشكّل خطورة على المجتمع المصري إذ تصل نسبة الأميّة إلى 45% في الوطن العربي ويتركز هذا المجموع في الصومال، موريتانيا، السودان، اليمن، المغرب، ومصر(7) بينما النسبة العامة في الوطن العربي تصل إلى 35.6% حتى عام 2005، وهي نسبة عالية إذا عرفنا عدد الأميين يصل إلى 70 مليون من أصل (305) مليون نسمة.
وقد ازدادت هذه الأعداد حتى وصلت إلى (100) مليون نسمة والإشارات تدلّ على أن عدد الأميين بازدياد مستمر.
 
2-التجربة في الأردن:
لم تكن بمنأى عن خطر الأميّة الذي عرفناه في الوطن العربي، فقد تعرّض إلى ما تعرّض إليه الوطن العربي من سيطرة أجنبية، وسياسات تجهيل من الأنظمة المتعاقبة، وقد بدأ يشعر بخطورة الأمية لاحقاً عندما عرف أن الأميّة عامل هدم لا عامل بناء، وقد كانت منتشرة إلى درجة أنها بلغت نسبتها عام 1961 (67.6%)(8) وقد أخذت الأجهزة الحكومية بالاستفادة من التجارب العربية وخاصة في فلسطين، ومصر وسوريا ولبنان في مقاومة هذه الأميّة حتى وصلت نسبتها عام 2005 إلى (9.1%)(9) ونسبة الإناث بالطبع تشكّل العدد الأكبر، نظراً للثقافة الاجتماعية والدينية التي كانت وما تزال سائدة خاصة في الأرياف والبوادي.
وقد ساهمت كل القطاعات في التخلص من هذه الظاهرة الخطيرة سواء على مستوى الأفراد أو وزارة التربية والتعليم والقوات المسلحة والهيئات والمؤسسات الأهلية وخاصة النسائية منها حتى وصلت نسبة الأميّة في منتصف سنة 2010 إلى (6.8%) وبواقع (3.7%) للذكور و (10.1%) للإناث، وقد اختلفت معالجات ظاهرة محو الأميّة في الأردن عنها في مصر إذ لم تكن بمبادرات فردية بل من خلال المؤسسات والجماعات والبرامج منذ بدايتها، مثل:
 
الخطة والبرامج للقضاء على الأميّة:
بدأت وزارة التربية والتعليم في هذه التجربة وتكتب الريادة لها إذ وضعت البرامج والخطط للتخلص من هذه الظاهرة، إذ وفرت الإمكانات والظروف إذ توفر عدد (10) دارسين في أي منطقة كانت، فتوفر المدرّسين والمدارس، وأحياناً في البيوت إذا رغب أحد المتبرعين ببيته لهذه الغاية، وقد اعتمدت الوزارة على أسلوبين:
أ-    الإجراء الوقائي:
من خلال إلزام الأطفال بالالتحاق بالمدارس حتى سن السادسة من العمر بدون دفع رسوم للمدارس أي مجانية التعليم وحتى الصف التاسع الأساسي، وكل من يتخلف عن إلحاق ابنه إلى المدرسة يتعرض للمسائلة والعقاب.
ب-  الإجراء العلاجي:
وقد عملت وزارة التربية على السير باتجاهين الأول يتلقى الأميّ دروسه لمدة ستة عشر شهراً ويعطى المتدرب شهادة الرابع الأساسي والمرحلة الثانية لمدة عامين دراسيين ويمنح فيها المتدرب شهادة الصف السادس الابتدائي.
وقد زاد اهتمام وزارة التربية بهذا الجانب من خلال التوجيهات الملكية وعقد مؤتمر التطوير التربوي في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وخطط التطوير التربوي المختلفة، وقد وصلت مراكز محو الأميّة ما بين عامي 2009/ 2010 حوالي (470) مركزاً، وعدد الدارسين (5583) دارساً موزعين على كافة محافظات المملكة، وقد بيّنت الدراسات أهمية هذه البرامج ولمس نتائجها على الواقع من خلال:
-    الناحية التعليمية: توفير فرص التعليم للذكور والإناث الذين فاتهم قطار التعليم، وهذا أدى إلى تعميق الوعي الوطني والقومي لدى الفرد.
-    شخصية الفرد الجسمية والنفسية والصحية: إذ تبين أن هذه البرامج أعطت الفرد قدرة على مواجهة مشكلات الحياة، وكيفية معالجتها الأمر الذي انعكس على جوانبه النفسية والجسمية.
-    إن التعليم والوعي، يجعل من الفرد إنسانياً قادراً ولديه الرغبة في العطاء، وزيادة الإنتاجية وهو ما يتطلبه الوطن، فالمردود الاقتصادي يزداد ويفيد باتجاهين الفردي والجمعي.
 
اللغة العربية في مواجهة التحديات:
منذ أن بدأت اللغة العربية بالظهور جليّة مع تنزيل القرآن الكريم على الرسول (ص) والتحديات ملازمة لهذه اللغة، فلم يكن الحرف العربي متأصلاً في أقلام أهله، بل ما زالت اللغات القديمة كالكنعانية والأشورية والفينيقية، والسريانية تسيطر على الموقف، وكذلك سيطرت بعض اللغات الأخرى على بلاد اليمن كالسبأية، والحميرية، فلم يعرف الإنسان العربي بشكل ملحوظ الحرف العربي، إلا بعد ما جاء القرآن وأخذ ........... أن هذا الحرف الذي أصبح مسيطراً على الكتابات العربية فيما بعد، ولذا يعتبر القرآن الكريم أول كتاب يكتب بالحرف العربي، فالعربية إذن بدأت بهذا التحدي، ثم أخذت بعض اللغات الأخرى والتي كانت سائدة في عصر الرسول (ص) كالفارسية واليونانية والهندية بالدخول إلى المجتمع العربي الإسلامي بفعل المسلمين من غير العرب، ثم أصبح التحدي أكبر عندما بدأت الفتوحات الإسلامية للبلاد غير العربية، فنشر الدين يقتضي تعلّم العربية لإيصال القرآن إلى هؤلاء الناس، وهناك تحديات أخرى، واجهت المسلمين لا يمكن حصرها الآن، وما يهمنا حاضراً هو الوقوف على التحديات المعاصرة التي تواجه هذه اللغة بكافة أبعادها، ومن أهم هذه            التحديات:
1-   المصطلح العلمي: من المعروف أن اللغة العربية هي لغة المجاز والإبداع الخيالي، أما قضية المصطلح فلا تعدّ من سماتها، ربما لأن الإنسان العربي غير معني بالاختراعات العلمية التي تلزم بالبحث عن مصطلح يواكب هذه الاختراعات ولذا في هذا العصر الذي سيطرت فيه التكنولوجيات على الإنسان أصبح يشعر العربي بأنه غير معني بهذه التكنولوجيا إلا بالبعد الاستهلاكي ولم يترك لعقله بالتفكير ولو للحظة واحدة بكيفية اختراع هذه الآلة أو ما يتبعها من تسميات، والمشكلة تظهر عندما نحاول أن ننقل ثقافة هذه الآلة إلى الثقافة العربية فنقف طويلاً لكي نجد الاسم البديل وتعجز معاجم اللغة، والمجامع اللغوية عن حلّ هذه المشكلة حتى الآن.
2-   سيطرت اللغات الأجنبية: أظهرت آخر الدراسات بأن اللغة الإنجليزية هي الأكثر انتشاراً ويتحدث بها من العالم نحو 92%، بينما اللغة العربية محصورة بأبنائها ومعظم المسلمين لا يجيدون التحدث باللغة العربية.
3-   لم تعد المشكلة بانتشار اللغة العربية والتحدّث بها فقط بل المشكلة في استعمال اللغة العربية السليمة، حيث أن 90% من العرب يتحدثون ويستعملون اللهجات العامية التي تبتعد قليلاً عن اللغة الأم. وبعد هذه اللهجات يأتي من خلال تداخل بعض اللغات الأجنبية واعوجاج اللسان العربي كما هو ملحوظ في شمال أفريقيا وفي بلاد المغرب العربي خاصة، فتتداخل اللغة الفرنسية مع ............. مع العربية فينتج لسان غريب عجيب، وكذلك في الخليج العربي نجد اللهجات الهجينة بسبب وجود الخادمات والخدم، كلغة (طاش ما طاش) وهذه اللهجات خلطة من العاميات العربية واللغات الأجنبية(10)
4-   إشكالية المناهج في اللغة العربية في وزارات التربية والتعليم فالمراقب لهذه المناهج لا يجد فيها ما يؤطّر العلاقة بين الطالب وبيئته ولغته ومجتمعه، فإما تكون غريبة بثقافتها أو غريبة بلغتها، وفي أغلب الأحيان بالاثنتين معاً، وسمة أخرى أصبحت تتسم بها هذه المناهج حديثاً وهي الازدحام في المعلومات ورصفها إلى درجة الضيق النفسي فالطالب في أكثر الأحيان لا يستطيع مواصلة المادة الدراسية الأمر الذي يجعله عازفاً عنها غير مكترث، وهذا بدوره يؤدي إلى تراجع في الحياة التعليمية والثقافية على حدٍّ سواء.
ولذا ومن خلال ما ذكرنا من تحديات تواجه اللغة العربية بحاجة إلى الوقوف جادين أمام هذه التحديات ووضع الخطط والاستراتيجيات الواعية لإعادة اللغة إلى بهائها واحترامها لأن احترام الشعوب يرتبط باحترام ثقافته ودينه ولغته.
 
المعوقات اللغوية في الوطن العربي:
لا شك أن اللغة العربية أعاقها كثير من المعيقات التي أثرّت في مسيرتها قديماً وحديثاً، وعلى الرغم من مرور الزمن على هذه المعيقات إلا أن الجهود اللازمة لإزالة هذه المشكلات ما زالت موجودة والتخلص منها يحتاج إلى عمليات استئصاله إن كان على مستوى الفرد أو المجتمع، ومثال ذلك:
1-  العجز في التأهيل اللغوي.
كل الطرق المتّبعة على مستوى المدرسة والجامعة والمراكز التأهيلية تحتاج إلى إعادة صياغة على المستويين اللغة نفسها ومناهجها، وربما يتأتى ذلك من الفارق الكبير بين المستويات الفصيحة والرسمية، واللهجات العامية، ومهما حاولنا التقريب بين هذه المستويات تبقى الأدوات عاجزة عن حل المشكلة، والجهد المبذول حتى الآن ما زال قاصراً ولم يفي بالغرض فالجهد المبذول لتعلّم أية لغة أجنبية قد لا يوازيه الجهد المبذول لإتقان اللغة الفصيحة.
 
2-  تداخل اللغات:
تعد المنطقة من أكثر البلاد ازدحاماً وتداخلاً في اللغات لأسباب تاريخية مثل الاستعمار ووجود اللسان الأجنبي على أرضه، من الإنجليزية إلى الفرنسية إلى التركية إلى الإيطالية فالإسبانية وغيرها بالإضافة إلى اللغات غير الرسمية الأخرى كالأمازيغية والكردية، مما أثرت هذه اللغات نفسياً في التكوين اللغوي لأبناء العربية.
ومن جانب آخر سيطرت اللهجات على اللسان العربي إلى درجة أنها أصبحت بديلاً لها في الكتابة والفن والحوار، وهذا ما أضعف اللغة العربية في أقلام أصحابها، كما قال د. محمد عبدو فلفل "إن اللغة العربية مزاحمة في عقـر دارها بأنماط لغوية استعماليـة


أخرى، عربية محلية تتمثل بلهجاتها، المتعددة، تعدد الأصقاع والأقاليم العربية"(11).
 
3-  المغايرة بين المكتوب والمنطوق:
ربما لا تكون هذه الظاهرة في اللغة العربية وحدها إلا أنها في نهاية الأمر تسبب إشكالية عند أبناء العربية وخاصة عند تعلّمها في المراحل الأولية، فكثير من المقاطع الصوتية ننطقها ولا نكتبها وبعضها وأحياناً نكتب بعض المقاطع دون نطقها مما يوقعنا في إرباك عند تعلم اللغة العربية، وهي مشكلة عامة قد تكون في معظم اللغات إلا أنها في لغتنا العربية واضحة بشكل ملفت.
 
4-  ربط قوة اللغة بقوة الأمة:
وهذا المعيار منذ القدم قال به الفلاسفة، وأهل اللغة بأن قوة الأمة تؤثر في كل مكوناتها الاقتصادية والثقافية وغيرها واللغة هي إحدى المكونات الأساسية التي تتأثر بوجود الأمة والأمة العربية تمرّ بأضعف مراحلها ولذا تبعتها لغتين فهي ضعيفة لأن أبنائها هكذا ومهما حاولت الأمة الارتقاء بلغتها فلن تستطيع طالما الأنظمة والجماعات والأفراد ليست لديهم الإمكانيات النفسية التي تؤهلهم للارتقاء بهذه اللغة.
 
الموجبات الضرورية للتخطيط اللغوي:
من خلال ما سبق، ربما نصل إلى قناعة فحواها، لا بد من العمل مع ضرورة الإيمان المطلق بأن السكوت على علاّتنا تؤدي بنا إلى الوقوف في زاوية طويلاً دون الخلاص منها، ومن هنا وجدنا أن الموجبات التي تجبرنا على وضع الاستراتيجيات للخلاص منها:
1-   أن ضعف اللغة الإنجليزية يجعل الإنسان العربي شبه معزول ولا يستطيع التعامل مع العالم الخارجي الذي أصبح شبه قرية إنجليزية. فالتجارة والتعليم، والسياسة كلها بحاجة للغة الإنجليزية.
2-   إن الفرد يستطيع التكيف مع المتغيرات إلا إذا ملك لغة العلم والمصطلح سواء كانت اللغة الإنجليزية أو غيرها.
3-   لا بد من الأخذ بالأسباب الموجبة للضعف الاقتصادي في الدول العربية الذي يتبعه ضعف لغوي، فالدول المتقدمة اقتصادياً وعسكرياً قوية بلغتها، والدول الضعيفة ضعيفة بلغتها فالحرص والتقدم لا بد منه.
4-   نلحظ في دولنا العربية عدم التجانس اللغوي بفعل اللغات الأخرى وسيطرت اللهجات العامية الأمر الذي يجعل هذه السمات اللغوية تؤثر على التجانس الاجتماعي والمهني والوظيفي.
 
وتبقى المخرجات الواجب الوقوف عندها عندما نقف على حقيقة هذه الموجبات ومحاولة إيجاد الحلول الناجعة لعلاجها والخلاص من غبارها لنصل إلى وضع لغوي معقول قادر على المضيّ بالمجتمع إلى الأمام.
فعلاج الداء اللغوي والوصول به إلى مرحلة الأمان يعني ذلك أننا أفدنا الإنسان العربي فرداً وجماعات معنوياً ومادياً، فالإحساس بقوة اللغة يقودنا إلى الإحساس بالقوة المادية، لأن "اللغة تعدّ مصدراً من مصادر الدخل القومي"(12)
فهي في نهاية الأمر وسيلة التواصل والحوار ولغة العلم، والمصطلح العلمي وهي لغة الروح والدين، فبضعفها تضعف الأمة وبقوتها تقوى الأمة، وللخروج من هذا المأزق لا بد من وضع استراتيجية واضحة لغايات العلاج.
 
ملخص البحث
 
تقوم هذه الدراسة على فكرة السؤال التالي؛ هل الأميّة في الوطن العربي تؤدي إلى تأخّر المجتمع معنوياً ومادياً..؟
والوقوف على هذه المشكلة ومحاولة علاجها يعتبر من أهم الأمانات الملقاة على عاتق الإنسان العربي وخاصة إذا ما عرفنا أن نسبة الأميّة في الوطن العربي تجاوزت 30% وما زالت هذه النسبة بازدياد على الرغم من التوسع في اكتساب المعارف والمهارات التكنولوجية.
وقد ثبت لدى الدارسين والمتابعين بأن التقدم المعرفي والوعي سواء كان على مستوى اللغة أو الثقافة بشكل عام يؤدي إلى مكتسبات مادية وتقدم بالمجتمع إلى الأمام. وخاصة إذا كانت اللغة صالحة للتعامل مع المؤسسات المجتمعية محلياً وعالمياً ومن جميع النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية.. إلخ.
وقد حاول الدارس الوقوف على المعطيات السائدة على الساحة العربية وكيفية الخلاص منها من خلا وضع الحلول والاستراتيجيات.
أما كيفية الوصول إلى الأمن اللغوي فهذا يحتاج إلى وقفة على مستوى السلطة والقرار السياسي الذي يركّز على مدخلات اللغة كالمدرّسين والمناهج والبيئة اللغوية ومحاولة دعمها مادياً للوصول إلى مخرجات مقبولة وتؤدي بالمجتمع إلى التقدم والرقيّ.
وتبقى اللغة هي إحدى المقومات الأساسية للمجتمعات إذ لا تقلّ على أي مصدر من شمصادر الدخل القومي فائدة للمجتمع.
 

الكاتب: الدكتور حسين محمود العمري- الأردن

تاريخ الإضافة: 2011/6/7 - تحميل:



مواقع صديقة


  حقوق النشر محفوظة © 2018، المجلس العالمي للغة العربية.